Popular Now

وجه الحقيقة |قداسة الفكرة وسؤال الدولة .. د. إبراهيم شقلاوي

السودان بين تعقيدات التاريخ وتحديات الجغرافيا السياسية .. م.علاءالدين محمد عبدالمطلب

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (33) السودان بين ضغوط المعيشة وتحديات الأمن واستعادة الدولة لقدراتها الاقتصادية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

السودان بين تعقيدات التاريخ وتحديات الجغرافيا السياسية .. م.علاءالدين محمد عبدالمطلب

​على مدى تاريخه الطويل، لم يملك السودان شكلاً جغرافياً واحداً ومحلياً ثابتاً، بل كانت الممالك المتعاقبة تشغل مساحات متباينة مما تعذر معه تبني خريطة تاريخية ثابتة له على مر العصور. وقد اتسمت علاقة السودان القديم -بشكل ممالكه المتعاقبة- والحديث بشكله الحالي مع دول الجوار بأطماع التمدد والسيطرة على الموارد والممرات التجارية، حيث كانت صراعات مملكة كوش مع الممالك القبطية والمصرية شمال وادي النيل مواجهات حضارية طاحنة اتسمت بالصراع على الأرض للمنتصر.

​وقد أثبت هذا الصراع والاندماج المتبادل أن مجرى نهر النيل يمثل “وحدة شريانية” لا يمكن فصلها جيوسياسياً؛ فأطماع مصر القديمة في ذهب كوش، وتوسع ملوك كوش شمالاً في عهد الأسرة الخامسة والعشرين بقيادة بعانخي وتهارقة لتوحيد الوادي، خَلَقَا مفهوماً مبكراً لـ “الأمن القومي المائي والاقتصادي المتبادل”، وهو ما جعل العلاقات السودانية-المصرية عبر التاريخ تتأرجح دائماً بين الترابط المصيري والتوجس الاستراتيجي. وفي المقابل، تجلت عقدة الجوار الإثيوبي في التنافس بين الهضبة والإقليم المائي خلال الصراع بين مملكة مروي ومملكة أكسوم (إثيوبيا وإريتريا حالياً)، والذي انتهى بسقوط مروي على يد الملك إيزانا عام 350 ميلادية. ولم يكن ذلك الصراع عسكرياً فحسب، بل كان أول صراع جيوسياسي للسيطرة على شبكات التجارة ومنافذ البحر الأحمر، مؤسساً لمعادلة صفرية في النفوذ الإقليمي تمتد آثارها اليوم إلى ملفات سد النهضة، والنزاعات الحدودية في الفشقة والتنافس على المنافذ البحرية.

​ومع الانتقال إلى العصور الوسطى، شهد السودان أول استقرار سياسي مركزي واسع يربط بين وسطه، وشرقه وشماله مع تأسيس سلطنة الفونج عام 1504م بالتنسيق مع العبدلاب. ونجحت الفونج في خلق نموذج فريد للتصاهر بين الموروث الأفريقي المحلي والثقافة العربية الإسلامية، لتشكل نواة الهوية السودانية النيليّة من خلال نظام حكم إداري مرن يمنح الأقاليم هامشاً من الاستقلال تحت مظلة سنار. غير أن الغزو التركي-المصري عام 1820م، ورغم طابعه الاستعماري القاسي، هو الذي وضع الخريطة الجغرافية الحديثة عبر دمج أقاليم السودان المتباينة تحت عاصمة مركزية واحدة هي الخرطوم، مؤسساً لمعادلة مزدوجة تتمثل في وحدة جغرافية قسرية مقابل أطراف ضعيفة البنية التنموية. وأعقب ذلك قيام الثورة المهدية عام 1885م التي أسقطت الحكم التركي، لكن إدارة الخليفة عبد الله التعايشي عانت من غياب مشروع وطني جامع واستنزفت مقدرات الدولة في حروب داخلية أضعفت الوحدة الوجدانية، مما مهد الطريق لسيطرة الاستعمار البريطاني.

​ثم جاء الاستعمار الثنائي ليمارس هندسة متعمدة للتشظي، حيث فرضت الإدارة البريطانية منذ عشرينيات القرن الماضي “قانون المناطق المغلقة” لعزل جنوب السودان عن شماله منعاً لأي اندماج وطني، وضماناً لربطه بمستعمرات شرق أفريقيا، مما غرس بذور أزمة الهوية والانفصال. ورغم عقود العزل تلك، انقلبت الاستراتيجية البريطانية فجأة قبيل الانسحاب بدمج الشمال والجنوب في مؤتمر جوبا عام 1947 دون تهيئة أو استيعاب للفوارق النفسية مما أدى لاندلاع تمرد توريت عام 1955 قبيل إعلان الاستقلال. واقترن هذا التفكيك الاجتماعي باستنزاف اقتصادي ممنهج إذ تعرض السودان لسياسة إمبريالية استنزفت موارده الطبيعية والبيئية والعمالة البشرية، وكرست الجبايات لتمويل الحكم الاستعماري. وتشير التقديرات المالية إلى أن حجم الثروة والاستنزاف المباشر وغير المباشر،قد تراوح بين 260 إلى 300 مليون جنيه استرليني تاريخياً، وهو ما يعادل اليوم بالقدرة الشرائية الحديثة أكثر من 20 مليار جنيه استرليني (نحو 25 مليار دولار أمريكي)، ليخرج الاستعمار تاركاً هيكلاً اقتصادياً مفرغاً ومنهكاً تماماً.

​عقب استقلال عام 1956، ورثت النخب السياسية هيكل الدولة الاستعمارية بمركزيته المفرطة وفشلت في صياغة مشروع وطني جامع، فتأرجحت السلطة بين حكومات حزبية، واضطرابات وانقلابات عسكرية متعاقبة في أعوام 1958، و1969 و1989. وغابت العقيدة السياسية الراسخة لصالح إدارة الأزمات والحفاظ على السلطة، مما جعل الأطراف ساخطة والدولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة، ليشجع ذلك التدخلات الخارجية التي استثمرت حالة التشظي الداخلي. وكان أبرزها التدخل الإسرائيلي عبر عملية “الجمر الحر” السرية عام 1968 بقيادة ضابط الموساد ديفيد بن أوزيل (“تارزان”) عقب حرب 1967 ومؤتمر اللاءات الثلاث بالخرطوم، حيث قُدم الدعم العسكري واللوجستي لحركة التمرد في الجنوب (الأنانيا1) ضمن استراتيجية “طوق أعداء العرب” بهدف إنهاك الجيش السوداني، وحرمانه من إسناد الجبهة المصرية وتأمين موطئ قدم قرب حوض النيل.

​إن تتبع خطوط التاريخ والجغرافيا السياسية يثبت أن البلاد لم تكن يوماً بعيدة عن مطامع القوى الخارجية، فتلك التدخلات لم تتوقف، بل تجددت في أزمة دارفور عام 2003، ووصلت ذروتها المأساوية في حرب 15 أبريل 2023 التي حوّلت السودان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والصراع على الموارد.

واليوم، تقف الدولة السودانية أمام مفترق طرق وجودي، فلا حل لهذه النزاعات المتطاولة إلا بمعالجة الجذر الأصلي المتمثل في الأزمة الدستورية التاريخية.
إن الخروج من دوامة التشظي والانكشاف الجيوسياسي يتطلب الانتقال الحاسم نحو بناء الدولة والمجتمع عبر علاقة تعاقدية جديدة، وعقد اجتماعي ودستوري قائم على التوزيع العادل للثروة والسلطة، وبناء مؤسسات وطنية تعبر عن تنوع السودان وتسترد سيادته، ليتحول موقعه وجغرافيته من لعنة صراع دائم إلى فرصة لبناء دولة حديثة ومستقرة.

المقالة السابقة

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (33) السودان بين ضغوط المعيشة وتحديات الأمن واستعادة الدولة لقدراتها الاقتصادية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

المقالة التالية

وجه الحقيقة |قداسة الفكرة وسؤال الدولة .. د. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *