مقدمة
يدخل السودان مرحلة تتداخل فيها التطورات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والسياسية والإقليمية. وتكشف التطورات الأخيرة عن استمرار العمليات العسكرية، وانضمام مجموعات مسلحة إلى الجيش، وتصاعد الخطاب الإثيوبي بشأن سد النهضة، إلى جانب إجراءات حكومية لخفض الأسعار ووقف الجبايات.
كما تتواصل الاتهامات بشأن الدعم الخارجي لأطراف الحرب، ولا سيما الدور المنسوب إلى الإمارات، بالتزامن مع محاولات إعادة فتح الحوار السياسي. لذلك لا يمكن قراءة المشهد من خلال الجبهات وحدها، إذ ترتبط الحرب بالاقتصاد والإدارة والسيادة والعلاقات الإقليمية ومستقبل مؤسسات الدولة.
المحور الأول: سد النهضة والمصالح السودانية
أعادت التصريحات الإثيوبية الرافضة لما تسميه «الموافقة المسبقة» على مشروعات دول حوض النيل ملف سد النهضة إلى الواجهة. وتستند أديس أبابا إلى مبدأ السيادة على الموارد المائية، بينما تؤكد مصر والسودان ضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن الملء والتشغيل وتبادل المعلومات.
ولا تقتصر القضية على السد، بل تتصل بطبيعة النظام الإقليمي في حوض النيل وانتقال الملف من التفاوض الفني إلى التوظيف السياسي. فالمقارنة الإثيوبية بين سد النهضة والسد العالي تتجاهل اختلاف الظروف القانونية والجغرافية، خصوصاً أن السد يقع على نهر عابر للحدود وقد يؤثر في تدفقات المياه إلى السودان ومصر.
يمتلك السودان مصلحة مزدوجة؛ إذ يمكنه الاستفادة من تنظيم المياه وتقليل الفيضانات والطاقة الكهربائية، لكنه يواجه مخاطر غياب اتفاق واضح بشأن التشغيل والجفاف وتبادل البيانات وسلامة السدود. لذلك يحتاج إلى موقف مستقل يضمن مصالحه المائية والزراعية والكهربائية، ويرفض تحويله إلى طرف تابع في الصراعات الإقليمية.
المحور الثاني: التدخلات الإقليمية وانعكاسات الحرب على الجوار
أظهرت اعتقالات وتطورات عسكرية في دول إفريقية مجاورة اتساع تأثير الحرب السودانية، التي أصبحت مرتبطة بشبكات إمداد وتحالفات وطرق عبور ومصالح اقتصادية عابرة للحدود.
كما تواصلت الاتهامات بشأن الدور الإماراتي في تمويل أو تسليح أحد أطراف الحرب. ورغم أن الاتهامات السياسية لا تكفي وحدها لإثبات المسؤولية القانونية، فإن استمرار الدعم الخارجي، سواء عبر السلاح أو التمويل أو الغطاء السياسي والإعلامي أو تسهيل الحركة، يضعف فرص التوصل إلى تسوية مستقلة.
ويحتاج السودان إلى علاقات متوازنة مع دول الجوار، تقوم على احترام السيادة ومنع استخدام الحدود لنقل السلاح والمقاتلين. كما ينبغي أن تتضمن أي تسوية سياسية آليات واضحة لوقف التدخلات الخارجية، وإلا ظلت الهدن معرضة للانهيار.
المحور الثالث: الإجراءات الاقتصادية
أعلنت الحكومة إجراءات لخفض الأسعار ووقف الجبايات غير القانونية، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف النقل والسلع وتعدد الرسوم وتأثر الإنتاج وسلاسل الإمداد بالحرب.
ويمثل وقف الجبايات خطوة مهمة للحد من ارتفاع الأسعار والتهريب، لكن نجاحها يتطلب رقابة فعلية ومنع استمرار التحصيل خارج النظام المالي الرسمي. كما يحتاج خفض الأسعار إلى تأمين الطرق، وتسهيل حركة السلع، ودعم الإنتاج المحلي، وتوحيد الرسوم، ومكافحة الاحتكار، وتوفير النقد الأجنبي للسلع الأساسية.
وتظل هذه الإجراءات مؤقتة ما لم ترتبط بإعادة بناء النظام الإداري والمالي للدولة.
المحور الرابع: الجيش وإعادة بناء الدولة
تسعى القوات المسلحة إلى تثبيت مواقعها وتوسيع سيطرتها، وهو مسار يرتبط ببقاء الدولة ومؤسساتها في ظل تعدد مراكز القوة وتفكك الإدارة المحلية.
غير أن أي تقدم عسكري لن يكتمل أثره دون استقرار إداري وأمني، وإعادة تشغيل المؤسسات، وتأمين الخدمات والطرق، وحماية المدنيين. كما يتطلب تعزيز موقع الجيش الحفاظ على طابعه المؤسسي، ومنع تحويل الحرب إلى صراع اجتماعي أو قبلي، مع الالتزام بالقانون وضمان وصول المساعدات.
وشهدت الفترة الأخيرة انضمام أكثر من مئة مقاتل من تجمع قوى تحرير السودان إلى الجيش، بما قد يعزز الانتشار والمعرفة الميدانية، لكنه يعكس أيضاً سيولة التحالفات داخل الحركات المسلحة. ويستلزم دمج هؤلاء المقاتلين التسجيل والتدريب وإعادة التأهيل، ومنع إنشاء وحدات موازية داخل المؤسسة الرسمية.
المحور الخامس: الحوار السياسي ومستقبل العملية الانتقالية
تزامنت التطورات العسكرية والاقتصادية مع مشاركة شخصيات سياسية ومدنية في الحوار السوداني، بما يعكس استمرار محاولات فتح قنوات سياسية رغم الانقسام وغياب الثقة واستمرار القتال.
ولا ينجح الحوار إذا اقتصر على تقاسم السلطة بين النخب أو استُبعدت المجتمعات المتضررة من الحرب. بل ينبغي أن يركز على وقف القتال وحماية المدنيين، ووحدة السودان، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح القطاعين الأمني والعسكري، ومعالجة التهميش والنزاعات المحلية، وتنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم، وإعادة الإعمار، ومنع التدخلات الخارجية، ووضع أساس دستوري لمرحلة انتقالية جديدة.
فالسودان يحتاج إلى عملية تعيد بناء الشرعية، لا إلى اتفاق مؤقت يعيد إنتاج أسباب الحرب.
التقدير الاستراتيجي الموحد
يتحرك المشهد السوداني ضمن أربعة مسارات مترابطة:
أولاً: تصاعد الخلاف حول سد النهضة، بما يفرض على السودان صياغة موقف مستقل يحمي مصالحه ويضمن سلامة منشآته.
ثانياً: اتساع التدخلات الخارجية في الحرب، عبر الدعم العسكري والتمويل والغطاء السياسي، بما يهدد استقلال القرار السوداني.
ثالثاً: محاولة تخفيف الأزمة الاقتصادية من خلال خفض الأسعار ووقف الجبايات، وهي خطوات تحتاج إلى تنفيذ ورقابة وإصلاح مالي وإداري.
رابعاً: إعادة تشكيل التحالفات العسكرية والسياسية عبر الانشقاقات والانضمامات والحوار، بما يؤكد أن الصراع يدور أيضاً حول شكل الدولة ومستقبل مؤسساتها.
خلاصة
يقف السودان أمام ثلاثة ملفات مترابطة: الحرب، والاقتصاد، والعلاقات الإقليمية. فالتقدم العسكري لا يكفي دون استقرار مؤسسي، والحوار السياسي لن ينجح دون بيئة أمنية مناسبة، والإجراءات الاقتصادية لن تدوم مع استمرار الجبايات غير الرسمية وانعدام الأمن والتدخلات الخارجية.
ويحتاج ملف سد النهضة إلى سياسة متوازنة ترفض التبعية، وتحمي حق السودان في التنمية ومصالحه المائية والزراعية والكهربائية. أما التحدي الأساسي فيتمثل في تحويل التطورات العسكرية والسياسية إلى مشروع وطني يعيد بناء المؤسسات، ويمنع تفكك البلاد، ويضع حداً لاستخدام السودان ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.


