Popular Now

من طهران إلى تل أبيب .. التقرير الاستراتيجي رقم (29) .. هرمز والحدود المشتعلة: هل دخلت واشنطن وطهران مرحلة إدارة الصراع بدلاً من إنهائه؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب ..أستاذ مساعد – الباحث المختص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

الحب بين القلب والعقل والدين… كيف نحمي الأسرة من الانهيار؟ .. د. أحمد الطيب السماني دكتوراه في تنمية الاسرة والمجتمع

وجه الحقيقة | الذاكرة الوطنية والأمن القومي .. إبراهيم شقلاوي

الحب بين القلب والعقل والدين… كيف نحمي الأسرة من الانهيار؟ .. د. أحمد الطيب السماني دكتوراه في تنمية الاسرة والمجتمع

في أحد المنتديات التدريبية طُرح سؤال بسيط في ألفاظه، عميق في معانيه: أيهما أفضل في الحب: العقل أم العاطفة؟

وللوهلة الأولى يبدو السؤال وكأنه يدعو إلى المفاضلة بين اثنين، بينما الحقيقة أن الحياة الزوجية لا تستقيم بأحدهما دون الآخر، وإنما تقوم على منظومة متكاملة أودعها الله في الإنسان.

فالعاطفة محلها القلب، فهي مصدر المودة والحنان والرحمة والاحتواء. والعقل محلُّه الدماغ، فهو مركز التفكير والحكمة والتقدير وحسن اتخاذ القرار. أما الدين، فمحلُّه الضمير الحي والإيمان الراسخ، فهو الذي يهذب العاطفة إذا اندفعت، ويقوّم العقل إذا انحرف، ويجعل الإنسان يراقب ربه قبل أن يطالب بحقه.

إن الحب الذي يبدأ بالعاطفة وحدها قد يكون سريع الاشتعال، لكنه قد يكون سريع الانطفاء أيضاً إذا اصطدم بضغوط الحياة. أما الحب الذي يقوده العقل وحده فقد يتحول إلى علاقة جافة تحكمها الحسابات والمصالح. لذلك فإن الحب الحقيقي هو الذي يشعر بالقلب، ويُدار بالعقل، ويُضبط بالدين.

وقد لخص القرآن الكريم هذه الحقيقة في أبلغ بيان حين قال تعالى: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾، فلم يجعل أساس العلاقة مجرد الحب؛ لأن الحب شعور متقلب، بينما المودة سلوك عملي، والرحمة خلق ثابت يظهر عند المرض، والضعف، والاختلاف، وتقدم العمر.

ومن هنا يبدأ السؤال الأهم: لماذا تتفكك كثير من الأسر اليوم؟

ليس لأن الناس لم يعودوا يحبون، بل لأن كثيراً منهم لم يتعلموا كيف يحافظون على الحب بعد الزواج. فالعاطفة وحدها لا تحل الخلافات، والعقل وحده لا يصنع الدفء، وإذا غاب الوازع الديني تحولت العلاقة إلى معركة ينتصر فيها الأقوى ويخسر الجميع.

ولذلك فإن ارتفاع معدلات الطلاق، وما يترتب عليه من آثار اجتماعية ونفسية واقتصادية، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مشكلة أسرية فحسب، بل بوصفه تحدياً مجتمعياً يؤثر في استقرار الأسرة وثقة الشباب في الزواج، وقد يسهم، مع عوامل أخرى، في تعقيد قضايا مثل تأخر الزواج وضعف التماسك الاجتماعي وانتشار بعض الانحرافات السلوكية.

إن الأسرة ليست عقداً قانونياً فحسب، بل هي مشروع حضاري لصناعة الإنسان. فإذا انهارت الأسرة، تراجعت المدرسة الأولى للتربية، وبدأ المجتمع يدفع الثمن جيلاً بعد جيل.

ومن هنا فإن نجاح الزواج لا يقوم على جمال المشاعر وحده، وإنما على إدارة المشاعر. فالحب يحتاج إلى الحوار، والاحترام، والتغافل، والصبر، والتسامح، والعدل، كما يحتاج إلى وعي بأن الاختلاف سنة من سنن الحياة، وليس دليلاً على نهاية العلاقة.

إننا بحاجة إلى إعادة بناء ثقافة الزواج، بحيث ننتقل من البحث عن الشريك الكامل إلى بناء العلاقة المتكاملة. كما أننا بحاجة إلى برامج جادة للتأهيل قبل الزواج، وتعزيز الثقافة الأسرية، وترسيخ القيم الدينية التي تجعل الحقوق والواجبات عبادة قبل أن تكون التزاماً اجتماعياً.

وخلاصة القول:

العاطفة تُولد الحب، لأنها تنبع من القلب. والعقل يحفظ الحب، لأنه يقود القرار. والدين يبارك الحب ويضمن استمراره، لأنه يوقظ الضمير ويقيم العدل. فإذا اجتمع القلب والعقل والإيمان، قامت أسرة مستقرة، وإذا افترقوا، تزعزعت العلاقة مهما بلغت قوة المشاعر في بدايتها.

فليس السؤال: هل نحب بعاطفة أم بعقل؟ وإنما السؤال الصحيح: كيف نجعل القلب يحب، والعقل يقود، والدين يحكم؛ حتى تبقى الأسرة حصن المجتمع، ويظل الزواج ميثاقاً غليظاً لا علاقةً عابرة.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | الذاكرة الوطنية والأمن القومي .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

من طهران إلى تل أبيب .. التقرير الاستراتيجي رقم (29) .. هرمز والحدود المشتعلة: هل دخلت واشنطن وطهران مرحلة إدارة الصراع بدلاً من إنهائه؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب ..أستاذ مساعد – الباحث المختص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *