منذ رحيل القعقاع انهمرت الكلمات كما تنهمر الأمطار على أرضٍ عطشى فجأة اكتشف الجميع أن اليمن بل الأمة العربية كلها قد خسرت مشروع بطل عالمي كان ينتظر فقط أن يصعد إلى قمة إيفرست ليغير وجه التاريخ والحق.
إنني كلما قرأت هذه المراثي شعرت أن ثمة مبالغة تستحق التأمل أكثر مما تستحق التصفيق، فما الذي كان سيحدث لو أن القعقاع صعد إلى إيفرست؟ هل كانت موازين القوى الدولية ستختل؟ هل كانت جامعاتنا ستقفز إلى مقدمة التصنيفات العالمية؟ هل كانت مصانعنا ستبدأ بإنتاج الطائرات والقطارات.
هل كانت خرائط الفقر والجهل والاستبداد ستنكمش؟ أغلب الظن أن شيئا من ذلك ما كان ليحدث، سنحتفل لأيام وسترفع الصور على منصات التواصل وستلقى الخطب الرنانة عن الإرادة والتحدي، ثم نعود جميعًا إلى حياتنا المعتادة تاركين الجبل في مكانه والتخلف في مكانه أيضًا.
المشكلة ليست في القعقاع رحمه الله، بل في الطريقة التي نفكر بها، فنحن أمة تعشق الرموز لأنها أقل كلفة من الحقائق نهوى الحكايات البطولية لأنها تعفينا من مواجهة الأسئلة الصعبة.
نحب أن نرى شابًا يعتلي قمة جبل، لكننا لا نسأل لماذا لا نملك مؤسسة علمية واحدة تنافس المؤسسات الكبرى في العالم، ننبهر بمن يرفع علمًا فوق الثلوج بينما نعجز عن رفع مستوى مدرسة في قرية نائية.
لقد تحول إيفرست عندنا إلى استعارة كبرى للوهم الحضاري، نبحث عن صورة على القمة فيما نحن عاجزون عن بناء السلم المؤدي إليها، والأكثر طرافة أن العالم الذي نتغنى بقممه لم يبلغ مكانته لأن رجاله تسلقوا الجبال، بل لأنه تسلق المعرفة لم تصنع الولايات المتحدة مجدها فوق إيفرست، ولم تبن الصين نهضتها على سفوح الهيمالايا، ولم تتحول اليابان إلى قوة اقتصادية لأنها أرسلت مغامرين إلى القمم الثلجية صعدوا جميعًا جبالًا أخرى لا تظهر في الصور جبال العلم والتقنية والانضباط والعمل الشاق، أما نحن فما زلنا نختلف حول لون العلم الذي يجب أن يرفع فوق القمة قبل أن نفكر في صناعة الحبل الذي يساعدنا على الصعود.
إن مأساة القعقاع الحقيقية ليست أنه مات قبل أن يبلغ إيفرست بل أن كثيرين أرادوا اختزال أزمة أمة كاملة في قصة متسلق جبال وكأن مشكلتنا التاريخية أن رجلًا لم يصل إلى قمة جبل، لا أن ملايين البشر يعيشون في قاع التخلف منذ عقود وهنا تكمن السخرية المرة، فثقافة الاستهلاك لا تكتفي بأن تجعلنا نستهلك البضائع، بل تجعلنا نستهلك الأحلام أيضا نستورد الأبطال كما نستورد السيارات والهواتف نطارد الرموز التي ينتجها الآخرون وننسى أن الأمم العظيمة لا تصنعها القمم التي تتسلقها بل الأفكار التي تنتجها.
رحم الله القعقاع
لكن رحم الله أيضا أمة ما زالت تظن أن خلاصها قد يكون على قمة جبل بينما المشكلة كلها كامنة في الوادي الذي تعيش فيه.
القعقاع وإيفرست أو كيف نحول الجبال إلى أوهام .. مستشار: هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


