صعود الخطابات الحادة وفهمها وتحليلها ضروري جداً، وربط ذلك بأن الإحباط ما عاد حالة فردية، بل تحول إلى بيئة تصنع خلالها المواقف والخيارات. فالإنسان اليوم يعيش بين ضغط اقتصادي، واسترداد سياسي وشعور متراكم أن كل ما حوله ما عاد يفتح له أفق حقيقي، وهذا ما يعود لتوظيف الإحباط وإدارة المشاعر.
الخطورة أن يفهم أن استبدال الواقع بتحويل الأخطاء التاريخية إلى أدوات تعبئية، وتختصر قرون كاملة من التجربة البشرية في شعارات جاهزة يمكن استعادتها بقرار سياسي أو اصطفاف أيدولوجي وهنا يكون من السهل توظيف الإحباط واصطياد العقول بإقناعها أن الحل يمكن أن يكون عبر مشروع عابر للحدود أو صراع مفتوح أو فكرة خلاصيه كبرى، بينما الأمر قائم على تجاهل التعقيد الحقيقي للمجتمعات، وأن ما يجري اليوم ليس صراع على النفوذ أو المصالح، بل صراع على وعي الناس أنفسهم.
فمثلا إسرائيل تعيد خطاب أمني وجودي يعيد إنتاج الخوف كقاعدة دائمة تترك فيها مجالاً مفتوحاً لخطابات جاهزة تأتي من الخارج أو الهامش، والمشكلة الحقيقة أن كل هذا يحدث في بيئة منهكة، علينا أن نعترف أن كل ما نؤمن به مبني على الأوهام المريحة أكثر من الفهم الحقيقي الذي يعمل على تثبيت الأوهام لا تفكيكها وطريقة تشكيل الإحباط.
يجب أن نفكر في طريقة إعادة تشكيل وعي الناس تحت ضغوط الإحباط، وإذا لم يتم كسر هذه الحقيقة سنظل نتقل من أزمة إلى أخرى بطريقة توالدية بنفس الأدوات ونفس الخطابات ونفس النتائج وبتكلفة أعلى من كل مرة.
هذا ما يمكن رؤيته في أن المجتمعات لا تسقط عندما تكثر أخطاؤها، بل عندما تفقد قدرتها على تصحيح أخطائها، وأن نفوق من مظاهر التآكل المجتمعي ونخرج من سردية أن كل كذب يصبح مقبولاً وأن تتحول الشائعة الي حقيقة، ونفكر فى بناء مؤسسات قوية لا أفراد أقوياء، في أن القوانين واضحة والإجراءات مستقرة والمؤسسات تستمر رغم تغير الأشخاص. كذلك دعم الاسر بتعزيز الحوار بين الآباء والأبناء، وترسيخ القدوة الحسنة وتقليل أثر المحتوى الضار.
ويجب علينا أن نصل لحقيقة بان المجتمعات الناجحة لا تعيش على الانتقام الدائم، وأن الخطأ يمكن أن يتبعه اعتراف ثم عودة كاملة للمجتمع وفتح أبواب الإصلاح وأن نغلب العدالة على التشفي حتى نخرج من هذا التعثر المجتمعي الكامل، ونصل فيها لدرجة أن يثق الناس في مؤسساتهم لتنخفض تكلفة الصراع ويزداد التعاون، ونشر المعلومات الصحية، ومكافحة الشائعات وإعادة بناء الثقة، فالعلاج الحقيقي يبدأ من داخل المجتمع والحلول ليست شعارات كبيرة، بل ممارسات يومية ومؤسسات فاعلة.
توظيف الإحباط .. زهير عبدالله مساعد
المقالة السابقة


