Popular Now

أصل القضية | السودان.. ٢٠١٨م بنسخة ٢٠٢٦م .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

السودان بين الضغوط الداخلية والتدخلات الإقليمية ومساعي تثبيت الدولة (19) قراءة تحليلية في الحرب، الاقتصاد، المواقف الإثيوبية، والتحولات داخل القوى المسلحة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

القوات المسلحة .. من كسر طوق كردفان إلى إعادة تشكيل الواقع .. د. إسماعيل الناير .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية

القوات المسلحة .. من كسر طوق كردفان إلى إعادة تشكيل الواقع .. د. إسماعيل الناير .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية

تحولت المعارك التي تخوضها القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها في شمال كردفان من مجرد عمليات عسكرية متتابعة لتحرير المدن والمناطق من سيطرة مليشيا الدعم السريع إلى مايشبة دائرة يتسع قطرها حتى يحتوي مجالات أكثر ترابطاً وأكثر إثارة وتعقيد، فالنصر الذي حققته القوات المسلحة الممتد من جبرة الشيخ، وأم سيالة وأم قرفة، مروراً بتنة وسودري، وصولاً إلى المزروب، يكتسب أهميته من موقعه داخل البنية الاستراتيجية للحرب وتصاريف السياسة. فالمزروب ،على وجه الخصوص، كانت تمثل مرتكز استراتجي مهم بين شمال كردفان وغربها، وبتحريرها ضاقت مساحة المناورة أمام مليشيا الدعم السريع و ضغطت على خطوط إمدادها واتصالها بدارفور. وقد وصفت تقارير حديثة المزروب بأنه أحد أكبر معاقل الدعم السريع في شمال كردفان، وأن تحريرها و السيطرة عليها تخدم هدف قطع خطوط الإمداد من بين أهداف أخرى.
وهنا ينبغي الانتقال من قراءة المدن المحررة إلى قراءة المجال العملياتي. تحليل أي موقف عسكري لأي قوات مقاتلة لا يقاس بعدد مقاتليها، وإنما بقدرتها على الحركة، والإمداد والمناورة والاحتفاظ بالمبادرة. ومن هذه الزاوية، فإن ما يحدث في شمال كردفان يمثل عملية ضغط متدرجة تمارسه القوات المسلحة والقوات المساندة بذكاء نادر الحدوث على العمق العملياتي للمليشيا الهاربة، ويعيد توصيف و رسم المسافة بين مناطق سيطرتها الأساسية في دارفور والمناطق التي حاولت النفاذ إليها في اتجاه الوسط والشمال.
لقد كانت كردفان ،بحكم موقعها الجغرافي، إحدى أهم ساحات الصراع على المبادرة الاستراتيجية، ولذلك فإن انتقال القوات المسلحة من استعادة الطريق الاستراتيجي بين الأبيض والخرطوم، إلى جبرة الشيخ وأم سيالة، وأم قرفة، ثم سودري والمزروب، يعني أن المعركة تجاوزت معني السيطرة على الأرض، وتحولت الي مفهوم القدرة على التحكم في حركة والمناورة والوصل فى ساحات المعارك بين كردفان دارفور. وقد أشارت تقارير ميدانية إلى أن تقدم القوات المسلحة والقوات المساندة لها في شمال كردفان خلال الأسابيع الماضية أدى إلى انكماش مساحة وجود قوات المليشيا في الولاية بصورة ملحوظة.
ومن منظور
كلاوزفيتز، فإن المسألة هنا تتجاوز لنصر التكتيكي إلى محاولة ضرب مركز الثقل، ومركز الثقل في حالة مليشيا الدعم السريع ليس موقعاً جغرافياً واحداً، وإنما منظومة مترابطة تتكون من القوة البشرية، والتمويل، والإمداد الخارجي، والقدرة على الحركة، و في الطائرات المسيّرة والقدرة على تعويض الخسائر. ولذلك فإن ضرب أي حلقة من هذه السلسلة لا يبقى تأثيره محصوراً في مكان الضربة، بل يمكن أن يتحول، إذا تكرر وتراكم، إلى أزمة في النظام القتالي كله للمليشيا.
ومن هنا تبرز أهمية العمليات الجوية التي تستهدف محاور الإمداد الصحراوية ومطار نيالا. فإذا كانت مليشيا الدعم السريع قد استفادت طوال الفترة الماضية من عمق استراتيجي يمتد عبر الحدود مع ليبيا و تشاد، فإن وقف أو تدمير أو تعطيل تدفق السلاح، والوقود، والمركبات والوسائط التقنية يغيّر المعادلة من أساسها. فالمعركة الجوية في هذه الحالة لا تكون مجرد إسناد للقوات البرية، وإنما تصبح حرباً على «سلسلة الحياة التي تسمح للمليشيا بالاستمرار».
والأهم أن هذا الضغط الذي تمارسه القوات المسلحة بدهاء ماكر يتزامن مع مؤشرات على تراجع قدرات المليشيا على إدارة جبهات متعددة في وقت واحد. فمحور النيل الأزرق، الذي يمثل تحدياً إضافياً، يفرض على المليشيا وحلفائها توزيع موارد بشرية وعسكرية على مسافات شاسعة، في الوقت الذي تتعرض فيه جبهات كردفان لضغط متزايد. وهذه معضلة استراتيجية كلاسيكية: كلما اتسعت الجبهات بالنسبة إلى قوة محدودة القدرة على التعويض، تحولت الجبهة المتعددة إلى عامل استنزاف بدلاً من أن تكون أداة تشتيت للخصم.
ومن ثم فان فهم تزايد حالات الانشقاق والتراجع في المكونات العسكرية للمليشيا . فالانشقاق في الحروب لا يكون دائماً نتيجة للهزيمة العسكرية وحدها، بل غالباً ما يظهر عندما تبدأ الجماعة المسلحة في فقدان الثقة في قدرتها على تحقيق النصر أو تأمين مصالح مكوناتها. وعندما ينتقل الاعتقاد من الانتصار ممكن إلى الحرب قد تطول بلا أفق، تبدأ الحسابات المحلية والقبلية والشخصية في الظهور على حساب الولاء العسكري.
لكن التطور الأكثر أهمية أن هذا الوضع يحدث في بيئة إقليمية تتغير بسرعة مذهلة.
فإثيوبيا، التي ظلت خلال السنوات الماضية أحد أهم مراكز الثقل في القرن الأفريقي، وفي الامس القريب سنداً وظهيراً للمليشيا، و مازالت. دخلت مرحلة جديدة مع إعلان سبع مجموعات مسلحة، بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة تحرير أورومو وقوى فانو، تشكيل تحالف يهدف إلى إسقاط حكومة آبي أحمد وإقامة مرحلة انتقالية. ولم تعد المسألة مجرد تمرد محلي؛ إذ تحولت المواجهة إلى صراع متعدد الأقاليم، بينما اتسعت الاتهامات المتبادلة بين أديس أبابا وأسمرا بشأن دعم المعارضة.
والأكثر خطورة أن إثيوبيا وإريتريا قطعتا العلاقات الدبلوماسية بينهما، في خطوة تعيد إلى الواجهة شبح الحرب بين البلدين. وقد أعلنت إريتريا في الأول من أكتوبر قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا بعد إغلاق أديس أبابا سفارتها في أسمرا وطرد دبلوماسيين إريتريين.
وهكذا يجد السودان نفسه أمام معادلة جديدة: حرب المليشيا المدعومة خارجياً في السودان، وحرب محتملة على الحدود الإثيوبية ـ الإريترية، وتنافس على البحر الأحمر، وصراع على مياه النيل، وتغير في الاصطفافات الدولية.

وفي هذا السياق يأتي التطور الذي ربما يكون من أهم المؤشرات الاستراتيجية في المنطقة: انعقاد القمة الرباعية في العلمين بين مصر، والسودان، وإريتريا والصومال في 4 أكتوبر، وإصدار إعلان مشترك يؤكد احترام سيادة دول المنطقة وسلامتها الإقليمية وتعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والتشاور حول القضايا الإقليمية والدولية.
ومن الخطأ، في تقديري، وصف هذا التطور بأنه مجرد اجتماع دبلوماسي. فهو، وإن لم يتحول بعد إلى تحالف عسكري، يمثل بداية تشكل كتلة مصالح استراتيجية تمتد من وادي النيل إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وهي منطقة تتقاطع فيها قضايا الأمن المائي، والموانئ، والممرات البحرية، ومكافحة الجماعات المسلحة، والحدود، والتنافس الدولي.
وتزداد أهمية هذه الكتلة في ظل الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران وتداعياتها على النظام الدولي والإقليمي. فمضيق هرمز أصبح ورقة استراتيجية في الصراع، وإيران أعلنت اليوم أن إعادة فتحه مرتبطة بتحقق شروط محددة في إطار المفاوضات مع واشنطن. وهذا يعني أن الشرق الأوسط والبحر الأحمر لم يعودا مسرحين منفصلين؛ فكل اضطراب في الخليج ينعكس على الطاقة والملاحة والتجارة، وكل اضطراب في البحر الأحمر ينعكس على الاقتصاد العالمي.
من هنا يمكن قراءة السودان باعتباره جزءاً من حزام استراتيجي واحد يبدأ من الخليج، ويمر بالبحر الأحمر ووادي النيل والقرن الأفريقي ويمتد إلى الساحل والصحراء.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: إلى أين تتجه الحرب السودانية؟

السيناريو الأول هو استمرار التقدم التدريجي للقوات المسلحة في كردفان مع تراجع قدرة الدعم السريع على الإمداد، الأمر الذي قد يحول الحرب خلال المرحلة المقبلة من حرب استنزاف مفتوحة إلى حرب تفكيك للقدرة العسكرية للمليشيا. وهذا راجح جدا
والسيناريو الثاني هو أن تلجأ المليشيا، تحت ضغط فقدان المبادرة، إلى تكثيف حرب المسيّرات والضربات بعيدة المدى ومحاولة فتح جبهات جديدة لإجبار القوات المسلحة على تشتيت قوتها. وهذا غير مرجح.

أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر ارتباطاً بالتطورات الإقليمية، فيتمثل في انتقال حرب المليشيا علي السودان إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بالتوازنات الإقليمية، بحيث يصبح مستقبل الحرب مرتبطاً بصورة أكبر بما يحدث في ليبيا، وتشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وإريتريا والبحر الأحمر.
غير أن العامل الحاسم سيظل داخل السودان نفسه: هل تستطيع القوات المسلحة تحويل الانتصارات الميدانية إلى انهيار في منظومة القدرة الاستراتيجية للدعم السريع؟
ذلك هو السؤال الحقيقي.
فقدان مدينة يمكن تعويضه، وخسارة معركة يمكن تجاوزها، لكن فقدان خطوط الإمداد والتمويل والقدرة على التجنيد والتعويض، بالتزامن مع تراجع الروح المعنوية والانشقاقات، يمثل شيئاً مختلفاً تماماً؛ إنه انتقال من خسارة المواقع إلى تآكل القدرة على الاستمرار،
ولذلك فإن تحرير المزروب لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نهاية محطة في شمال كردفان، وإنما باعتباره حلقة في مسار أوسع. فحين تتقاطع مكاسب القوات المسلحة في كردفان مع الضغط على الإمداد الصحراوي، وتراجع الفاعلية في بعض المحاور، وظهور مؤشرات التصدع داخل المليشيا، بالتزامن مع تغير البيئة الإثيوبية والإريترية وظهور تنسيق مصري ـ سوداني ـ إريتري ـ صومالي، فإننا لا نكون أمام تغير في خطوط الجبهة فقط،
نحن أمام إعادة تشكيل للبيئة الاستراتيجية للحرب السودانية نفسها.
وقد تكون المفارقة أن المعركة التي بدأت في أبريل 2023 داخل السودان أصبحت بعد أكثر من ثلاثة أعوام جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي في وادي النيل، والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وهنا تكمن اللحظة الاستراتيجية: من ينجح في إعادة تشكيل الجغرافيا العسكرية اليوم، قد ينجح غداً في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، فالقوات المسلحة والقوات المساندة لها ومن خلفها جموع الشعب السوداني الوفي، الصابر المحتسب، وبحهود الحكومة السودانية سيكون تلخيص اللحظة الاستراتيجية هي النصر الباهر للسودان.

المقالة السابقة

أصل القضية | السودان.. شباب أكثر شبابية .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

السودان بين الضغوط الداخلية والتدخلات الإقليمية ومساعي تثبيت الدولة (19) قراءة تحليلية في الحرب، الاقتصاد، المواقف الإثيوبية، والتحولات داخل القوى المسلحة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *