Popular Now

أصل القضية | السودان… كيف تحولت المشاهدة إلى سلطة؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

مسارات.. الإنسان … مورد السودان .. د.نجلاء حسين المكابرابي

وجه الحقيقة | المحكمة الدستورية… بداية الطريق .. إبراهيم شقلاوي

حين صار المهرجون أوصياء على الفضيلة .. مستشار: هشام محمود سليمان

للتاريخ طرائفه السوداء وللأمم ساعات اختلال عجيبة تنقلب فيها الموازين حتى يغدو الحكيم موضع شك، ويصبح الأحمق صاحب مشروع وطني، ويجلس المهرج على كرسي الأستاذ بينما يستدعى أصحاب العلم والخبرة إلى محكمة السفهاء للاستجواب.

وهكذا وجد السودان نفسه في أعقاب التحولات السياسية الأخيرة أمام مشهد يكاد يكون مستحيلًا لو لم يكن واقعًا معاشًا، مشهد انتقلت فيه إدارة المجال العام من أهل الكفاية إلى أهل الرواية، ومن أصحاب التجربة إلى أصحاب التجريب ومن الرجال الذين بنوا أعمارهم لبنة لبنة إلى قوم بنوا أمجادهم من منشور وتعليق صاخب وصورة متكلفة، فقد بدا وكأن هنالك مشروعًا متكاملًا لإعادة تعريف الفضيلة نفسها لا بإصلاح الأخلاق، بل بإلغاء الحاجة إليها أصلًا، وأصبح المرء يرى في الساحة العامة عجائب لم يذكرها الجاحظ في كتاب الحيوان ولم تخطر لابن المقفع وهو يكتب عن فساد السياسة وسوء التدبير، فالسفهاء صاروا خبراء، والجهلاء تحولوا إلى منظرين وأصحاب الأصوات المرتفعة احتكروا الحديث باسم الشعب حتى خيل للناس أن الضجيج نوع من المعرفة وأن الوقاحة مدرسة فكرية قائمة بذاتها.

وفي هذا المناخ الموبوء بالتفاهة لم تعد المعركة ضد الفساد وحده، بل ضد فكرة الأخلاق نفسها، فكل من تحدث عن القيم وضرورة صيانة المجتمع ومرجعيته الدينية عومل وكأنه قادم من العصر الحجري، وكل من دعا إلى الحياء والانضباط واحترام التقاليد نظر إليه كأنه خطر استراتيجي على مستقبل البشرية، أما الذين لا يفرقون بين الحرية والفوضى ولا بين التحرر والانحلال فقد منحوا صكوك التنوير واحتكروا تعريف التقدم حتى صار الخراب نفسه يباع للناس تحت لافتة التطور، وصارت الفوضى تقدم في ثوب الحداثة وأصبح الانفلات الأخلاقي يسوّق باعتباره انتصارا للوعي الإنساني، ومن طرائف المشهد أن الذين عجزوا عن إدارة نادٍ رياضي أو جمعيةٍ تعاونية أخذوا على عاتقهم مهمة إعادة هندسة المجتمع السوداني كله وكأن السودان حقل تجارب مفتوح أو مختبر ضخم يسمح فيه للهواة بإجراء عمليات جراحية على جسد الأمة دون تخدير، أو خبرة أو حتى شهادة صلاحية، ولأن التفاهة كائن أناني بطبيعته فإنها لا تكتفي بالظهور بل تسعى دائمًا إلى إقصاء كل ما يفضح رداءتها، ولذلك كان طبيعيًا أن تشن الحملات على العلماء، والمشايخ وأصحاب الرأي المستقل، فالقامة الطويلة تزعج الأقزام أكثر مما يزعجهم الظلام نفسه.
إن أخطر ما أصاب السودان في هذه المرحلة ليس الانهيار الاقتصادي، فالأموال يمكن تعويضها والحجارة يمكن إعادة بنائها، وإنما ذلك التآكل البطيء الذي أصاب منظومة القيم حين أصبح بعض الناس يخجلون من الفضيلة أكثر مما يخجلون من الرذيلة، ويعتذرون عن التمسك بالأخلاق كما لو كانت جريمة تستوجب التبرير. لقد جرى الاحتفاء بالتافه لأنه تافه والتصفيق للسطحي لأنه سطحي حتى أصبح المشهد أشبه بمهرجان كبير لتوزيع الأوسمة على الفشل ومنح شهادات التميز للفراغ الفكري.
ولم يعد السؤال كيف وصلنا إلى هنا؟ بل أصبح السؤال الأكثر إيلامًا كيف استطاعت التفاهة أن تقنع هذا العدد من الناس بأنها الحكمة، وأن تقنع المهرجين بأنهم فلاسفة وأن تقنع بعض الخرائب البشرية بأنها مشاريع نهضة؟
إن الأمم لا تسقط حين يقل الذهب في خزائنها، بل حين يقل العقل في مجالسها، ولا تنهار حين تخسر حربًا، بل حين يصبح السفه عقيدة، والجهل منهجًا والتفاهة مشروع دولة، وعندها فقط لا يعود الخراب حادثًا طارئًا، بل يصبح سياسة عامة تدار بكفاءة يحسدها عليها حتى الخراب نفسه.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6089 | حلول نخبوية مطروحة لو تم قبولها لأصبح الوضع أكثر سوءًا أو أضعنا الوقت !!!

المقالة التالية

أصل القضية | السودان… انسحاب العقل قبل الأقدام .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *