هناك أممٌ تصنع مؤسساتها…
وهناك أممٌ تصنع رموزها…
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة…أن تفقد القدرة على التمييز بين الرمز الذي صنعته القيم…
والرمز الذي صنعته اللحظة.
فليست كل شخصية مؤثرة رمزًا وليست كل شخصية مشهورة قدوة ، كما أن كثرة الأتباع ليست دليلًا على عظمة الأثر.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
في المقالات السابقة سألنا:
● من يصنع الأبطال؟
● ومن يصنع الأعداء؟
● ومن يقول الحقيقة؟
واليوم نصل إلى السؤال الذي يجمع هذه الأسئلة كلها:
> كيف تتحول الشخصيات إلى رموز؟
لأن من يفهم كيف تُصنع الرموز…
يفهم كيف تتشكل الثقة…
وكيف يُصنع التأثير…
وكيف تُدار المجتمعات.
*أولًا… من الإنسان إلى الرمز*
كل رمز بدأ إنسانًا عاديًا.
لكن ليس كل إنسان عادي يصبح رمزًا.
فالرمزية لا تولد مع الإنسان…
بل تتكون عبر رحلة طويلة من الإنجاز، والتضحية، والثقة، والتكرار.
فالناس لا يلتفون حول الاسم…
بل حول المعنى الذي أصبح الاسم يمثله.
ولهذا ، حين يذكر التاريخ بعض الشخصيات فإنه لا يستحضر أشخاصهم فقط بل يستحضر القيم التي ارتبطت بهم.
فالرمز الحقيقي…هو إنسان تجاوز حضوره الشخصي ليصبح حاملًا لمعنى أكبر من ذاته.
*ثانيًا… من يصنع الرموز؟*
يظن كثيرون أن الرموز تصنعها الشهرة.
لكن الشهرة شيء والرمزية شيء آخر.
فقد تصنع وسائل الإعلام شخصية مشهورة…
وقد تصنع المنصات مؤثرًا…
لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع رمزًا يبقى.
فالرمز الحقيقي…تصنعه التجربة وتثبته المواقف وتختبره الأيام.
أما الأزمات…فإنها تكشف الرموز كما قد تصنع رموزًا جديدة.
وفي عصر الإعلام الرقمي أصبحت صناعة الرموز أسرع من أي وقت مضى لكن سرعة الصعود لا تعني دائمًا عمق الجذور.
ولهذا…كما تُصنع بعض الرموز بسرعة قد تختفي بالسرعة نفسها.
*ثالثًا… السودان… هل نعيش أزمة رموز… أم أزمة قدوات؟*
لعل السؤال الأهم ليس:
أين الرموز؟
بل:
هل نعاني أصلًا من أزمة قدوات؟
أم أننا نعاني من طريقة تعاملنا مع القدوات؟
فالسودان لم يخلُ يومًا من أصحاب الكفاءة…
ولا من أصحاب التضحيات…
ولا من أصحاب المبادرات.
لكن المشكلة…
أننا كثيرًا ما لا نحسن إدارة رصيدنا البشري.
فنرفع الأشخاص بسرعة…
ثم نهدمهم بالسرعة نفسها.
نصفق لهم حين يوافقوننا…
ونقسو عليهم حين يختلفون معنا.
وكأن المجتمع لا يراجع المواقف…
بل يعيد كتابة التاريخ كله.
فتغيب سنوات العطاء…أمام خطأ واحد.
وتختفي الإنجازات…خلف موقف واحد.
ويتحول الإنسان…من رمز إلى خصم…
في زمن أقصر بكثير من الزمن الذي احتاجه ليصبح رمزًا وهذا يكشف أن الأزمة ليست في الأشخاص وحدهم بل في الثقافة التي تدير علاقتها بالرموز.
فالمجتمعات التي تبني مؤسساتها تحتفظ لرموزها بمكانتهم حتى وهي تختلف معهم.
أما المجتمعات التي تجعل الأشخاص بديلًا عن المؤسسات فإنها كثيرًا ما تنتقل من التمجيد المطلق إلى الإقصاء المطلق دون المرور بمحطة التقييم العادل.
ولعل الذاكرة الشعبية السودانية التقطت هذا المعنى مبكرًا حين قالت:
“جو يساعدو في قبر أبوه… دسّ المحافير.”
وليس المقصود بالمثل حادثة بعينها…
بل الإشارة إلى ثقافة اجتماعية قد تجعل التفوق سببًا للحسد…
والمكانة سببًا للمنافسة…
والنجاح سببًا للاستهداف.
وحين تنتقل هذه الثقافة إلى المجال العام تصبح صناعة الرموز سريعة لكن هدمها يصبح أسرع.
وهنا يتقاطع هذا المشهد مع ما كتبناه سابقًا في #أصل_القضية تحت عنوان:
> الإنسان السوداني… العائق الأعظم والأمل الأكبر.
فالإنسان نفسه…
هو أعظم مورد تملكه الدولة…
لكنه قد يصبح أكبر خسائرها…
إذا لم تعرف كيف تحافظ على طاقاته ورموزه وقدواته.
*رابعًا… الرمز بين التقديس والإلغاء*
من أخطر ما يواجه المجتمعات أنها لا تمنح الرمز حقه في أن يكون إنسانًا.
فإما أن ترفعه فوق النقد وإما أن تسقطه بالكامل.
بينما الحقيقة…
أن الإنسان قد يخطئ دون أن تلغى كل فضائله.
وقد يختلف معنا دون أن يفقد كل قيمته.
فالرموز لا تحتاج إلى عصمة بل تحتاج إلى إنصاف لأن الأمة التي لا تعرف كيف تختلف مع رموزها.. لن تعرف كيف تبني رموزًا جديدة.
*خامسًا… رأس المال الرمزي… المورد المنسي*
من منظور الجسر والمورد ليست الثروات الطبيعية وحدها موارد استراتيجية.
فكما تمتلك الدول رأس مال اقتصادي ورأس مال بشري فإنها تمتلك أيضًا رأس مال رمزي.
ويتمثل هذا المورد… في الشخصيات التي منحت المجتمع الثقة والإلهام والقدرة على الاجتماع حول قيم مشتركة.
ولهذا… فإن خسارة الرمز الوطني لا تقل أثرًا في بعض الأحيان عن خسارة مؤسسة كاملة.
لأن الرمز… يختصر سنوات من بناء الثقة ولهذا فإن الدول التي تدير رموزها بحكمة تحافظ على تماسكها.
أما الدول التي تستهلك رموزها فتجد نفسها مضطرة في كل مرحلة إلى البدء من جديد.
*#أصل_القضية…*
ليست المشكلة أن تتحول الشخصيات إلى رموز… فالرموز ضرورة لكل أمة.
لكن المشكلة… أن يصبح المجتمع مصنعًا يستهلك رموزه أسرع مما يصنعها.
فبناء الرمز يحتاج سنوات…
أما هدمه…
فقد لا يحتاج إلا إلى لحظة انفعال أو منشور او ( قوالات).
ومن منظور الجسر والمورد فإن الدول لا تبنى فقط بالمشروعات بل أيضًا بحسن إدارة رأس مالها الرمزي.
لأن الأمة التي تفقد قدواتها…
تفقد جزءًا من ذاكرتها.
والأمة التي لا تحفظ رموزها…
ستبدأ كل جيل من نقطة الصفر.
فالأمم لا تُقاس بعدد رموزها… بل بقدرتها على حماية رموزها من الإفراط في التقديس، ومن التعجل في الإلغاء.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نقف عنده بعد ذلك…
متى تتحول السياسة إلى هوية؟.
*📌نافذة بحثية | سلسلة الجسر والمورد*
يقترح هذا المقال موضوعًا للبحث والدراسة بعنوان:
*رأس المال الرمزي وأثره في إعادة بناء الدولة بعد النزاعات – السودان نموذجًا.*


