Popular Now

أصل القضية | السودان.. الحرب الهجين .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (7) السودان بين الأزمة الاقتصادية والتحديات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (6) : السدود تحت التهديد.. وعودة السودان إلى إيغاد ودعم الأشقاء ومسار إعادة بناء الدولة د. الزمزمي بشير عبد المحمود ..الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

أصل القضية | السودان.. الحرب الهجين .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

> ” الحرب ليست إلا استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى.“ كارل فون كلاوزفيتز

في مقال سابق من #أصل_القضية، سألنا: هل نطارد الأزمة، أم نطارد مسارها؟
اليوم نذهب بالسؤال خطوة أبعد: إذا كانت الأزمة مسارًا، فكيف تتحرك الحرب نفسها؟

الصورة التقليدية للحرب جبهة معروفة، قوات تتقدم، وأخرى تتراجع ومدن تتغير خرائط السيطرة حولها. لكن الحروب الحديثة لم تعد دائمًا بهذه البساطة، فقد تختلط فيها القوة العسكرية بالمعلومة، والاقتصاد بالتأثير والضغط الاجتماعي بالحسابات السياسية. ومن هنا جاء مفهوم الحرب الهجين لا بوصفه تفسيرًا جاهزًا لكل شيء، وإنما كعدسة تساعدنا على رؤية الحرب عندما تتعدد أدواتها وتتداخل مساراتها.

والسودان يقدم اليوم بيئة تستحق أن تُقرأ بهذه العدسة، فالحرب لم تعد تتحرك في الميدان وحده، هناك اقتصاد حرب يستفيد من السيطرة على الأراضي، والطرق، والسلع ومصادر الإيراد، وهناك فضاء معلوماتي أصبحت فيه الروايات المضللة وخطابات الكراهية جزءًا متكررًا من المشهد. وقد حذرت الأمم المتحدة في ٢٠٢٦م من أن اقتصاد الحرب نفسه أصبح عاملًا يساعد على إطالة الصراع، بينما خلصت دراسة حديثة عن البيئة المعلوماتية السودانية إلى أن حملات التضليل والتلاعب بالمعلومات يمكن أن تؤثر في المدنيين، والعمل الإنساني وحتى فرص السلام.

لكن الأخطر ليس وجود هذه الأدوات منفردة، الأخطر هو لحظة اتصالها، فمعلومة ناقصة تصنع خوفًا، والخوف يصنع سلوكًا، والسلوك يضغط على السوق، والسوق ينتج أثرًا حقيقيًا ثم يعود الأثر ليمنح المعلومة الأولى قوة جديدة.
وهكذا، المعلومة تتحول إلى سلوك، والسلوك يتحول إلى واقع والواقع يتحول إلى رواية.
هنا تصبح الحرب قادرة على الوصول إلى من لا يحمل سلاحًا؛
●يشتري المواطن أكثر لأنه خائف من الغلاء، فيزيد الطلب.
●ينشر خبرًا لأنه يريد التحذير، فيوسع دائرة القلق.
●يشك في المعلومة الرسمية لأنه لم يجد تفسيرًا كافيًا، فيبحث عن رواية أخرى.
●ثم تتحول كثرة الروايات إلى أزمة ثقة، وتصبح أزمة الثقة نفسها جزءًا من الأزمة.

ولذلك لا ينبغي أن نبحث خلف كل أزمة عن «غرفة عمليات» واحدة. فقد يتقاطع المخطط مع الانتهازي، والمستفيد مع الناقل، والخائف مع المروّج والقرار غير المدروس مع الشائعة، فتنتج النتيجة نفسها دون أن يكون الجميع جزءًا من خطة واحدة.

وهنا تكمن أهمية السؤال الاستراتيجي.. فمن فعل؟ سؤال مهم، لكن الأسئلة الأهم:
●كيف تحرك الأثر؟
●من أين بدأ؟
●كيف انتقل؟
●من الذي ضخمه؟
●من استفاد منه؟
●ومن كان يستطيع إيقافه؟

وهذا يعيدنا إلى الذاكرة السودانية القريبة.ففي ٢٠١٨م، بدأت الأزمة الاقتصادية تتحول إلى احتجاجات واسعة، ثم توالت إجراءات سياسية وحكومية متسارعة حتى تم حل حكومة دولة رئيس الوزراء السابق دكتور معتز موسى وتشكيل حكومة دكتور محمد طاهر إيلا في فبراير ٢٠١٩م قبل سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في ١١ أبريل من العام نفسه.
لا يعني ذلك أن التاريخ يعيد نفسه بل ربما يعيد أسئلته فالوقائع قد تتشابه، لكن البيئة التي تتحرك فيها مختلفة، ولذلك لا يجوز أن نستعير من الماضي نتيجته قبل أن نفهم اختلاف شروط الحاضر.

اليوم توجد حرب مفتوحة منذ ٢٠٢٣م، واقتصاد أكثر إنهاكًا، ومجتمع أكثر استنزافًا، ونزوح واسع، وانقسام أشد، بينما تظل الدولة نفسها موضع ضغط هائل. وقد وصفت الأمم المتحدة آثار الحرب الاقتصادية بأنها أعادت الاقتصاد عقودًا إلى الوراء، مع تدهور شديد في الدخل والفقر والخدمات.

لذلك فإن المقارنة الحقيقية ليست بين ٢٠١٩م و ٢٠٢٦م، وإنما بين آليات الضغط.آنذاك كان السؤال ، هل يستطيع النظام امتصاص الضغط؟

واليوم السؤال أكبر: هل تستطيع الدولة أن تمتص الضغط دون أن تتشظى؟ خصوصًا مع تصاعد الرهان على المؤسسة العسكرية باعتبارها عنوانًا لوحدة الدولة، وهو ما يعيد إلى الذاكرة مشهد ٢٠١٩م وشعار جيش واحد، شعب واحد وقت انحياز الجيش في اعتصام القيادة العامة

وهنا لا يفوتنا أن ننتبه إلى الفرق الهائل بين سقوط حكومة وتشتت دولة، فالحكومة تتغير، أما الدولة فإذا تآكل مركزها، وتعددت مراكز القوة واختلفت قواعد الاقتصاد والإدارة والمعلومة من منطقة إلى أخرى، فقد يصبح استرداد وحدتها أصعب بكثير من تغيير حكومة. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس هل نشهد سقوط الحكومة؟ بل هل نحن أمام اختبار للحكومة، أم أمام اختبار لبقاء السودان دولةً واحدة؟

هذه هي المنطقة التي تجعل مفهوم الحرب الهجين أكثر من مجرد مصطلح عسكري؛
فالجبهة العسكرية قد تقسم الأرض، لكن الجبهة الاقتصادية قد تستنزف القدرة، والجبهة المعلوماتية قد تربك الإدراك والجبهة الاجتماعية قد تضرب الثقة، وإذا التقت الجبهات كلها عند الدولة، تصبح المعركة على شيء أكبر من السلطة؛ تصبح المعركة على تماسك الدولة نفسها.

ومن هنا، فإن السودان يحتاج إلى خريطة جديدة للحرب لا ترسم مواقع القوات وحدها، وإنما ترسم حركة المال، والمعلومة، والخوف، والشائعة، والمصلحة، والسلوك والثقة.فالجبهة تخبرنا أين تدور المعركة.أما قراءة المسار فتخبرنا إلى أين يمكن أن تقودنا المعركة.

وهنا يعود #أصل_القضية إلى سؤاله الأول:
السؤال لم يعد: ما المشكلة؟
ولا حتى: أين المشكلة؟
بل: كيف تتحرك المشكلة؟ فالأزمة ليست حدثًا، إنها مسار والحرب ليست جبهة فقط، إنها منظومة تأثير.

وفي السودان، ربما يكون أخطر ما ينبغي أن نراقبه ليس فقط من يربح جولة على الأرض، بل ماذا يحدث للدولة وهي تخسر قدرتها على أن تكون ساحةً واحدة للمعلومة، والاقتصاد، والقانون، والثقة، والمستقبل.

فالسؤال في النهاية ليس هل تسقط حكومة؟
السؤال الذي يجب ألا نتأخر في طرحه هو: كيف نحول دون أن يصبح ثمن سقوط أي حكومة… سقوط فكرة السودان نفسه؟

المقالة السابقة

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (7) السودان بين الأزمة الاقتصادية والتحديات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الأفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *