Popular Now

سلسلة صفقات ترامب – (24) .. محاولة اغتيال ترامب: من يستهدف الرجل… ولماذا تتكرر المحاولات؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

مسارات .. الماء … حينما يصبح سياسة حياة .. د. نجلاء حسين المكابرابي

من جهة أخرى .. ماذا يريد “عيال زايد” من السودان؟ .. عبود عبدالرحيم

مراجعة ومقترح لتطوير قانون حماية الحياة البرية ..د. الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في استراتيجيات التنمية والاستدامة البيئية

بمناسبة يوم الحياة البرية (3 مارس) أعيد تحرير الموضوع وأبذله للقراء، وأخص الشباب المقبلين على الحياة، وأخص منهم المختصين في مجال الحياة والبيئة. وأدعوهم لإعادة النظر للحياة البرية، عبر النظر في قانون حماية الحياة البرية السوداني (1986)، الذي مرت عليه عقود أربعة عقود، ليواكب التحولات البيئية والسياسية والاقتصادية، ويعكس فهماً معاصراً لمفهوم الحماية الحياة البرية ومقتضيات استدامتها.
يقول الله تعالى: ﴿وما من دابّةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم) من سورة الأنعام: 38. بل ثلاثة عشر آية متتابعة تعنى بالحياة البرية على وجه التحديد. تضع الآيات الكريمة أساساً أخلاقياً وتشريعياً لعلاقة الإنسان بسائر المخلوقات؛ التي هي أممٌ لها حق الوجود، ولها دور في توازن الكون. وتنتهي الآيات بالآية رقم 50 من سورة الأنعام بالجملة: قل هل يستوى الأعمى والبصير، أفلا تتفكرون (50). اللهم اجعلنا من المبرين المتفكرين.
الوعي بالحياة البرية
قبل الإطلاع على نص القانون، الفرد وكل الناس معنيون بالحياة البرية. فلمشكلة، في كثير من الأحيان، ليست في النصوص بل في الوعي. فحين يُرى أحد الوجهاء أو المشاهير ينتعل حذاءً من جلد نمر، فإن الخلل لا يكون في الحذاء وحده، بل في منظومة القيم التي ما زالت ترى في الحيوان المفترس مادة زينة، لا كائناً مهدداً بالانقراض. إن وسائل الإعلام الحديثة، والقنوات الوثائقية، والهواتف الذكية، جميعها تنقل يومياً أخبار التغير المناخي وتدهور التنوع الحيوي. ومع ذلك، يبقى السلوك الفردي في أحيان كثيرة مناقضاً لهذه المعرفة. وأشد المفارقة عندما يكون الوعي بالموضوع وبالقانون غائباً عن فكر من يوصف بأنه واضع سياسة ومتخذ قرار.
قوة قانون الحياة البرية
الذي يطلع على قانون حماية الصيد والحظائر القومية السوداني لسنة 1986م، يجد أنه قانون قوي من حيث نصوص الحظر والعقوبات، وقد وضع قيوداً صارمة على الصيد، وحدد جداول للحيوانات المحمية، ومنع الدخول إلى الحظائر إلا بإذن، وفرض عقوبات بالسجن والغرامة على المخالفين.
غير أن القانون، برغم قوته، تقادم زمنياً. فهو صدر قبل التحديثات العالمية الخاصة بالبيئة، واستدامة التنوع الحيوي، وقبل استراتيجيات التنمية المستدام’ ومحلياً صدر القانون قبل انفصال جنوب السودان، ليجعل بعض الحظائر المذكورة فيه تحت عهدة دولة أخرى. كذلك يحمل القانون اسم “حماية الصيد” ويغفل موضوع الحياة “حماية الحياة البرية” بمفهومها الشامل، الذي يشمل النبات والحيوان والنظم البيئية.
الحاجة إلى الرؤية المتكاملة
بالنظر إلى سعة موضوع الحياة البرية وتحدياتها، لم يعد مقبولاً أن يُنظر إلى الحياة البرية بمعزل عن قضايا التغير المناخي، والجفاف، والتوسع الزراعي، والتعدين، وشق الطرق، ومشروعات الطاقة. فالمحميات اليوم تتعرض لضغوط مركبة: رعي جائر، احتطاب، تنقيب عن الذهب، تمدد عمراني. ومن ثم، فإن أي تعديل للقانون يجب أن يدمج بين الحماية القانونية والتخطيط البيئي الشامل، وأن ينص صراحة على التنسيق المؤسسي مع قطاعات الغابات والزراعة والمياه والطاقة والتعدين والطرق.
إدراج الغطاء النباتي (الموئل)
معلوم أنّ الحياة البرية تعيش على أرض ونبات. فلا يعقل أن يختص القانون (بالصيد)، ويغفل مفهوم الحياة البرية يشمل النبات، فإن الجداول الواردة في القانون اقتصرت على الحيوانات والطيور والزواحف، دون إدراج أي نوع نباتي مهدد. ولم يشر إلى الأرض التي هي مأوى للحياة البرية. معلوم أن إدارة الغابات هي جهة اختصاص، وغير الغابات. لذلك يحتاج القانون أن يورد مسألة التنسيق والمسؤولية المشتركة، بحسب أن المحمية الطبيعية نظام بيئي متكامل، لا يمكن حماية حيواناته دون غطائه النباتي ودون أرضه، بل وسمائه.
التوثيق العلمي الدقيق
يلاحظ المطلع على نص القانون، أن أسماء الحيوانات في الجداول يغلب عليها الطابع المحلي الشعبي، مثل “أبو شم (بعشوم)” أو “أم دقدق”، وهي تسميات محلية قيّمة ثقافياً، لا تعرّف الحيوان باسمه العلمي (العالمي)، وبذلك تكون غير كافية قانونياً وعلمياً. لذا يطلب في التحديث هو إيراد الاسم العلمي (اللاتيني) لكل نوع، إلى جانب اسمه المحلي، منعاً للالتباس. فالتفريق بين أنواع الثعالب، أو بين حمار الوحش وحمار الوادي، أو بين أنواع “النلت”، لا يستقيم دون مرجعية تصنيفية دقيقة. إن إدراج الأسماء العلمية يسهل الربط بالاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية الاتجار الدولي بالأنواع المهددة بالانقراض، ويعزز التعاون الإقليمي والدولي.
إشراك المجتمع
القانون، بصيغته الحالية، يمنح سلطات واسعة للوزير والمدير والضابط المختص، لكنه لا يفرد مساحة، قلت أو كثر لدور المواطن والمجتمع القائم، المشرف الذي يعيش في حما الحمحمية الطبيعية. فلا بد من وضع المواطن في دائرة المسؤولية و المشاركة في استدامة الحياة البرية. وحماية الحياة البرية لا تتحقق بالنصوص وحدها، بل بنشر الثقافة البيئية في المجتمع، بما يشمل المدارس والإعلام والمساجد والجامعات. ينبغي أن يتعلم الأطفال منذ الصغر أن الأسد، والنمر، والزرافة، والنعامة، ليست مجرد صور في الكتب، بل مكونات حية لهوية البلاد البيئية.
كما ينبغي تشجيع الشراكات مع المنظمات الطوعية والقطاع الخاص لإقامة حدائق حيوان حديثة، ومراكز إنقاذ للحيوانات اليتيمة، وبرامج سياحة بيئية مستدامة، بما يحول الحماية إلى مورد اقتصادي مشروع.
تحديث البيانات والخرائط
أي تعديل في القانون القائم، لا بد أن يعيد النظر في قائمة الحظائر (المحميات) القومية بما يتوافق مع الحدود الحالية للدولة، وإعداد خرائط رقمية محدثة، ونشرها للعموم. كما ينبغي التفكير في إنشاء محميات جديدة، خاصة في المناطق غير الحدودية، حتى لا تبقى جميع المحميات عرضة لتداخلات سيادية ومخاطر عابرة للحدود.
آليات تنفيذ القانون
حديثاً، لم تعد الحماية تعتمد على الدوريات التقليدية وحدها. بل تستخدم الدول تقنيات التتبع بالأقمار الصناعية، وأبراج المراقية، والكاميرات الحرارية، وتركيب شرائح الإلكترونية للحيوانات الكبيرة، وقواعد البيانات الرقمية. إن تحديث القانون يجب أن يجيز استخدام هذه الوسائل، وأن ينص على إنشاء سجل وطني رقمي للحياة البرية.
الرقابة على الاتجار
رغم نصوص القانون الصارمة، فإن مظاهر الاتجار غير المشروع ما تزال قائمة. ومن المقترحات العملية: إلزام أي شخص يحوز منتجاً من حيوان محمي بحمل شهادة ملكية واضحة يمكن التحقق منها إلكترونياً، مع تشديد العقوبات في حال التكرار، وعدم الاكتفاء بالغرامات في الجرائم الجسيمة.
رؤية للمستقبل
الحياة البرية ليست عبئاً على التنمية، بل رافعة لها. السياحة البيئية، ومراكز البحث وبرامج إعادة التوطين هي مؤشر واسع الإبعاد لجود الحياة. فوق ذلك بتوفيرها لفرص عمل وتحسن صورة البلاد دولياً. إن إصدار أطلس وطني مصوّر لحيوانات وطيور السودان، يبين أماكن انتشارها وتصنيفها وحالتها الحفظية، سيكون خطوة علمية وثقافية مهمة.
الحياة البرية آية من آيات الله، وفسادها فساد في الأرض. إن مراجعة قانون (حماية الصيد) وتحويله إلى (قانون حماية الحياة البرية) بإبعاد جديدة، يعد ضرورة تشريعية وأخلاقية. فالمطلوب قانون معاصر، واضح التعريفات، دقيق التصنيف، منسق مع القطاعات الأخرى، ومسنود بثقافة مجتمعية واعية. عندها فقط يمكن أن تتحول النصوص من حبر على ورق إلى واقع يحمي الكائنات التي تشاركنا هذا الوطن.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | حرب إيران تصل العمق السوداني.. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

أصل القضية | نظام فوترة السيادة الجديد (١-٣) .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *