Popular Now

وجه الحقيقة | السودان بعد الحرب… من يملك المشروع السياسي؟ .. إبراهيم شقلاوي

الجاكاشا على ضفاف النيل (دروس رواندا للسودان بعد الحرب) .. د. سعد حسن فضل الله .. المستشار بمركز الخبراء العرب للدراسات الصحفية ودراسات الرأى العام

أفريقيا الوسطى – الألماس وقوس النار (5) أثر الصراع في أفريقيا الوسطى على السودان .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية

وجه الحقيقة | السودان بعد الحرب… من يملك المشروع السياسي؟ .. إبراهيم شقلاوي

مع اقتراب الحرب من مراحلها النهائية يتجه السودان نحو لحظة سياسية لا تقل تعقيدًا عن لحظة اندلاعها في أبريل 2023، فبالتوازي مع التقدم العسكري على الأرض، تتصدر قضية امتلاك مشروع سياسي قادر على إدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب واجهة المشهد السياسي الوطني.

في هذا المقال نحاول تفكيك ملامح هذا المشهد، واستشراف أفق سياسي عملي يمكن أن يدعم عملية الانتقال ويؤسس لاستقرار مستدام.

معلوم أن الحرب أعادت تشكيل الخريطة السياسية بطريقة جذرية، ليس فقط من حيث موازين القوة، بل من حيث طبيعة الاصطفاف السياسي.

فالقوى التي كانت في حالة تنافس قبل اندلاع الحرب وجدت نفسها تحت ضغط التهديد الوجودي المتعلق بحماية الدولة السودانية ومنع انهيارها. وبهذا المعنى، تشكل ما يمكن وصفه بـ”تحالف الضرورة” الذي ضم القوات المسلحة والقوات المشتركة والمقاومة الشعبية المدعومة بشباب الإسلاميين، إلى جانب قوى سياسية ومجتمعية وإدارات أهلية.

غير أن هذا التحالف ظل حتى الآن تحالفاً دفاعياً أكثر منه مشروعاً سياسياً متكاملاً. فهو نجح في توحيد الموقف حول معركة البقاء، لكنه لم ينجح بعد في إنتاج تصور مشترك حول شكل الدولة المقبلة أو طبيعة النظام السياسي الذي يحكم مرحلة ما بعد الحرب.

عليه تبدو القوى السياسية أمام اختبار صعب: الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك خلال الحرب، والاستعداد لمرحلة ما بعدها. فالتجربة السودانية، كما تجارب عديدة في الإقليم والعالم، تؤكد أن التحالفات التي تنشأ في سياق الصراع المسلح غالباً ما تواجه تحديات حادة عند الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة البناء، ومن منطق المواجهة إلى منطق إدارة الدولة.

في سياق الواقع الذي أعاد تشكيل المشهد السياسي السوداني إلى كتلتين رئيسيتين، تبدو القوى الداعمة للدولة والجيش هي الأقرب موضوعياً لإمكانية التحول من اصطفاف ظرفي إلى مشروع وطني جامع. غير أن هذا التحول يظل مرهوناً بقدرتها على تجاوز مرحلة التحالف الدفاعي إلى مرحلة المشروع السياسي، عبر صياغة رؤية سياسية واحدة تستوعب تنوع مكوناتها وتعيد بناء الحد الأدنى من التوافق حول الدولة ووحدتها.

وفي هذا الإطار، يصبح شرط الاستدامة هو إدارة هذا التعدد على قاعدة الوطن دون إقصاء مع الفصل الواضح بين العمل السياسي والاستحقاق العدلي، بحيث تُترك المحاسبة للقضاء باعتباره المرجعية المختصة، بعيداً عن التسييس، على أن يظل الشعب عبر صناديق الانتخابات هو صاحب القول الفصل في منح الشرعية وتحديد من يتولى إدارة الدولة بعد ذلك.

ولعل الكتلة الديمقراطية تمثل نموذجاً معبّراً عن هذه الإشكالية ، إذ نجحت في مرحلة سابقة في جمع القوى السياسية والمجتمعية حول مواقف متقاربة تجاه ترتيبات الانتقال. غير أن التباينات التي برزت مؤخراً بشأن التعاطي مع المبادرات السياسية، لإنهاء الحرب، وما ترتب عليها من خلاف حول المشاركة في اجتماعات أديس أبابا الأخيرة، كشفت أن التحدي أصبح في إنتاج رؤية سياسية موحدة. فالتباين داخل الكتلة لا يعكس مجرد اختلاف في التكتيك السياسي، بل يلامس طبيعة المشروع السياسي، الذي يجمع هذه المكونات وحدود التوافق بينها في مرحلة ما بعد الحرب.

وفي المقابل، يبرز التيار الإسلامي باعتباره أحد أكثر الفاعلين السياسيين حضوراً وتأثيراً داخل المشهد الداعم للدولة. فبغض النظر عن الموقف منه، لا يمكن إنكار ما يمتلكه من خبرة تنظيمية، وقدرة على الحشد، وشبكات اجتماعية وسياسية، جعلته رقماً أساسياً في معادلة ما بعد الحرب. غير أن هذه القوة التنظيمية، على أهميتها، لا تحسم وحدها سؤال المستقبل.

فالتحدي الحقيقي أمام هذا التيار لا يتمثل في مجرد العودة إلى العمل السياسي، بل في طبيعة هذه العودة، وفي قدرته على تقديم مشروع سياسي يستوعب تحولات ما بعد 2019 وما فرضته الحرب من واقع جديد.

ويزداد هذا التحدي تعقيداً مع بروز تمايز داخل البيئة السياسية الإسلامية نفسها، خاصة في ظل انقسام حزب المؤتمر الوطني سابقاً. فإلى جانب تيار يميل إلى إعادة التموضع بالاستناد إلى الإرث التنظيمي والتجربة السابقة، تتصاعد داخل هذا الفضاء أصوات تدعو إلى مراجعات أكبر تمس البنية التنظيمية والخطاب السياسي وطبيعة التحالفات المستقبلية. هذا التباين لا يعني بالضرورة انقساماً نهائياً، لكنه يعكس حقيقة أساسية مفادها أن مرحلة ما بعد الحرب ستفرض على الجميع إعادة تعريف موقعه ودوره.

أما تحالف “صمود” بقيادة د. عبد الله حمدوك، فيواجه هو الآخر تحدياً لا يقل تعقيداً، يتمثل في أزمة الثقة داخل المشهد الداخلي. فالتجربة السياسية التي ارتبطت بما قبل الحرب وما بعدها تركت انطباعات لدى الرأي العام، جعلت مسألة إعادة تموضعه في الداخل السوداني مرهونة بقدرته على إعادة بناء الثقة عبر مواقف سياسية واضحة تجاه قضية الحرب، وسيادة الدولة، والدعم السريع، حتى يكون جزءًا من أي تسوية محتملة.

وفي خلفية هذا المشهد، تظل مسألة التسوية السياسية والعدالة الانتقالية واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً. فالمزاج العام داخل قطاعات واسعة من المجتمع السوداني يتجه نحو رفض إعادة إنتاج ترتيبات سياسية تتجاهل مسؤوليات الحرب، أو تتجاوزها دون مساءلة. وفي هذا السياق، يتعزز اتجاه يرى ضرورة استبعاد مليشيا الدعم السريع ودوائرها الداعمة من أي ترتيبات سياسية مستقبلية، باعتبار أن أي تسوية لا تقوم على العدالة والمساءلة ستظل عرضة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها بأشكال مختلفة.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن عزل المشهد السوداني عن بيئته الإقليمية والدولية الطامعة. فالسودان يقع في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، وتتزايد فيها محاولات التأثير على مسارات التسوية السياسية. ومع كل تحول ميداني، تتجدد محاولات إعادة صياغة شكل الدولة السودانية القادمة، بما يجعل معركة السيادة الوطنية معركة مركبة، لا تقتصر على البعد العسكري والأمني، بل تمتد إلى البعد السياسي والفكري المتعلق بقدرة السودانيين على إنتاج مشروعهم بأنفسهم.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم بحسب #وجه_الحقيقة ليس فقط استمرار الحرب، بل غياب المشروع الوطني الجامع القادر على تحويل وحدة الضرورة إلى وحدة رؤية تجمع الجميع على الحد الأدنى من المشتركات. فالحرب ،رغم قسوتها، نجحت في توحيد جزء كبير من القوى حول هدف الدفاع عن الدولة، لكنها لم تنجح بعد في إنتاج إجابة مشتركة عن سؤال الدولة نفسها: كيف تُحكم؟ وعلى أي أسس يُعاد بناؤها؟
دمتم بخير وعافية.
Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

الجاكاشا على ضفاف النيل (دروس رواندا للسودان بعد الحرب) .. د. سعد حسن فضل الله .. المستشار بمركز الخبراء العرب للدراسات الصحفية ودراسات الرأى العام

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *