Popular Now

وجه الحقيقة |السودان… والتحالف البحري الدفاعي .. إبراهيم شقلاوي

جذور و أوراق .. الثقافة والسلوك المجتمعي (1) .. موفق عبدالرحمن

اسامة داوؤد بين مؤامرة الخلاص وكرامة البقاء .. د.بابكر عبدالله محمد علي

سلسلة مقالات فى المعني والمبنى (2) الثورة الرقمية وصعود الانسان الوظيفي .. د. سماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

الثورة الصناعية لم تكن مجرد تحول في وسائل الإنتاج، وانما كانت نقطة انعطاف غيرت علاقة الإنسان بالعالم وبذاته فى تقديري. فقبل قيام المصنع الحديث، كان العامل الحرفي يعيش مع عمله من بدايته إلى نهايته، يرى فيه امتداداً لشخصيته، ويجد في إنجازه معنىً أخلاقياً وجمالياً، لأن العلاقة بين الإنسان ومنتجه لم تكن علاقة منفعة مجردة، وإنما علاقة معرفة وألفة وانتماء. غير أن المصنع الكبير أعاد تعريف الإنسان بوصفه عاملاً يؤدي وظيفة محددة داخل منظومة إنتاج ضخمة، لا يرى منها إلا جزءاً محدوداً، ولا يدرك في الغالب الغاية النهائية لما ينتجه.
ومع الثورة الرقمية، ثم الثورة المعرفية، انتقلت الإنسانية إلى مرحلة أكثر تعقيداً. فلم يعد العامل مجرد جزء من آلة ميكانيكية، بل أصبح جزءاً من شبكة عالمية هائلة تتحكم فيها البيانات والخوارزميات والأنظمة الذكية. وتحول الإنسان، شيئاً فشيئاً، إلى عنصر وظيفي داخل منظومة تتجاوز قدرته على الإحاطة بها، حتى أصبح النجاح يقاس بسرعة الأداء وكفاءة التنفيذ، أكثر مما يقاس بعمق الفهم أو قيمة الغاية.
ومن هنا بدأ المعنى يتراجع أمام الوظيفة. فالإنسان الذي كان يتأمل الأشياء ويتفاعل معها بوصفها امتداداً لإنسانيته، أصبح يتعامل معها باعتبارها أدوات للاستهلاك أو وسائل لتحقيق منفعة آنية. وعندما يضمحل المعنى، يضمر معه الحس الأخلاقي، لأن الأخلاق لا تنمو في فراغ، وإنما تتغذى على إدراك الغايات الكبرى التي تمنح الأفعال قيمتها. أما حين يسيطر المنطق النفعي، فإن الغايات العليا تتوارى خلف أهداف صغيرة مرتبطة بالإنتاج والاستهلاك والربح والنجاح الفردي.
وقد التقط الفيلسوف الألماني هربرت ماركوزا هذه الحقيقة مبكراً عندما وصف إنسان الحضارة الصناعية بأنه “الإنسان ذو البعد الواحد”. فهو إنسان تحرر، في الظاهر، من كثير من القيود التقليدية، لكنه وقع، في العمق، تحت هيمنة منظومة اقتصادية وثقافية جعلت اهتمامه ينحصر في البقاء والرفاه واللذة المباشرة، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحق والخير والعدالة والمعنى. ولم يعد الإنسان يسأل: لماذا أعيش؟ بل أصبح يسأل: كيف أعيش بصورة أكثر راحة واستهلاكاً؟
وفي الاتجاه نفسه، رأى إريك فروم أن الحضارة الحديثة استبدلت سؤال “من أكون؟” بسؤال “ماذا أملك؟”. فأصبح الإنسان يقيس قيمته بما يمتلكه من مال أو سلطة أو شهرة أو أدوات تقنية، لا بما يحمله من فضائل أو معرفة أو مسؤولية أخلاقية. وهكذا انتقل مركز الثقل من بناء الإنسان إلى امتلاك الأشياء، ومن تنمية الشخصية إلى تعظيم الاستهلاك، ومن تحقيق الذات إلى مراكمة الوسائل.
ثم جاءت العولمة لتمنح هذا التحول بعداً كوكبياً. فقد أصبح السوق واحداً، والثقافة أكثر تشابكاً، والمعلومات تتدفق بلا حدود، وانتقلت المجتمعات من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد المعرفة، ومن التنافس على الموارد الطبيعية إلى التنافس على البيانات والخوارزميات والابتكار. غير أن هذه المكاسب صاحبتها تحولات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية للفرد، إذ ازداد شعوره بالاغتراب كلما ازداد اندماجه في الاقتصاد الرقمي.
لقد بشرت العولمة بقيام “القرية العالمية”، حيث يتواصل البشر بلا حواجز، وتتقارب الثقافات، وتتسع دوائر المعرفة. غير أن الواقع كشف عن مفارقة لافتة؛ فالاتصال ازداد، لكن التواصل الإنساني تراجع. وأصبح الإنسان قادراً على إرسال آلاف الرسائل في اليوم الواحد، لكنه يجد صعوبة متزايدة في بناء علاقة إنسانية عميقة مع من يعيشون حوله.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الاتصال بوصفه عملية تقنية لنقل المعلومات، والتواصل بوصفه علاقة إنسانية قائمة على التعاطف والحضور والثقة والمشاركة الوجدانية. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، يستطيع أن يحاكي اللغة، وأن ينتج المعرفة، وأن يدير الحوار، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة الإنسانية الكاملة التي تقوم على الشعور والضمير والرحمة والمسؤولية.
ومن ثم فإن التحدي الذي يفرضه عصر الذكاء الاصطناعي لا يتمثل فقط في مستقبل الوظائف أو الاقتصاد، وإنما في مستقبل الإنسان ذاته. فإذا استمرت هيمنة المنطق التقني على حساب المنطق الإنساني، فإن الخطر لن يكون فقدان بعض المهن فحسب، بل فقدان الإنسان لقدرته على إنتاج المعنى، وعلى بناء العلاقات الأصيلة، وعلى المحافظة على التوازن بين العقل والضمير ، وبين الكفاءة والقيمة.
ولهذا لم يعد السؤال الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين متعلقاً بمدى تقدم التكنولوجيا، وإنما بقدرة المجتمعات على توظيف هذا التقدم في خدمة الإنسان، لا في إعادة تشكيله وفق منطق الآلة. فالحضارة التي تنجح في تطوير الخوارزميات، لكنها تفشل في حماية الإنسان من الاغتراب، قد تحقق انتصاراً علمياً، لكنها تخسر معركتها الأخلاقية والحضارية، وهي الخسارة التي لا تقاس بالأرقام، وإنما بمدى احتفاظ الإنسان بإنسانيته.
السبت الموافق 1/8/2026

المقالة السابقة

مستقبل مجلس السيادة السوداني في المرحلة القادمة .. قراءة استراتيجية في ضوء اتجاهات الرأي العام والتحول الدستوري .. د. أبو الطيب آدم حسن سليمان .. مؤسس مبادرة سوا – السودان أولاً

المقالة التالية

منشورات د. احمد المفتي رقم 6161 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) تابع سد النهضة (1151) : سد النهضة يفاقم انحسار المياه ، واذا زادت عن سعته يطلقها فيضانات مدمرة في السودان !!!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *