ظلّ موضوع ومشروع إعادة كتابة التاريخ مطروحاً في أحاديث الساسة، والمثقفين والباحثين، بل وحتى في خطابات القيادات العليا للدولة. وقد بدا لي أنّ هذا الموضوع لم يعد مجرد شأن أكاديمي، بل تحول إلى قضية فكرية و وجدانية تمسّ مختلف قطاعات المجتمع. ويتفاوت الطرح بين وجهتي نظر هما إعادة قراءة التاريخ، وإعادة كتابة التاريخ. لكن دون شك أنهما وجهان لعملة واحدة، حتماً لا تعاد كتابة التاريخ إلا بعد القراءة أولاً. لكن كشأن كل بحث فلتكن هناك اسئلة حول الموضوع، للعصف الذهني وإثارة ذائقة البحث:
ماذا نعني بإعادة قراءة التاريخ وإعادة كتابته؟
هل هناك أخطاء في السرد التاريخي تستدعي الاستدراك والتصحيح؟
هل إعادة الكتابة تعني تثبيت الحقائق، أم تصحيحها وإعادة تفسيرها؟
إلى أي مدى أسهم الانفجار المعرفي، بأدواته وتقنياته وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، في تجدد المصادر التاريخية وتيسير البحث والتحليل والاستنتاج؟
هل يُعد مشروع قراءة وكتابة التاريخ مسؤولية الدولة الرسمية أم مسؤولية مجتمعية مشتركة؟
ما مدى حضور تجارب إعادة كتابة التاريخ، فردية كانت أم مؤسسية، وهل هي مرصودة ومُقوَّمة؟
ما هي الفائدة المرجوة من إعادة كتابة التاريخ؟
وبطبيعة الحال، يمكن التوسعة في دائرة الأسئلة الموحية للبحث في مشروع إعادة قراءة التاريخ، بما يعزز فكرة مشروع إعادة كتابة التاريخ.
من الإسهامات المهمة في هذا المجال كتاب «إعادة قراءة التاريخ» للدكتور قاسم عبده قاسم، الذي طرح فكرة أن إعادة القراءة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لبناء رؤية مستقبلية تستند إلى تراكم الخبرات والمعارف، سلبها وإيجابها.
التاريخ ،وفق هذا التصور، ليس ماضياً جامداً، بل أداة لتشكيل المستقبل. وفي ثنايا الكتاب مفردات وجمل معرفية تقود القارئ إلى فهم منطقي لمعنى إعادة كتابة التاريخ. وقد ترسخ في الأذهان أن التاريخ الذي يُعاد النظر فيه هو ذاك الذي كتبه آخرون وفق أجنداتهم، ولأجل أجنداتهم، ومن هنا تكررت الدعوة إلى إعادة كتابته.
إعادة قراءة التاريخ
وقد تطوّر علم التاريخ من كونه رواياتٍ شعبية تمتزج فيها الحقيقة بالخيال إلى علمٍ راسخ يقوم على المنهج والنقد. وفي هذا السياق أشار الكاتب الأمريكي أليكس هيلي، في كتابه «الجذور»، إلى الدور الحيوي للروايات الشفاهية في حفظ نواة الحقيقة داخل المجتمعات الأفريقية، قبل أن تتكامل لاحقاً مع المناهج العلمية الحديثة.
أمّا اليوم، فيُكتب التاريخ بصورة متواصلة، حيث تُوثَّق الأحداث والاتجاهات لحظةً بلحظة، الأمر الذي يجعل الكتابة التاريخية أقرب إلى التوثيق المهني المتخصص.
إن قراءة التاريخ تعني توسيع الرصيد المعرفي، وإعادة تفسير الوقائع، وصياغة نماذج جديدة تستند إلى هذا الثراء. وهي لا تقتصر على معرفة ما حدث فحسب، بل تمتد إلى قراءة أفقية تتقاطع مع الثقافة والأدب والعلوم، باعتبار أن التاريخ نتاج للحياة البشرية بكل أبعادها. كما تتطلب قراءةً رأسية عميقة تستحضر عصوراً مختلفة ومصادر متعددة، في ما يشبه الحفر في طبقات التاريخ، وهو ما يمكّن الباحث من المقارنة والتحليل والاختيار، واستنطاق مصادر متنوعة تمثل مدارس فكرية وثقافية متعددة، على نحو ما يُعرف في البحث العلمي بمراجعة الأدبيات (Literature Review).
لم يعد شحّ المصادر عائقاً كما كان في السابق، بل أصبحت الوفرة هي السمة الغالبة، وهو ما يفرض على الباحث بذل جهدٍ أكبر في التمحيص والاستقراء. ولا يُعدّ البحث ذا قيمة معرفية ما لم يقم على قراءة نقدية شاملة لمصادره.
وفي ضوء هذه التحولات، وما أتاحته من تنوع في المصادر وسهولة في الوسائل، بات من الضروري إعادة قراءة التاريخ قراءةً واسعة وعميقة. فقراءة التاريخ تمثّل جزءاً من مشروع معرفي أشمل، يبدأ بالبحث في النصوص والكشوفات ونتائج المختبرات، ثم يتعمق في التحليل وإعادة التركيب، لاستخلاص ما لم يكن ظاهراً من قبل.
وهذا كله يتطلب انخراطاً واعياً وقراءةً كثيفة بأدوات حديثة. ومن شأن ذلك أن يقود إلى إعادة بناء المعرفة التاريخية، لا الاكتفاء بتصحيح جزئي لها. وهو ما يستدعي نشوء جيل جديد من المؤرخين، لا يكتفي برواية التاريخ، بل يسهم في صناعته، من خلال الربط بين الماضي والحاضر، وإضفاء القيم على الوقائع.
إعادة كتابة التاريخ
ولا بد أن الدعوة لإعادة كتابة التاريخ لا تقتصر على كتابة التاريخ السياسي، بل تشمل تاريخ المجتمع والثقافة والاقتصاد، وهو ما تناوله عدد من الباحثين في مجالات متعددة. ومن هنا تبرز أهمية مشروعات تحقيق كافة المخطوطات وإعادة نشر المصادر التاريخية، التي تسهم في إعادة بناء المعرفة على أسس راسخة. ينبع الدافع لإعادة كتابة التاريخ من إدراك أن أجزاءً منه كُتبت بأقلام آخرين، ولأغراض لا تعبر رؤى ومقدرات وطنية. وأن إعادة كتابته تمثل ضرورة لتصحيح الصورة. ولا يزال الآخرون يكتبون، في الثقافة والتاريخ والسياسة، وهذا ما يفرض على علماء التاريخ والثقافة والسياسة الوطنيين أن يكتبوا تاريخهم وثقافتهم وممارستهم السياسية، فإن وُصفت كتاباتهم بغير الحياد، فلم يكن يوماً الآخر محايداً فيما كتب ويكتب. بل أجندته وثقافته ورؤاه دائماً حاضرة.
جهود معتبرة في الإتجاه
ولفهم هذه طبيعة وحجم هذه الجهود يجب ألا يقتصر النظر للتاريخ المقصود أنه التاريخ السياسي، بل يشمل تاريخ الحياة بكل تجلياتها: الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. فتوثيق العادات والتقاليد، واللغة، والفنون، وأنماط العيش، لا يقل أهمية عن تسجيل الوقائع السياسية. بل إن هذه الجوانب تمثل في كثير من الأحيان روح التاريخ وجوهره.
وفي السياق السوداني، في مجال إعادة كتابة التاريخ، يمكن القول إن هناك جهوداً معتبرة في هذا الاتجاه، سواء من المتخصصين أو من المثقفين الهواة. فقد كتب عدد من المؤرخين والباحثين أعمالاً مهمة في التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي، وأسهموا في توثيق مراحل مختلفة من تاريخ البلاد. وقد ظهرت أعمال حاولت إعادة قراءة أحداث مفصلية، وتقديم روايات بديلة أو مكملة لما كُتب سابقاً.
كما هناك تجارب لبعض الباحثين الذين أعادوا تناول أحداث تاريخية كبرى برؤية سودانية، مستندين إلى شهادات معاصرة ومصادر محلية. وقد مثّلت هذه الجهود خطوة مهمة نحو استعادة السردية الوطنية، رغم ما يواجهها من تحديات تتعلق بالنشر والتوثيق والانتشار
الجديد المثير للقراءة و الكتابة.
لا بد أن أقوى الدوافع لإعادة قراءة التاريخ اليوم أنّ الأمر لم يعد مقتصراً على تصحيح روايات سابقة أو مواجهة تحيزات كتّاب آخرين، بل تجاوزه إلى تحولات معرفية عميقة. فقد شهد العالم ما يمكن وصفه بـ«الانفجار المعرفي»، نتيجة التطور الهائل في تكنولوجيا المعلومات، وإتاحة الوثائق بعد رفع سريتها المضروبة عليها، وانتشار قواعد البيانات الرقمية. هذا، إلى جانب التقدم في مجالات داعمة للمعرفة التاريخية بما يشمل علم الآثار، والتقنية الحيوية في أبحاث الحمض النووي، والتحليل الرقمي للبيانات والمعلومات وما استجد من ثورة الذكاء الصناعي. كل ذلك فتح آفاقاً غير مسبوقة لفهم الماضي.
ولا يقتصر الانفجار المعرفي على الكم والنوع، بل يشمل أيضاً سهولة الوصول إلى المعرفة ومعالجتها، من ترجمة وتدقيق ومقارنة، حتى غدت مرنة قابلة للاستدعاء الفوري، بمجرد البحث عن مفردة ما. كما تعزز هذا الانفجار بتطور تقنيات البحث الأثري، وتقنيات الحمض النووي، والثورة الرقمية بمختلف مسمياتها. واليوم دخلنا مرحلة جديدة مع الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول ما سيأتي لاحقاً.
وقد تراكمت هذه التحولات عبر سلسلة من الاكتشافات والاختراعات، بدءاً من الورق والطباعة، مروراً بالكاميرا ووسائل النقل، وصولاً إلى النظم التعليمية الحديثة التي أدرجت التاريخ ضمن مناهجها. ولم يعد الأمر مجرد استدراك لما فات، بل بات أقرب إلى الانطلاق من نقطة جديدة. كما لم يعد مقصوراً على التاريخ وحده، بل امتد إلى العلوم الطبيعية والإنسانية، بل وحتى إلى إعادة قراءة النصوص المقدسة في ضوء المعارف المستجدة.
بناءً على ذلك، أصبحت إعادة قراءة التاريخ عملية مركبة تبدأ بجمع المعارف الجديدة إلى المعارف الموروثة، وتحليلها، ثم إعادة تركيبها في ضوء مناهج حديثة. وهي تتطلب قراءة أفقية تتجاوز كتب التاريخ إلى الأدب والعلوم الاجتماعية والطبيعية، وقراءة رأسية تتعمق في الفترات المختلفة والمصادر المتعددة، بما يشبه الحفر في طبقات الزمن. ومن هنا، لم يعد المؤرخ مجرد راوٍ للأحداث، بل صار صانعاً للرؤية، قادراً على الربط بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل.
إن مشروع إعادة كتابة التاريخ لا يكتمل دون تقدير جهود العلماء والباحثين، والاحتفاء بإسهاماتهم، وتكريمهم بما يليق بعطائهم. فذلك لا يحقق العدالة لهم فحسب، بل يشجع الأجيال الجديدة على خوض غمار البحث والإبداع. كما تبرز الحاجة إلى تقدير الجهود الفردية، وتكريم المبدعين، ودعم البحث العلمي، بما يسهم في تحفيز الأجيال الجديدة على الإبداع والمعرفة به.
إن إعادة كتابة التاريخ تنبع في جانب منها من الحاجة إلى تقديم سرديات وطنية، بعد أن كتب الآخرون أجزاءً كبيرة من التاريخ وفق رؤاهم وأجنداتهم. ولا شك أن هذه الكتابات أسهمت في تشكيل صورة ذهنية عن مجتمعاتنا قد لا تعكس واقعها بدقة. ومن ثم، فإن إعادة الكتابة تمثل محاولة لتصحيح المفاهيم، وتوثيق التجربة من الداخل، مع ما قد يثار حولها من إشكاليات الموضوعية والانحياز.
ضرورات منهجية
على ضوء مثل كتاب الدكتور (قاسم عبده قاسم)، وهو جهد فردي، لابد لابتدار مشروع إعادة قراءة وكتابة التاريخ من جهد جمعي مؤسسي، أقلها أن يضع ملامح الصورة وإطارها. و ربما لا يأخذ ذلك وقتاً أو موارد كثيرة، بقدرما يحتاج إلى تنظيم مؤتمر أو ورشة عمل يوضع منظورها في مسارات مفاهيمية، يتم التداول حولها ثم تخرج بخارطة طريق يبين للباحثين والعلماء بعض المعالم الظاهرة في مسار البحث. ويمكن لمثل هذا الجهد أن يكون دورياً على آماد مقررة، كل ثلاثة أو أربعة أعوام لتقييم الجهد المحرز وإعادة التوجيه على ضوء المستجدات.
كذلك من الضرورات المنهجية المهمة في هذا السياق، ذلك ضرورة رصد ما كُتب وتصنيفه، وتحديد الفجوات المعرفية التي لم تُغطَّ بعد. كما تبرز الحاجة إلى دعم الباحثين، وتوفير منصات للنشر، وتشجيع الدراسات التي تُنجز بلغات مختلفة، حتى تجد طريقها إلى القارئ المحلي والعالمي.
أكثر من ذلك ضرورة تجاوز مظالم التاريخ وإن كانت حقيقة، بالعبرة ونقل الممارسات الجيدة من شعوب كم عانت من سوءات التاريخ، ثم تجاوزتها بكثير من الحكمة والإقتدار. والمثال الحي ما حدث قريباً في جنوب أفريقيا، فضلاً عن أوروبا التي كان تاريخها مليء بالحروب والقتل الذي طال الملايين تنعم اليوم بوحدة كأنّ تاريخها كان مبرأ من كل عيب.
إن الحاجة إلى قراءة التاريخ لا تقل أهمية عن كتابته، بل ربما تفوقها، لأن الفهم الواعي هو الذي يمنح الكتابة معناها. كما أن استحضار التاريخ ينبغي أن يكون بقدر ما يخدم الحاضر ويؤمن المستقبل، دون الارتهان للماضي أو الانشغال المفرط.
خلاصة، يمكن القول إن الحاجة إلى إعادة قراءة وكتابة التاريخ هي في جوهرها حاجة إلى فهم أعمق للذات، وبناء وعي نقدي بالماضي، وتوظيفه في خدمة الحاضر والمستقبل. فالتاريخ، كمرآة السيارة التي تمكن من الرؤية الخلفية لتفادي المخاطر، يفيدنا بقدر ما يعيننا على السير الآمن إلى الأمام، دون أن يتحول إلى عبء يشدّنا إلى الوراء. ومن هنا، فإن الغاية ليست تمجيد الماضي أو إدانته، بل استخلاص العبر، واستلهام القيم، وبناء مستقبل أكثر وعياً واتزاناً.


