Popular Now

الإدارة الأهلية بين الموروث ومتطلبات المستقبل .. بقلم: الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة .. والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(16) | إسرائيل وإيران والسودان حدود القوة العسكرية ومستقبل التسويات السياسية في الشرق الأوسط .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

أصل القضية | السودان … متى نواجه ومتى نُعرض؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

الإدارة الأهلية بين الموروث ومتطلبات المستقبل .. بقلم: الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة .. والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

مقدمة
تُعد الإدارة الأهلية إحدى أعرق المؤسسات الاجتماعية والسياسية في السودان، وقد ظلت تؤدي أدواراً مؤثرة في حياة المجتمعات المحلية عبر مراحل تاريخية متعاقبة. ورغم إلغائها رسمياً منذ أكثر من نصف قرن، فإنها لم تغب عن الواقع السوداني، بل استمرت بأشكال مختلفة تؤثر في العلاقات الاجتماعية وإدارة النزاعات المحلية والمحافظة على السلم الأهلي.
وتأتي أهمية مناقشة مستقبل الإدارة الأهلية اليوم في ظل التحولات العميقة التي شهدها السودان، وما ترتب عليها من تحديات تتعلق بالحكم المحلي، وإدارة التنوع الاجتماعي والنزاعات المرتبطة بالموارد. كما تزداد أهمية هذا النقاش في وقت تصاعدت فيه النزعات القبلية والاستقطابات الاجتماعية خلال سنوات الحرب الأخيرة، مما يستدعي رؤية وطنية متوازنة تتجاوز الأحكام المسبقة والانفعالات السياسية، وتبحث عن أفضل السبل للاستفادة من الإرث التاريخي للإدارة الأهلية فيه إطار الدولة الحديثة.
الجذور التاريخية
رغم أن مصطلح «الإدارة الأهلية» ارتبط بفترة الحكم الثنائي البريطاني–المصري، فإن جذورها تعود إلى النظم التقليدية التي حكمت المجتمعات السودانية قبل قيام الدولة الحديثة بقرون. فقد اعتمدت القبائل والمجموعات المحلية على قياداتها في حفظ الأمن، وتنظيم استخدام الأراضي والمياه والمراعي، وتسوية النزاعات وفق الأعراف السائدة.
وخلال عهود الممالك والسلطنات السودانية، ولا سيما سلطنة الفونج وسلطنة دارفور، كانت الزعامة المحلية تمثل إحدى ركائز الاستقرار الاجتماعي والسياسي. ومع دخول الحكم التركي–المصري عام 1821 توسعت الدولة في الاعتماد على شيوخ القبائل والعمد في إدارة الشؤون المحلية وجمع الضرائب وحفظ الأمن، بينما استمرت هذه الأدوار بصورة مختلفة خلال عهد الدولة المهدية.
أما في عهد الحكم الثنائي، فقد جرى تقنين الإدارة الأهلية ضمن سياسة الحكم غير المباشر التي تبنتها الإدارة البريطانية. ومن خلال سلسلة من القوانين، مُنحت القيادات الأهلية سلطات إدارية وقضائية واسعة، وأصبحت شريكاً أساسياً للدولة في إدارة الأقاليم الريفية والبدوية.
الإدارة الأهلية والحياة العامة
على الرغم من أن بعض قادة الحركة الوطنية نظروا إلى الإدارة الأهلية باعتبارها إحدى أدوات الحكم الاستعماري، فإنها تحولت مع مرور الزمن إلى قوة اجتماعية وسياسية مؤثرة داخل المجتمع السوداني. فقد ارتبط كثير من زعمائها بالحياة السياسية الوطنية، وشارك عدد منهم في الجمعية التشريعية وفي المؤسسات السياسية التي سبقت الاستقلال وأعقبته.
كما برز أبناء بيوت الإدارة الأهلية في مجالات السياسة، والإدارة، والخدمة العسكرية، والقضاء والتعليم، وأسهموا في تشكيل جزء معتبر من النخبة السودانية. ولذلك فإن النظر إلى الإدارة الأهلية باعتبارها مجرد إرث استعماري لا يكفي لفهم دورها الحقيقي، إذ أصبحت جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي السوداني، ومؤسسة أسهمت في إنتاج قيادات محلية و وطنية على حد سواء.

إلغاء الإدارة الأهلية
استمر نظام الإدارة الأهلية بعد الاستقلال، إلى أن صدر قانون الحكم المحلي الشعبي عام 1971 في عهد الرئيس جعفر محمد نميري، والذي ألغى الإدارة الأهلية رسمياً ونقل اختصاصاتها إلى مؤسسات الحكم المحلي والمجالس الشعبية.
وقد استند القرار إلى رؤية رأت أن بناء الدولة الحديثة يقتضي تجاوز البنى القبلية والسلطات التقليدية وإحلال مؤسسات تقوم على المواطنة والمشاركة الشعبية محلها. غير أن التجربة العملية أثبتت أن كثيراً من الوظائف التي كانت تؤديها الإدارة الأهلية لم تستطع مؤسسات الحكم المحلي القيام بها بالكفاءة المطلوبة، خاصة في مجالات الصلح الاجتماعي، وفض النزاعات وإدارة العلاقات بين المجتمعات المختلفة.
ولذلك عادت الحكومات المتعاقبة، بدرجات متفاوتة، إلى الاستعانة ب”النظار“ و”العمد“ و”المشايخ” في الوساطة الاجتماعية وتعزيز السلم الأهلي، خاصة في المناطق التي تعاني ضعف مؤسسات الدولة أو تشهد نزاعات متكررة حول الأرض والموارد.
تحديات الواقع الجديد
يختلف السودان اليوم اختلافاً كبيراً عن السودان الذي نشأت فيه الإدارة الأهلية قبل قرن من الزمان. فقد تضاعفت أعداد أجيال جديدة من السودانيين، توسعت المدن، وانتشر التعليم، وتطورت وسائل الاتصال، وتعززت مفاهيم المواطنة والحقوق والمؤسسات الحديثة. كما اكتملت هياكل الحكم المحلي من الولايات إلىو المحليات والوحدات الإدارية والقرى.
ومع ذلك، فإن غياب الإدارة الأهلية من النصوص القانونية لم يؤد إلى غيابها من الواقع. فما تزال تمارس تأثيراً ملموساً في كثير من المناطق، بل ظهرت مطالب متزايدة بإنشاء نظارات وعموديات جديدة في عدد من الأقاليم، في وقت تتصاعد فيه النزعات القبلية والاستقطابات الاجتماعية.
وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من حدة هذه الظاهرة، إذ أتاحت منابر واسعة للتعبئة والحشد والتأثير في الرأي العام المحلي. كما برزت أدوار الإدارة الأهلية بصورة واضحة خلال الحرب الأخيرة، سواء في جهود الوساطة وحماية المجتمعات المحلية أو في بعض مظاهر الاستقطاب والتعبئة المرتبطة بالصراع.
وهنا تبرز إشكالية أساسية تتمثل في وجود إدارة أهلية فاعلة على أرض الواقع، مقابل غياب موقع قانوني واضح لها داخل مؤسسات الدولة. وهذه الازدواجية تستدعي معالجة متوازنة تراعي متطلبات الدولة الحديثة من جهة، وحقائق الواقع الاجتماعي من جهة أخرى.

الرؤية المستقبلية
لا ينبغي أن يُبنى مستقبل الإدارة الأهلية على ثنائية الإلغاء أو الإبقاء، وإنما على إعادة تعريف دورها بصورة تتوافق مع متطلبات الدولة الحديثة. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في المحافظة على الأشكال التقليدية أو إلغائها، بل في تحديد الوظائف التي تستطيع هذه المؤسسة أداؤها بكفاءة داخل منظومة الحكم والقانون.
وتتمثل أهم هذه الوظائف في الوساطة الاجتماعية، والمصالحات، وتسوية النزاعات المحلية، والمحافظة على السلم الأهلي والتماسك المجتمعي. كما يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في معالجة النزاعات المرتبطة بالأرض والمياه والمراعي والموارد الطبيعية، وهي القضايا التي تشكل أساس عدد كبير من النزاعات المحلية في السودان.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل النمو السكاني المتسارع، والتوسع في الطلب على الأراضي الزراعية والسكنية، وتدهور الموارد الطبيعية، وتأثيرات التغير المناخي والتصحر. فهذه العوامل تجعل من إدارة الموارد قضية مركزية للأمن والاستقرار والتنمية.
غير أن أي دور مستقبلي للإدارة الأهلية يجب أن يكون مكملاً لمؤسسات الدولة، لا بديلاً عنها ولا منافساً لها. كما يتطلب إصلاحاً حقيقياً يقوم على الشفافية والمساءلة، والحد من التمحور الحزبي والقبلي الضيق، وفتح المجال أمام الكفاءة والتعليم والخبرة مع ترسيخ مبدأ المساواة بين جميع المواطنين داخل الدائرة الأهلية الواحدة.

خاتمة
إن مستقبل الإدارة الأهلية لن تحسمه النصوص القانونية وحدها، كما لن يحدده التمسك بالموروث التاريخي وحده، بل سيتوقف على قدرتها على التكيف مع مجتمع يتغير باستمرار. فإذا نجحت في تطوير أدوارها لتصبح مؤسسة مجتمعية حديثة تدعم السلام والتنمية والاستقرار، فإنها ستظل جزءاً مهماً من البناء المؤسسي السوداني. أما إذا بقيت أسيرة للاستقطابات القبلية والصراعات السياسية وأدوات النفوذ التقليدي، فإن دورها سيتراجع تدريجياً مع تطور مؤسسات الدولة واتساع نطاق المواطنة وسيادة القانون والحكم الرشيد.
إن المطلوب اليوم ليس استعادة الماضي، بل توظيف ما فيه من خبرات إيجابية لبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة، تكون فيه الإدارة الأهلية جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة، وشريكاً في تعزيز الوحدة الوطنية والتنمية المستدامة في السودان.
والخامة رسالة، إن النعرات العنصرية التي ضجت وتضج بها الأسافير قد سممت الكثير من الفكر والنظر. فإلى رجال ونساء الدولة، الذين يتصدون للإصلاح، إن إصلاح الإدارة الأهلية ،وغيرها من مكونات الدولة، يتطلب بناء رؤية شاملة عن معرفة شاملة تنبع من روح وطنية غير منحازة.
فلا بد أن يتصدى للإصلاح من السودانيين من هم فوق الأحزان. ذلك أن تحدث مبادرة تتحول إلى برنامج عمل يستهدف تطوير الإدارة الأهلية دعماً للدولة الحديثة المنشودة. هل سيكون ذلك برنامج لوزارة الحكم الاتحادي أم وزارة الداخلية، أم القضاء أو حتى رئاسة الجمهورية. لا شك أن المشروع جدير بالاهتمام للتنفيذ .. وإلا فمن يصلح الملح إذا الملحُ فسد.

مع صادق التقدير

sadigabdala@gmail.com
الصادق عبدالله أبوعيّاشة

المقالة السابقة

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(16) | إسرائيل وإيران والسودان حدود القوة العسكرية ومستقبل التسويات السياسية في الشرق الأوسط .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *