مقدمة
لم تعد الحملة الإعلامية المثارة حول مدينة الأبيض مجرد تغطية لوقائع ميدانية أو تحذيرات إنسانية عابرة، بل أصبحت جزءًا من مسار سياسي وإعلامي متكامل، يهدف إلى صناعة رواية دولية مسبقة عن المدينة تمهيدًا للضغط على الدولة السودانية ودفعها نحو تسوية تشرعن وجود الدعم السريع داخل المشهد السياسي. وقد ظهر ذلك بوضوح في جلسة مجلس الأمن رقم 10184، التي انعقدت يوم الجمعة 26 يونيو/حزيران 2026، حيث انصب حديث ممثلي الدول، رغم اختلاف مواقعهم السياسية، على مدينة الأبيض وعلى الخطر الذي قيل إنها تواجهه.
المفارقة أن هذا الإجماع لم يكن حول كيفية حماية السودان من مخاطر الحرب بقدر ما كان حول كيفية إدارة الأزمة سياسيًا وإنسانيًا، وباللغة نفسها التي استُخدمت من قبل في ملف الفاشر. ولهذا فإن ما جرى في الجلسة لا يمكن فصله عن الحملة الإعلامية المصنوعة، ولا عن الضغوط الدولية والإقليمية المتزايدة، ولا عن العقوبات الأمريكية التي تتحرك في الاتجاه ذاته.
إجماع داخل مجلس الأمن على خطورة الوضع في الأبيض
أجمعت كل الدول، من دون استثناء، على خطورة الوضع الإنساني في الأبيض، وعلى ما قيل إنه تهديد وشيك تتعرض له المدينة من جانب قوات الدعم السريع. وكان واضحًا أن نقطة الانطلاق في كلمات ممثلي الدول جميعًا هي افتراض وجود هجوم محتمل على الأبيض، مع اختلاف لاحق في طريقة التعامل مع هذا التصور، وفي الجهة التي ينبغي ممارسة الضغط عليها، وفي شكل المخرج السياسي المطلوب.
وللأسف، انساقت حتى بعض الدول التي تُعد أقرب إلى دعم الدولة السودانية داخل هذا الإطار العام، وإن بدرجات متفاوتة. فبعضها حاول الاعتراض على بعض المخططات أو الحد من آثارها، مثل روسيا والصين، وبعضها قدم مواقف داعمة للحكومة، مثل السعودية، ومصر، وتركيا وباكستان، في مقابل دول دفعت بصورة أوضح نحو خطاب سياسي يضغط في الاتجاه الذي يخدم الدعم السريع عمليًا.
ثلاثة اتجاهات برزت في مواقف الدول
كشفت الجلسة عن ثلاثة اتجاهات رئيسية داخل مجلس الأمن. الاتجاه الأول تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا والدنمارك، وقد ركز على لغة أشد صرامة في المحاسبة والعقوبات، مع الدعوة إلى توسيع الضغوط السياسية والدبلوماسية. أما الاتجاه الثاني، الذي يضم روسيا والصين وباكستان، فقد تمسك بإدارة الأزمة عبر السيادة الوطنية والحوار السوداني-السوداني، ورفض أي وصفات خارجية تؤدي إلى إضعاف الدولة. في حين برز اتجاه ثالث يضم اليونان والصومال، بصفتها ممثلة للمجموعة الإفريقية A3، إلى جانب السعودية والبحرين، وقد سعى إلى خفض التصعيد، والحفاظ على وحدة السودان، والدفع نحو تهدئة إنسانية وسياسية.
وفي هذا السياق، طالبت بريطانيا بوقف الهجوم على الأبيض، وتمكين المدنيين من المغادرة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، إلى جانب الدعوة إلى هدنة إنسانية وفتح مسار سياسي. ودعت الولايات المتحدة إلى هدنة إنسانية، ومسار سياسي مدني، وتشديد المحاسبة وتوسيع حظر السلاح. وشددت الصين على وقف مبكر لإطلاق النار، والتفاوض السياسي ورفض الهياكل الموازية. ودعت روسيا إلى حوار سوداني-سوداني بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. أما الصومال فطالبت برفع الحصار، ووقف التقدم العسكري، وحماية المدنيين، ومساءلة الجناة. كما دعت اليونان إلى خفض التصعيد، وضمان الوصول الإنساني، والمحاسبة، ومسار تفاوضي. وطالبت الدنمارك بوقف الهجوم، وفتح ممرات الإغاثة، واستخدام كل أدوات المجلس. وتمسكت باكستان بوقف التصعيد، وحماية المدنيين، ومسار سوداني مملوك وطنيًا. ودعت السعودية إلى وقف إطلاق النار، والحوار السياسي وإيصال المساعدات. وطالبت البحرين بهدنة إنسانية، و وقف دائم للنار و وقف تدفقات السلاح. بينما شددت كولومبيا على وقف الهجمات فورًا، وحماية المدنيين، وفتح مسار سياسي شامل.
الحملة الإعلامية حول الأبيض ليست منفصلة عن التحرك الدولي
إن هذا التوافق الواسع في اللغة والمطالب لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد صدفة دبلوماسية، لأن التركيز المكثف على الأبيض، وعلى وقف إطلاق النار، والهدنة الإنسانية، ووصول المساعدات والسماح للمدنيين بالمغادرة، يكشف عن ضغط سياسي منظم على الحكومة السودانية من أجل القبول بتسوية تنتهي إلى شرعنة وجود الدعم السريع في معادلة سياسية جديدة.
كما أن الحملة الإعلامية حول الأبيض لا تبدو منفصلة عن هذا المسار، بل تأتي ضمن تنسيق أوسع تديره غرف مرتبطة بالمليشيا في أبوظبي، بالتوازي مع تحركات قوى دولية وإقليمية داعمة للدعم السريع. وما يعزز هذا الاستنتاج أن المشهد نفسه تكرر من قبل في الفاشر، باللغة ذاتها تقريبًا، وبالأدوات نفسها وبالنتائج ذاتها.
الفاشر والأبيض.. تكرار في اللغة وتطابق في المطالب
في 12 يونيو/حزيران 2024، اعتمد مجلس الأمن قرارًا قدمته بريطانيا، طالب قوات الدعم السريع بإنهاء حصار الفاشر، ووقف القتال فورًا في المدينة ومحيطها، وسحب جميع المقاتلين الذين يهددون سلامة المدنيين، والسماح لمن يريدون المغادرة، وتيسير مرور الإغاثة. وبين عامي 2024 و2025، عقد مجلس الأمن عدة جلسات حول السودان، كانت الفاشر مركز الثقل فيها، كما اعتمد أربعة قرارات شملت الدعوة إلى وقف إطلاق النار، وإنهاء الحصار وإدخال المساعدات، لكن أيًا من هذه القرارات لم يُنفذ على الأرض.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أدان المجلس بشدة الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على الفاشر، وتحدث عن فظائع بحق المدنيين، ودعا إلى حمايتهم ومحاسبة المسؤولين. غير أن المطالب التي وُجهت إلى الدعم السريع حينها بقيت بلا تنفيذ فعلي، رغم أنها شملت وقف الحصار، وإنهاء الهجوم المسلح، وسحب المقاتلين من محيط المدينة، والالتزام بإعلان جدة، وتمكين المدنيين من النزوح الآمن، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، والتعاون مع الأمم المتحدة، والخضوع للتحقيق، واحترام مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
جلسة 26 يونيو 2026 كررت مشهد الفاشر بحذافيره
عند النظر إلى جلسة مجلس الأمن المنعقدة يوم 26 يونيو/حزيران 2026 بشأن الأبيض، يتضح أن المخاوف من تحول المدينة إلى بؤرة جديدة للحرب هيمنت على كلمات المندوبين، لكن الأوضح من ذلك أن المطالب الموجهة إلى الدعم السريع تكاد تكون مطابقة لما سبق طرحه في ملف الفاشر.
فقد جرى الحديث عن ضرورة وقف الهجوم فورًا على الأبيض، ووقف القصف بالطائرات المسيّرة والحصار العسكري، ووقف الحشد العسكري حول المدينة منعًا لاجتياح بري محتمل، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، والامتناع عن الانتهاكات الجسيمة، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بأمان ومن دون عوائق، وفتح تحقيقات في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين، إلى جانب مطالبة جميع الدول بالامتناع عن أي تدخل خارجي يفاقم الصراع ودعم جهود السلام بدلًا من التسليح.
وهنا تفرض المقارنة نفسها. ففي الحالتين استخدم مجلس الأمن العبارات نفسها تقريبًا: الخطر الوشيك لارتكاب فظائع جماعية، والهجمات الجسيمة على المدنيين، والسماح بالنزوح الآمن وإيصال المساعدات الإنسانية. وفي الحالتين أيضًا طالب المجلس قوات الدعم السريع بوقف الهجوم، وحماية المدنيين، وتيسير الإغاثة، وقبول التحقيق والمساءلة، مع الإحالة إلى القانون الدولي الإنساني وإعلان جدة.
مجلس الأمن يكرر اللغة نفسها من دون أدوات ردع
الخلل الجوهري في الحالتين أن مجلس الأمن لم ينتقل من لغة التحذير إلى أدوات الردع. فلم يصدر قرار تحت الفصل السابع يجيز استخدام القوة أو ينشئ حماية أممية مباشرة للمدنيين، بل ظلت المسألة محصورة في قرارات وبيانات وتحذيرات وعقوبات فردية، من دون أدوات تنفيذ ملموسة في مواجهة فاعل مسلح متمرد.
وقد أدى هذا العجز إلى نتيجة عملية خطيرة، إذ فتح عدم تنفيذ قرارات ومطالب المجلس في الفاشر الباب أمام الدعم السريع لفهم الرسائل الدولية باعتبارها ضوءًا أخضر لتكرار التكتيكات نفسها في حصار المدن الرئيسية، وحشد القوات حولها، وشن الهجمات عليها، ومنها الأبيض، مع الاطمئنان إلى أن أقصى ما يمكن أن يواجهه هو بيانات إدانة وتحذيرات وعقوبات انتقائية على بعض القادة.
العقوبات والضغوط السياسية تصب في اتجاه واحد
إن التكرار في لغة البيانات بين الفاشر والأبيض لا يعكس فقط عجز مجلس الأمن عن تحويل التحذيرات السياسية إلى ردع فعلي، بل يكشف أيضًا عن مسار دولي يدير الأزمة من دون رغبة حقيقية في حسمها. وضمن هذا المسار، تتحرك العقوبات الأمريكية بوصفها جزءًا من منظومة ضغط أوسع، لا تنفصل عن الحملة الإعلامية ولا عن الخطاب السياسي السائد داخل المجلس.
وفي المقابل، يحاول السودان الدفع تجاه تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية بواسطة الأمم المتحدة، لكن هذا المسار يواجه عقبات قانونية وسياسية معقدة، في مقدمتها تأثير المال الإماراتي على القرار الأمريكي. وعمليًا، يكتفي مجلس الأمن بمزيج من قرارات سابقة بشأن دارفور، وبيانات رئاسية تحذيرية، وعقوبات فردية، مع غياب الآلية التنفيذية التي يملكها ولا يريد استخدامها.
لماذا لا تتكرر الفاشر في الأبيض؟
ورغم هذا التآمر، ورغم محاولات إعادة إنتاج مسرحية الفاشر في الأبيض، . فلن تسقط الأبيض لأنها تختلف عن الفاشر في البيئة العملياتية، وفي موقعها داخل العمق الحكومي، وفي كثافة القوات المنتشرة حولها، كما أن الحسم الجوي يمثل عاملًا فارقًا يمكن أن يمنع تكرار السيناريو السابق.
ولهذا فإن الحملة الإعلامية والسياسية، مهما تصاعدت، لا تعني بالضرورة أن الأبيض ستلقى المصير نفسه، لأن معطيات الميدان مختلفة، ولأن قدرة الدولة على الدفاع عن المدينة تختلف عن الظروف التي أحاطت بالفاشر.
خاتمة
لم تكن جلسة مجلس الأمن رقم 10184 مجرد جلسة اعتيادية لمناقشة تطورات السودان، بل جاءت ضمن مسار سياسي وإعلامي متكامل يهدف إلى تكريس سردية محددة حول الأبيض، والضغط باتجاه تسوية تفرض وقائع جديدة على الدولة السودانية. وما حدث في الفاشر يتكرر اليوم، بالعبارات نفسها، والمطالب نفسها والأسلوب نفسه، مع غياب الردع الحقيقي، وحضور الضغوط السياسية والإعلامية في أقصى صورها.
لكن الأبيض ليست الفاشر، وحسابات الميدان ليست حسابات الغرف السياسية، وما يُراد فرضه عبر الإعلام والضغوط الدولية قد يتكسر أمام واقع مختلف على الأرض.ولن تسقط الأبيض.


