تشهد الأزمة السودانية مرحلة تتقاطع فيها التحركات العسكرية مع حراك دبلوماسي إقليمي ودولي غير مسبوق، في وقت تستمر فيه العمليات القتالية على امتداد إقليم دارفور وكردفان، بينما تتكثف المساعي السياسية لإطلاق عملية تفاوض جديدة. ويعكس هذا التزامن إدراك الأطراف الإقليمية والدولية أن الحسم العسكري الكامل لا يزال بعيد المنال، وأن أي تسوية مستقبلية ستتطلب معالجة الملفات الأمنية والسياسية والإنسانية بصورة متوازنة.
وفي هذا السياق، عقد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء لقاءات مع وفد من الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، في إطار التنسيق مع الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والإيغاد، وجامعة الدول العربية، إلى جانب شركاء دوليين، لبحث سبل دفع العملية السياسية. وفي الوقت نفسه، دعا الاتحاد الأفريقي نحو ثلاثين شخصية سودانية للمشاركة في اجتماعات تشاورية بأديس أبابا، غير أن عدداً من القوى السياسية أعلن تحفظه أو رفضه للمشاركة، مما يعكس استمرار الانقسام حول آليات إدارة الحوار الوطني.
كما أكدت الإيغاد، وفق تصريحاتها، أنها لا تسعى إلى فرض حلول على السودانيين، وإنما إلى تهيئة بيئة تساعد الأطراف السودانية على الوصول إلى توافق وطني، وهو موقف يتسق مع الدعوات المتكررة لاحترام السيادة الوطنية مع استمرار الجهود الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب.
وفي الجانب العسكري، لا تزال دارفور وغرب كردفان تمثلان مركز الثقل في العمليات القتالية، مع استمرار التعزيزات العسكرية للطرفين استعداداً لجولات جديدة من المواجهة. كما تناولت تقارير إعلامية، من بينها تقرير لوكالة رويترز، مزاعم بشأن وجود شبكات نقل جوي استخدمت لإمداد قوات الدعم السريع عبر مسارات إقليمية، وهي تقارير تأتي ضمن سياق الاتهامات المتبادلة حول الدعم الخارجي للحرب، في حين تواصل الجهات التي وُجهت إليها تلك الاتهامات نفيها لأي دعم عسكري.
وفي واشنطن، عقد مجلس الشيوخ الأمريكي جلسة مغلقة خصص جانب منها لمناقشة تطورات الأزمة السودانية، في ظل استمرار الجدل حول تدفقات السلاح إلى أطراف النزاع، وبعد تقارير تحدثت عن العثور على معدات وأسلحة ذات منشأ أجنبي في مسارح العمليات. ويشير ذلك إلى أن الملف السوداني عاد ليحتل موقعاً متقدماً في أجندة المؤسسات الأمريكية، ليس فقط من منظور إنساني، وإنما أيضاً من زاوية الأمن الإقليمي والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
ومن ناحية أخرى، أثار الخطاب الأخير لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وما تضمنه من حديث عن “فك الرسن” ومواصلة القتال، تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي أراد إيصالها إلى قواته وحلفائه، وما إذا كان الخطاب يعكس محاولة لإعادة رفع الروح المعنوية بعد سلسلة من الضغوط العسكرية، أم أنه يمثل إعلاناً عن تغيير في أسلوب إدارة العمليات خلال المرحلة المقبلة.
وفي ملف آخر يرتبط بالأمن المائي، أعلنت السلطات الإثيوبية أن انخفاض مناسيب النيل الأزرق يعود إلى عوامل طبيعية مرتبطة بالأمطار وإدارة المياه، في وقت سجلت فيه معدلات العكارة والطمي مستويات مرتفعة مع موسم الخريف، الأمر الذي يعكس استمرار الترابط بين التطورات البيئية والسياسية في حوض النيل.
دلالات استراتيجية
أولاً، تؤكد كثافة التحركات الإقليمية والدولية أن المجتمع الدولي بات أكثر اهتماماً بمنع اتساع دائرة الحرب، خاصة مع تأثيراتها على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ثانياً، يشير استمرار العمليات العسكرية في دارفور وكردفان إلى أن الميدان لا يزال عاملاً حاسماً في تحديد مواقف التفاوض، وأن أياً من الأطراف لم يحقق حتى الآن تفوقاً يسمح بفرض تسوية منفردة.
ثالثاً، يعكس تباين مواقف القوى السياسية السودانية تجاه اجتماعات أديس أبابا استمرار أزمة الثقة بين المكونات المدنية، وهو ما قد يحد من فرص التوصل إلى رؤية سياسية موحدة.
رابعاً، يظل الجدل بشأن الدعم الخارجي أحد أكثر ملفات الحرب تعقيداً، إذ تتواصل الاتهامات من جانب الحكومة السودانية وتقارير إعلامية ومنظمات مختلفة، بينما تنفي الدول المعنية تلك الاتهامات، الأمر الذي يجعل الحاجة قائمة إلى تحقيقات دولية مستقلة وشفافة.
خاتمة
تدخل الحرب السودانية مرحلة تتشابك فيها الجهود الدبلوماسية مع استمرار المواجهات العسكرية، بينما تتزايد الضغوط الدولية لإيجاد مخرج سياسي يوقف النزاع. غير أن نجاح أي مبادرة سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف السودانية على بناء حد أدنى من التوافق الوطني، وبمدى استعداد القوى الإقليمية والدولية لدعم عملية سلام تحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه، بعيداً عن الاستقطابات والمصالح المتعارضة التي أسهمت في تعقيد الأزمة طوال الفترة الماضية.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


