Popular Now

سلسلة: قراءة في مشروع “تأسيس” ومستقبل السودان(1) .. وزير للتعليم العالي فوق أنقاض الجامعات.. من دمّر المؤسسات التعليمية لا يملك حق الادعاء بحمايتها .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

السودان بين غنى موارده الطبيعية وفقر إداراته السياسية ما قبل وبعد استعماره البريطاني .. د. بابكر عبدالله محمد علي

الدعم السريع.. انهيار الركائز وبداية السقوط (1-2) .. د. خالد حسين محمد

إدارة القرية.. فجوة الحكم وأزمة التنمية .. الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

مقدمة
هذه ورقة عمل مطروحة للنقاش، تتناول قضية الحكم في القاعدة العريضة للدولة والمجتمع، أي مستوى القرية السودانية، وقد تحولت القرية من مجرد تجمع سكاني محدود حول مورد ماء أو أرض زراعية إلى مجتمع واسع ومعقد، يضم خدمات ومؤسسات وتفاعلات اجتماعية واقتصادية وثقافية متزايدة. وبرغم هذا التحول الكبير، ظل نظام الإدارة القاعدية في السودان محدود التطور، بينما استمرت الدولة في إدارة الشأن العام من أعلى الهرم الإداري، دون بناء مؤسسي حقيقي للمستوى القروي.
تهدف الورقة إلى إثارة النقاش حول قضية الحكم القاعدي، والتنبيه إلى أن كثيرًا من التصورات المتعلقة بالقرية في الريف السوداني بُنيت على رؤى نظرية أو إحصائية، غابت عنها البنية الاجتماعية والإدارية الحقيقية للقرية. كما تسعى إلى لفت الانتباه إلى أن نظم الحكم الحديثة في السودان توقفت عند حدود المحلية، دون أن تُكمل بناء المستوى الإداري الخاص بالقرية من حيث التشريع والتنظيم والتأهيل والتمويل.

الرؤية المطروحة
تنطلق الورقة من قناعة مفادها أن أزمة الدولة السودانية لا ترتبط فقط بحكم المركز أو الولاية، بل تبدأ أيضًا من ضعف المستوى القاعدي للحكم، أي مستوى القرية. فالقرية السودانية لم تعد مجتمعًا صغيرًا معزولًا، بل أصبحت وحدة اجتماعية واقتصادية وثقافية متشابكة، تحتاج إلى أدوات حديثة في التنظيم والإدارة والتخطيط والخدمات.
كما تطرح الورقة سؤالًا مهمًا حول العلاقة بين ضعف الحكم القاعدي وبين الأزمات الممتدة التي شهدها السودان، بما في ذلك النزاعات والحروب وتدهور الخدمات وتراجع التنمية الريفية. فضعف الإدارة المحلية يؤدي بالضرورة إلى هشاشة المجتمع المحلي، ويضعف قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار والتنمية المتوازنة.

تعريف القرية إداريًا
بحسب دليل الحكم اللامركزي الصادر عن وزارة الحكم الاتحادي، تُعد القرية بأنها هي الوحدة الأساسية للتنظيم الإداري الريفي في السودان، وتمثل إطارًا قانونيًا لإدارة السكان خارج النطاق الحضري. ويقوم تعريف القرية على الاستقرار السكاني، والاعتراف الإداري، والتبعية للوحدة الإدارية أو المحلية.
لكن هذا التعريف ظل في الغالب نظريًا أكثر من كونه واقعًا مؤسسيًا فعّالًا، إذ إن القرية، رغم وصفها بأنها الوحدة البنائية للحكم، لم تُمنح سلطات إدارية حقيقية، ولم تُدرج عمليًا ضمن مستويات الحكم الرسمية كما هو الحال مع المركز والولاية والمحلية.
نظام الحكم في السودان
يقوم نظام الحكم في السودان على ثلاثة مستويات رئيسية: المستوى الاتحادي، ومستوى الولاية، ومستوى المحلية. ويشمل المستوى الاتحادي رئاسة الدولة ومجلس الوزراء والأجهزة القومية المختلفة، بينما تمثل الولاية المستوى الثاني ولها حكومة وأجهزة تنفيذية وتشريعية، أما المحلية فهي المستوى الثالث للحكم ويرأسها معتمد يمثل سلطة الدولة على المستوى المحلي.
وقد أتاح قانون الحكم المحلي إنشاء وحدات إدارية تتبع للمحليات، بهدف تسهيل الإشراف الإداري، إلا أن هذه الوحدات تتحول في أكثر الأحيان إلى مستوى بيروقراطي إضافي يفصل القرية عن مركز القرار، بدلاً من أن يقرب الخدمات والإدارة من المواطنين.

مستوى القرية
برغم أن القرية، بحكم تعريفها، تمثل الوحدة البنائية للحكم، فإنها ظلت خارج التصنيف الواضح لمستويات الحكم الرسمية. ويمكن النظر إليها عمليًا بوصفها المستوى الرابع للحكم، لكنه مستوى غير مكتمل من حيث الصلاحيات والموارد والتنظيم.
وفي نظام الإدارة الأهلية السابق، كان شيخ القرية يمثل حلقة الوصل بين المجتمع والدولة، ويتولى مسؤوليات إدارية واجتماعية وأمنية، مستندًا إلى سلطات قانونية منحتها قوانين الإدارة الأهلية والمحاكم الأهلية في العهد الاستعماري. وبإلغاء الإدارة الأهلية في مطلع سبعينيات القرن الماضي، استُبدل الشيخ بنظام اللجان الشعبية، الذي نص عليه قانون الحكم المحلي. غير أن اللجنة الشعبية، رغم وصفها أحيانًا بحكومة القرية، لم تكن أكثر من كيان طوعي محدود الصلاحيات، يفتقر إلى السلطات التنفيذية والموارد والإمكانات المؤسسية.

المتغيرات في القرية
شهدت القرية السودانية خلال العقود الماضية تحولات كبيرة. فقد زاد عدد السكان، وارتفع مستوى التعليم، وتوسعت الخدمات، وظهرت الأسواق والمؤسسات التعليمية والصحية والرياضية، ودخلت الكهرباء ووسائل النقل والاتصالات الحديثة إلى كثير من القرى.
كما تغيرت البنية الاجتماعية والثقافية، وظهرت أعداد متزايدة من خريجي الجامعات والتعليم الفني، واتسعت مشاركة الشباب والمرأة في الحياة العامة، وأصبحت القرية أكثر ارتباطًا بالمدينة وبالاقتصاد الوطني والعالمي.
وفي المقابل، تعرضت الموارد الطبيعية لضغوط متزايدة بسبب النمو السكاني والتوسع العمراني والأنشطة الزراعية والرعوية والتعدينية، مما أوجد تحديات جديدة تتعلق باستخدام الأرض، وتخطيط السكن، والخدمات، وحماية البيئة.
من التغيرات إلى التعقيدات
إن التحولات التي تشهدها القرية السودانية، لم تعد مجرد تغيرات بسيطة يمكن إدارتها بالأدوات التقليدية القديمة، بل أصبحت تعقيدات حقيقية تتطلب نظم إدارة حديثة. فقد تصاعدت النزاعات حول الأراضي والموارد الطبيعية، وظهرت مشكلات تتعلق بالمياه، والبيئة، والتعدين، والبطالة، والهجرة، وانتشرت بعض الظواهر المرتبطة بالمخدرات والسلاح والعنف المجتمعي.
كما أصبحت القرى في حاجة إلى خدمات أكثر تعقيدًا، تشمل التخطيط العمراني، وتنظيم الأسواق، والصحة العامة، والتعليم، وحماية البيئة، وتطوير نظم الأمن المحلي وفض النزاعات.
ومع اتساع هذه التحديات، لم يعد من الممكن إدارة القرية بالوسائل التقليدية أو عبر لجان محدودة الصلاحيات، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى بناء مؤسسات قاعدية حقيقية، تمتلك السلطات والموارد والكوادر الفنية اللازمة.
نماذج متقدمة لحكم القرية
تكشف تجارب عدد من الدول الإفريقية والآسيوية عن اهتمام واضح بالحكم القاعدي، حيث جرى إدماج إدارة القرية في البناء الدستوري والقانوني للدولة. ففي دول مثل الهند، وكينيا، وتنزانيا وفيتنام، توجد مجالس قروية منتخبة، ومديرو قرى، ومحاكم محلية وأنظمة واضحة للعلاقة بين القرية ومستويات الحكم الأعلى.
كما اتجهت بعض هذه الدول إلى إدخال التحول الرقمي في إدارة القرى، بما يتيح تقديم الخدمات الحكومية إلكترونيًا، وربط السكان بالمعلومات والخدمات الصحية والتعليمية والمالية.
وتؤكد هذه التجارب أن التنمية الريفية لا يمكن أن تتحقق دون بناء مؤسسات حكم محلي فعالة، قادرة على إدارة الموارد والخدمات والمشاركة الشعبية.
الوحدة التنظيمية بلا تنظيم
رغم تعريف القرية بأنها الوحدة الأساسية للتنظيم الإداري، فإنها بقيت خارج البناء المؤسسي الحقيقي للدولة. فالسودان قُسم إلى ولايات ومحليات ووحدات إدارية، بينما ظلت القرية غائبة عن التصنيف الواضح لمستويات الحكم.
اللافت أن الدراسات والتقارير الرسمية نادرًا ما تقدم بيانات دقيقة عن عدد القرى السودانية أو أوضاعها الإدارية والتنموية، رغم أن أغلب السكان يعيشون في الريف. كما أن كثيرًا من البرامج الحكومية ركزت على المحليات والوحدات الإدارية، دون بناء مؤسسي حقيقي لمستوى القرية.
كذلك انشغلت دراسات عديدة بقياس الفقر والهجرة والنزوح والتحولات السكانية، لكنها لم تتناول بصورة كافية قضية إدارة المجتمع المحلي وتنظيم القرى وتطوير مؤسسات الحكم القاعدي.

الحاجة إلى الحوكمة
أصبحت الحاجة ملحة لإعادة بناء نظام الإدارة القاعدية في السودان، بما يجعل القرية وحدة حقيقية للحكم والتنمية، قادرة على مواكبة التحولات الكبيرة التي شهدها الريف. فالتحديات التي تواجه القرى اليوم تشمل الزيادة السكانية، والتوسع العمراني، والضغط على الخدمات، وتدهور البيئة، وتصاعد النزاعات، وظهور أنشطة اقتصادية جديدة، إلى جانب الحاجة إلى نظم حديثة للتخطيط والإدارة والأمن المحلي.
كما أن تطوير الحكم القاعدي يتطلب بناء قدرات القيادات المحلية، وتوفير الموارد، وتطوير التشريعات وإشراك الشباب والمرأة والمجتمع المحلي في إدارة شؤون القرية.

خاتمة
تكشف هذه الورقة أن القرية السودانية، برغم وصفها بأنها الوحدة البنائية للحكم، لم تحظَ بالاهتمام المؤسسي الذي يؤهلها للقيام بدورها الحقيقي في الإدارة والتنمية. كما أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التي شهدها الريف السوداني أوجدت واقعًا جديدًا تجاوز صورة القرية التقليدية القديمة.
ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لإعادة النظر في موقع القرية داخل نظام الحكم السوداني، ومنحها وضعًا إداريًا أوضح، وسلطات وصلاحيات مناسبة، وتشريعات حديثة وموارد معلومة، إلى جانب تأهيل القيادات القاعدية للتعامل مع متطلبات الإدارة الحديثة.
إن تطوير الحكم القاعدي لا يعني مجرد إضافة مستوى إداري جديد، بل يعني بناء دولة أكثر قربًا من مواطنيها، وأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية والعدالة في الخدمات. فالريف القوي يصنع دولة مستقرة، والقرية المنظمة تخفف الضغط على المدن، وتفتح آفاق الإنتاج والاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.

مع صادق المودة
الصادق عبدالله أبو عياشة

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | المتمة… خطاب الدولة وذاكرة الدم .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

دولة أفريقيا الوسطي.. الألماس وقوس النار (1) أفريقيا الوسطى من الممالك القديمة حتى الاستقلال .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *