Popular Now

سلسلة صفقات ترامب – (24) .. محاولة اغتيال ترامب: من يستهدف الرجل… ولماذا تتكرر المحاولات؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

مسارات .. الماء … حينما يصبح سياسة حياة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

من جهة أخرى .. ماذا يريد “عيال زايد” من السودان؟ .. عبود عبدالرحيم

استراحة رمضانية: حين يشيب العبد ويقترب العتق .. د. أحمد الطيب السماني

في هذين البيتين، يختصر الشاعر تجربة إنسانية وروحية بالغة العمق، يضع فيها العمر—بما فيه من شيب وتجارب وانكسارات—موضع الحجة، لا على البشر، بل بين يدي الله تعالى:

إنَّ الملوكَ إذا شابتْ عبيدُهمُ
في رقِّهم عتقوهم عتقَ أبرارِ
وأنتَ يا خالقي أولى بذا كرم
قد شبتُ في الرقِّ فاعتقني من النارِ

البيت الأول يستدعي صورة مألوفة في الوجدان الإنساني القديم: سيّدٌ يرى عبدَه وقد طال به الأمد، وشاب شعره وهو في الخدمة، فيرقّ قلبه ويعتقه؛ لا لجرمٍ كُفِّر، بل لزمنٍ أُنفِق، وعمرٍ استُهلِك. هنا يصبح الشيب شهادة خدمة، ودليل وفاء، ومسوّغ إحسان.

ثم ينتقل الشاعر نقلةً بديعة من عالم البشر إلى أفق الألوهية، فيقول: وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً. كأنما يقول: إن كان هذا خُلُق الملوك، فكيف بملك الملوك؟ وإن كان هذا إحسان البشر، فكيف بكرم من وسعت رحمته كل شيء؟

الشيب هنا ليس لون شعر، بل تراكم عمر.
هو سنوات من الغفلة تارة، ومن المجاهدة تارة أخرى، من الذنب والتوبة، من الوعد والنسيان. الشاعر لا يدّعي كمالاً، بل يعترف برقٍّ ممتد: قد شبت في الرق. رقّ الشهوة، رقّ العادة، رقّ التقصير، رقّ النفس التي طال أسرها.

وهنا تتجلّى عظمة الطلب: فاعتقني من النار.
ليس طلب رفعة، ولا مقام، ولا كرامة دنيوية؛ بل طلب نجاة. والنجاة في ميزان العمر تصبح أصدق ما يُطلب، لأن الإنسان كلما تقدّم به السن، أدرك أن ما مضى أكثر مما بقي، وأن الحساب أقرب من الأمل المؤجل.

رمضان… شهر العتق بامتياز

حين نقرأ هذين البيتين في رمضان، يتضاعف معناهما. فرمضان هو شهر العتق من النار، شهر تليين القلوب، وشهر مراجعة العقود الطويلة التي أمضاها الإنسان مع نفسه، ومع ربه. هو شهر يُعاد فيه تعريف العمر: لا بعدد السنين، بل بصدق العودة.

التقدّم في العمر في رمضان لا ينبغي أن يكون مدعاة حزن، بل سبب رجاء. فالشيب في هذا الشهر يتحوّل من علامة ضعف جسدي إلى وثيقة استحقاق روحي: يا رب، طال مقامي، وقلّ زادي، وكثرت غفلتي… لكن بابك ما زال مفتوحاً.

درس البيتين في حياتنا المعاصرة

في زمن السرعة، والإنجاز، والاهتمام بالشكل، يذكّرنا هذان البيتان بأن القيمة الحقيقية ليست في ما نملك، بل في ما نُعتِق منه: ذنوب، أحقاد، غفلات، وأثقال نفس. وأن العمر—مهما طال—إن لم يُتوَّج بتوبة صادقة، يظل رقّاً مؤجلاً.

رمضان الحالي ليس محطة عابرة، بل فرصة أخيرة محتملة. فكم من شيبٍ دخل رمضان ولم يخرج منه؟ وكم من عبدٍ قال: سأتوب في العام القادم، فلم يُدرك القادم؟

خاتمة

هذان البيتان ليسا شعراً يُحفظ، بل دعاء يُعاش.
هما وقفة شيخٍ على أعتاب الرحمة، لا يحتجّ إلا بكرم الله، ولا يتوسّل إلا بطول الوقوف على بابه.

فيا من شاب رأسه أو قلبه،
ويا من طال رقّه وإن قصرت طاعته،
هذا رمضان فيه العتق من النار …
فقل بصدق: قد شبت في الرق فاعتقني من النار.
اللهم آمين يا رب العالمين.

المقالة السابقة

سلسلة صفقات ترامب – المقالة 29 .. بين الصواريخ والصفقات: هل تتحول مواجهة إيران إلى ورقة ترامب الكبرى لإعادة تشكيل النظام الدولي ؟ ..د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

المقالة التالية

وجه الحقيقة | حرب إيران تصل العمق السوداني.. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *