Popular Now

جذور و أوراق .. الثقافة والسلوك المجتمعي 2 .. موفق عبدالرحمن

سلسلة عودة دارفور (37) .. عودة دارفور بين انهيار خطوط الإمداد وتبدل الحسابات السياسية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

منشورات د. احمد المفتي رقم 6168 .. وبين كتلة الحكومة ، وكتلة الكيانات المعارضة ، يوجد الجزء الاكبر من المواطنين !!!

جذور و أوراق .. الثقافة والسلوك المجتمعي 2 .. موفق عبدالرحمن

انتهيت في مقالي السابق إلى أن الثقافة هي الضمير المستتر والبرمجة الداخلية التي توجه سلوك الفرد حين يغيب الرقيب _ واقول هنا بأن هذه البرمجة لا تعمل في فراغ بل تتشكل وتكتسب حيزها المادي عبر المكان الذي نعيش فيه .
فجغرافية الحياة اليومية ليست مجرد وعاء صامت لنشاطنا البشري _ بل هي فاعل ثقافي ومُهَذِّب سلوكي يوجه حركة الجميع دون أن يتكلم .
فالعمارة وتخطيط الفضاءات العامة والبيئة البصرية والتراث المعماري ليست مجرد حجر وخرسانة بل هي خطاب ثقافي مُجَسد يفرض سلطته الجمالية والنفسية وعلى تفاصيل السلوك اليومي .
وعندما يتحرك الإنسان في بيئة عمرانية تراعي كرامته الإنسانية وتفيض بالجمال والتناسق _ يستجيب وجدانه تلقائياََ لهذا الرصيد الجمالي فيتهذب سلوكه وتتزن انفعالاته _ ويصعب عليه حينها أن يمارس الفوضى أو يلقي بالنفايات أو يتجاوز في هذا الحيز المحفوف بالاحترام .
وأجد في ذلك أن الشارع المنسق والحديقة الخضراء الجميلة والمجلس التراثي الدافئ كل هذه تمثل سلطة ناعمة تفرض على الوافد إليها قدر من اللياقة والهدوء _ لتؤكد أن الذوق العام ليس سوى صدى مباشر للذوق المعماري والجمالي المحيط بنا _
في المقابل فإن البيئات الجافة التي تفتقر للروح ، والفضاءات العشوائية تتسبب في شحن الفرد بالتفكير الحاد والتوجس وتنتج سلوكيات تتسم باللامبالاة والعدوانية ، لأن الفرد يطبع تصرفاته بطبيعة المحيط الذي يتواجد فيه .
ومن هنا تبرز أهمية التراث المعماري الحي والهوية البصرية الأصيلة ، فهما لا يقدمان حلول سكنية أو هندسية فحسب _ بل يمنحان الفرد بوصلة إتزان وسكينة ويربطانه بجذوره الحضارية وسط تجاذبات الحداثة السريعة والأنماط المعيشية المختلطة .

واعود ل أؤكد بأن هندسة المكان هي في حقيقتها إعادة هندسة للإنسان فالمجتمعات التي تعتني بجماليات عمرانها وفضاءاتها العامة لا تستثمر في الحجر بل تستثمر في الأخلاق العامة والسلوك الإيجابي _ فكما تصنع الثقافة الواعية ضمير الفرد من الداخل يصنع المكان الأنيق لياقة السلوك من الخارج _ ليتكاملا معاََ في صياغة مجتمع ينتمي للجمال ويتنفس الرقي ويجعل من السلوك الحضاري ممارسة عفوية حرة لا تحتاج إلى قانون يمليها ولا إلى رقيب يفرضها .

المقالة السابقة

سلسلة عودة دارفور (37) .. عودة دارفور بين انهيار خطوط الإمداد وتبدل الحسابات السياسية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *