من أعظم منه؟ المعلم ليس مجرد موظف يؤدي ساعات عمل وينصرف، وليس مهنة عابرة يمكن أن تُقاس قيمتها بعدد ساعات الدوام أو مقدار الراتب، فالمعلم هو الإنسان الذي يحمل رسالة بناء الإنسان، ويضع أول لبنة في طريق الطبيب، والمهندس، والقاضي، والعالم، والمفكر والقائد، ومن هنا كانت مكانة المعلم عظيمة، لأن صناعة الإنسان أعظم صناعة، ومن علّم إنسانًا فقد أسهم في صناعة أمة بأكملها. وقد رفع الإسلام شأن العلم وأهله، فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وفي السنة النبوية قال رسول الله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وهي منزلة عظيمة لمن جعل التعليم رسالة وعطاءً ونفعًا للآخرين. ولم يكن المعلم في المجتمع الإسلامي صاحب وظيفة فحسب، بل كان صاحب رسالة، ومربيًا للأجيال، ومرشدًا للعقول والنفوس، ولذلك فإن احترامه ليس مجاملة اجتماعية، وإنما اعتراف بدوره في بناء المجتمع. ويأتي يوم المعلم في كل عام ليذكّرنا بأن وراء كل نجاح معلمًا، ووراء كل طبيب، ومهندس، وأستاذ وقائد إنسانًا أمسك بيده يومًا، وعلّمه الحرف الأول وفتح أمامه أبواب المعرفة، ولكن تكريم المعلم لا ينبغي أن يكون في يوم واحد، ولا أن ينتهي بمجرد كلمات الشكر، وباقات الورود وشهادات التقدير، فالمعلم يحتاج إلى تقدير معنوي، ولكنه يحتاج كذلك إلى إنصاف مادي، فالاحترام الحقيقي للمعلم يبدأ من احترام حياته، ووقته وجهده، ومن توفير راتب يليق برسالته، وبيئة عمل تحفظ كرامته، وتأمين صحي واجتماعي مناسب، وامتيازات تساعده على أداء رسالته دون أن تثقل كاهله هموم المعيشة.
وللمعلم السوداني مكانة خاصة في وجدان الشعب السوداني، فكم من أستاذ سوداني عمل في ظروف صعبة، ووقف أمام طلابه وهو يحمل هموم الحياة، ثم نسيها لحظة دخوله الفصل، ليمنح أبناء وطنه العلم والأمل والانضباط والقيم. إن المعلم السوداني مقيم معنويًا في وجدان المجتمع، محترم في قلوب الناس، عظيم في أعين طلابه وأسرهم، لكنه في كثير من الأحيان غير مُقَيَّم ماديًا بما يتناسب مع عظمة رسالته، وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ نقول للمعلم: أنت عظيم، وأنت صانع الأجيال، وأنت أساس النهضة، ثم نترك راتبه لا يكفي احتياجات الحياة، وامتيازاته لا تتناسب مع حجم المسؤولية التي يحملها. فكيف نطلب من المعلم أن يصنع مستقبل الوطن، بينما لا نمنحه ما يكفي ليصنع مستقبله ومستقبل أسرته بكرامة؟ إن المطالبة بتحسين أوضاع المعلمين ليست ترفًا، وليست طلبًا لفئة تبحث عن امتيازات خاصة، وإنما هي استثمار مباشر في التعليم وفي مستقبل السودان. فالدولة التي تريد تعليمًا قويًا عليها أن تجعل المعلم من أولوياتها، والدولة التي تريد أجيالًا قادرة على بناء السودان عليها أن تحفظ للمعلم كرامته، والدولة التي تطمح إلى نهضة حقيقية عليها أن تدرك أن النهضة تبدأ من الفصل الدراسي، وأن الفصل الدراسي يبدأ بالمعلم. لا يكفي أن نقول للمعلم: شكرًا، فالمعلم لا يريد أن يكون التكريم مجرد احتفال سنوي، ولا يريد أن يسمع في يوم المعلم عبارات جميلة ثم يعود في اليوم التالي إلى واقع اقتصادي لا يرحم، بل نريد أن يتحول التقدير إلى سياسات، ونريد راتبًا عادلًا، وبدلات وامتيازات تتناسب مع طبيعة المهنة، وتأمينًا صحيًا، ودعمًا للتدريب والتطوير، وحماية اجتماعية، وبيئة مدرسية لائقة، ومسارًا وظيفيًا يحفظ للمعلم حقه في الترقي والتقدم.
إن رفع مستوى المعلم ليس عبئًا على الدولة، بل هو استثمار في الدولة نفسها، فكل ما يُنفق على تعليم جيد ومعلم مستقر هو استثمار في جيل كامل، وكل دعم يقدم للمعلم يعود على الوطن علمًا واستقرارًا ونهضة. فمن أعظم من المعلم الذي يحمل رسالة العلم؟ من أعظم من إنسان يقف كل صباح أمام عشرات الأطفال والشباب، فيزرع فيهم المعرفة والأخلاق والانضباط والأمل؟ من أعظم من إنسان قد لا يعرفه التاريخ باسمه، لكنه يترك أثره في مئات الطلاب الذين يصبحون بعد سنوات أطباء ومهندسين وقضاة وأساتذة وقادة؟ إن المعلم قد لا يملك قصرًا، لكنه يسكن في ذاكرة أجيال، وقد لا يملك ثروة، لكنه يصنع ثروة الوطن الحقيقية: الإنسان. ولهذا فإن احترام المعلم لا ينبغي أن يكون شعارًا، وإنما مسؤولية وطنية وأخلاقية. وفي يوم المعلم، نرفع أسمى التحايا والتقدير إلى جميع المعلمين والمعلمات المسلمين في كل مكان، في السودان وفي سائر بلاد المسلمين، الذين يحملون رسالة العلم والتربية، ويبذلون من أعمارهم وجهدهم في سبيل تعليم الأجيال وصناعة المستقبل، ونخص بالتحية والتقدير المعلم السوداني الذي ظل صامدًا رغم الظروف والتحديات، مؤديًا رسالته بإخلاص وصبر. ونقول لكل معلم سوداني: لك منا كل التقدير والاحترام، ولكن التقدير وحده لا يكفي، نريد لك راتبًا يحفظ كرامتك، وامتيازات تليق برسالتك، وحقوقًا تصون مستقبلك ودعمًا يعينك على أداء أعظم مهمة: بناء الإنسان السوداني. وللدولة نقول بكل احترام: أنصفوا المعلم، فإن إنصافه إنصاف للتعليم، وإنصاف التعليم إنصاف لمستقبل السودان، فالمعلم ليس بندًا في الموازنة فقط، بل هو شريك في صناعة المستقبل.
وفي يوم تكريمه، فلنجعل السؤال الحقيقي: هل أعطيناه من الحقوق المادية ما يوازي ما نطلبه منه من عطاء؟ كل عام وجميع المعلمين والمعلمات المسلمين بخير وعزة وكرامة وتقدير، وكل عام والمعلم السوداني شامخ برسالته، محفوظ الحقوق، مرفوع المكانة كريم العيش فمن.. أعظم منه؟


