Popular Now

سلسلة: السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة (الحلقة السادسة) من جنيف إلى الكرمك ودارفور… هل تدخل الحرب السودانية مرحلة إعادة تشكيل ميزان القوى؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

وجه الحقيقة | الصحافة والحكومة… شراكة المساءلة .. إبراهيم شقلاوي

عندما تصبح البيانات سيادة … الدرس الذي يجب ألا نضيعه .. د. محمد الخاتم تميم

عندما تصبح البيانات سيادة … الدرس الذي يجب ألا نضيعه .. د. محمد الخاتم تميم

بدا الأمر في بدايته وكأنه خبر مصرفي عابر: شركة خاصة حصلت على تصديق للعمل في مجال نظم الدفع الإلكتروني، ثم لم تمض سوى ساعات حتى تحول الخبر إلى قضية رأي عام، قبل أن يعلن بنك السودان المركزي إلغاء ذلك التصديق بعد توصية لجنة فنية وقانونية مختصة.

قد يظن البعض أن القصة انتهت عند هذا الحد. أما في تقديري، فإنها بدأت من هنا.

فالقضايا الوطنية لا تقاس بما تنتهي إليه من قرارات، وإنما بما تكشفه من مواطن قوة وضعف في مؤسسات الدولة وبما تفتحه من أسئلة ينبغي ألا تُطوى بانتهاء الضجيج الإعلامي.

لقد دار جانب كبير من النقاش حول الشركة، وأصحابها، وخلفياتها وحول القرار نفسه. لكنني أرى أن القضية أعمق من ذلك كله، فالأشخاص يتغيرون والشركات تأتي وتذهب، أما المؤسسات فهي التي تبقى، وهي التي ينبغي أن تكون محل اهتمامنا الأول.

وأحسب أن السؤال الذي سيبقى بعد انقضاء هذه القضية هو: كيف تُصنع القرارات التي تمس البنية الرقمية والسيادة المالية للدولة؟

هذا هو السؤال الذي يستحق أن يشغل الرأي العام.

يحسب لبنك السودان المركزي أنه لم يغلق الباب أمام النقاش، بل أصدر أكثر من بيان توضيحي، ثم أعلن لاحقاً إلغاء التصديق بعد مراجعة أوضاع الشركة بواسطة لجنة فنية وقانونية. ومراجعة القرار، متى استندت إلى معايير مهنية، تحسب للمؤسسات ولا تُحسب عليها؛ فالمؤسسات القوية ليست تلك التي لا تخطئ، وإنما التي تمتلك القدرة على مراجعة قراراتها عندما تستدعي المصلحة العامة ذلك.

غير أن ذلك لا يمنع من طرح سؤال مشروع لا يتعلق بهذه الشركة وحدها، بل بمنهج صناعة القرار نفسه: إذا كانت المعايير الفنية والمالية والرقابية هي أساس منح التصديق، فما الذي استجد خلال فترة وجيزة حتى انتهى الأمر إلى إلغائه؟ وهل كان الخلل في المعلومات المتاحة عند اتخاذ القرار الأول، أم في إجراءات التقييم أم في آليات المراجعة؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفاً سياسياً، ولا سعياً إلى محاسبة أحد أمام الرأي العام، وإنما ضرورة لتطوير المؤسسات نفسها، حتى تصبح إجراءاتها أكثر رسوخاً وشفافية في المستقبل.

لقد كشف هذا الجدل أيضاً عن تحول مهم في وعي المجتمع السوداني. فقبل سنوات قليلة، ربما لم يكن كثيرون يهتمون بمصطلحات مثل: مراكز البيانات، أو مفاتيح التشفير، أو توطين البيانات أو الأمن السيبراني. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المفاهيم جزءاً من النقاش العام، لأنها ترتبط مباشرة بأموال المواطنين، وخصوصية بياناتهم وأمن الدولة الاقتصادي.

وهذه في تقديري إحدى النتائج الإيجابية لهذه التجربة.

فالسيادة الوطنية لم تعد تقتصر على حماية الحدود، أو الدفاع عن المجال الجوي أو إدارة الموارد الطبيعية، لقد أضاف العصر الرقمي بعداً جديداً لا يقل أهمية، وهو القدرة على حماية البيانات الوطنية والتحكم في البنية الرقمية التي تتحرك عبرها الأموال والمعلومات.

فالبيانات المالية ليست مجرد أرقام تنتقل بين الخوادم، وإنما سجل حي لحركة الاقتصاد، وأنماط الاستهلاك، والاستثمار، والإنتاج والعلاقات التجارية. ومن يمتلك القدرة على إدارة هذه البيانات أو الوصول إليها يمتلك ،بدرجة أو بأخرى، نافذة واسعة لفهم الدولة واقتصادها.

ولهذا، فإن الأسئلة التي أثيرت حول مكان استضافة البيانات، وآليات التشفير، وطبيعة الشراكات التقنية، ليست تعبيراً عن رفض للتكنولوجيا ولا عن خوف من القطاع الخاص، وإنما هي أسئلة يفرضها مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين.

وفي المقابل، سيكون من الخطأ أن يدفعنا هذا الجدل إلى معاداة الابتكار أو التشكيك في كل مبادرة جديدة. فالتحول الرقمي لم يعد خياراً، والقطاع الخاص أصبح شريكاً رئيسياً في تطوير الخدمات المالية في معظم دول العالم. غير أن نجاح هذه الشراكات لا يقوم على حسن النوايا، وإنما على قواعد مؤسسية واضحة، ومعايير معلنة، ورقابة مستقلة وتشريعات حديثة تحمي البيانات وتحدد المسؤوليات بدقة.

وربما كان الدرس الأهم الذي ينبغي ألا يغيب عنا هو أن الثقة لا تُبنى بعد صدور القرارات، بل تُبنى أثناء صناعتها. فكلما كانت معايير الاختيار واضحة، وإجراءات التقييم معلنة، وحدود المسؤولية معروفة، تقلصت مساحة الشائعات واتسعت مساحة الثقة.

ولذلك، فإن السودان لا يحتاج اليوم إلى معالجة هذه القضية بوصفها حادثة منفصلة، بل إلى مشروع وطني أشمل، يضع إطاراً متكاملاً للسيادة الرقمية، يبدأ بإصدار قانون حديث لحماية البيانات، ويشمل سياسات واضحة لتوطين البيانات الحساسة، ومعايير معلنة لاختيار الشركاء التقنيين، وآليات مستقلة للتدقيق السيبراني ونظاماً مؤسسياً يضمن المراجعة الدورية والشفافية في كل ما يتعلق بالبنية الرقمية للدولة.

لقد انتهت قضية التصديق بالإلغاء، لكن الأسئلة التي أثارتها يجب ألا تنتهي معه. فالأمم تتقدم عندما تحول أخطاءها إلى دروس، وتجاربها إلى سياسات، ونقاشاتها العامة إلى إصلاحات مؤسسية.

إن قوة الدولة لا تقاس بأنها لا تخطئ، فهذا أمر لا تدعيه حتى أكثر الدول تقدماً، وإنما تقاس بقدرتها على التعلم من أخطائها، وتطوير إجراءاتها وترسيخ ثقافة المراجعة والمساءلة والشفافية.

فالسيادة في عصرنا لم تعد تُقاس بما نملكه من أرض وحدود فحسب، بل أيضاً بما نملكه من قدرة على حماية بياناتنا، وإدارة قراراتنا، وصون ثقة مواطنينا.

ذلك هو الدرس الحقيقي الذي ينبغي ألا نضيعه.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6125 | ما المطلوب من الحكومة فعله إذا كانت المطالب مشروعة لكنها مستحيلة التنفيذ حالياً؟

المقالة التالية

وجه الحقيقة | الصحافة والحكومة… شراكة المساءلة .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *