Popular Now

سلسلة الحرب على السودان (41) من صراع الميدان إلى صراع الشرعية: التحالفات السياسية ومستقبل المرحلة الانتقالية في السودان .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان… الحوار الذي يحتاج إلى حوار .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

منشورات د. احمد المفتي رقم 6177 .. تابع سد النهضة ( 1157 ) : وزير المياه الاثيوبي ، يزعم ان انفراد اثيوبيا بتشييد سد النهضة ، هو شاهد علي وحدة وتعاون الدول الافريقية !!

سلسلة الحرب على السودان (41) من صراع الميدان إلى صراع الشرعية: التحالفات السياسية ومستقبل المرحلة الانتقالية في السودان .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

مقدمة
تدخل الأزمة السودانية مرحلة تتداخل فيها المعركة العسكرية مع صراع سياسي متزايد حول شكل الدولة ومستقبل الحكم والجهات التي يحق لها المشاركة في صناعة المرحلة المقبلة.
وبينما تستمر العمليات العسكرية في كردفان ودارفور وجنوب كردفان، تتصاعد التحركات السياسية الداخلية والإقليمية، في وقت تتباين فيه مواقف القوى المدنية والسياسية من الحوار، ومن موقع المؤسسة العسكرية، ومن مستقبل القوى التي شاركت في المشهد السياسي قبل الحرب أو ارتبطت بأحد طرفي الصراع.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض، وإنما حول سؤال أكثر عمقاً:
من يملك حق تشكيل السودان بعد الحرب؟
أولاً: محاولة إقصاء القوى السياسية أم إعادة تشكيل المشهد؟
تداولت مصادر سياسية تصريحات لقيادات في المؤتمر الوطني تتحدث عن سقوط أعداد كبيرة من منسوبيه في الحرب، وعن تعرض الحزب لمحاولات إقصاء سياسي.
وبغض النظر عن صحة الأرقام التي توردها المصادر، فإن القضية الأهم تتمثل في السؤال حول مبدأ الإقصاء السياسي.
فالسودان عانى طوال عقود من سياسة الإقصاء المتبادل؛ كل مرحلة سياسية حاولت فيها قوى جديدة إبعاد القوى السابقة، ثم جاءت مرحلة أخرى لتعيد إنتاج المعادلة نفسها.
وهذا النمط هو أحد أسباب هشاشة الحياة السياسية السودانية.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى محاسبة قانونية فردية لكل من تثبت مسؤوليته عن جرائم، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى عدم تحويل المسؤولية الجنائية إلى عقوبة جماعية على تيار سياسي بأكمله.
ثانياً: صمود بين الحوار والشارع
يأتي موقف تحالف «صمود» من الحوار الداخلي في لحظة شديدة الحساسية.
فالتحالف الذي يطرح نفسه باعتباره أحد مكونات المشروع المدني يواجه سؤالاً أساسياً: هل يستطيع الانتقال من خطاب المعارضة إلى خطاب المشاركة في عملية سياسية سودانية واسعة؟
فالقبول بالحوار لا يعني بالضرورة التنازل عن المواقف السياسية، كما أن رفض الحوار لا يعني بالضرورة امتلاك البديل.
والأهم أن أي حوار مستقبلي يجب ألا يكون مجرد اجتماع للنخب في عاصمة إقليمية أو دولية، وإنما ينبغي أن تكون له قاعدة اجتماعية وسياسية داخل السودان.
ثالثاً: هل أصبح الحوار الداخلي ضرورة؟
تزايد الحديث عن حوار داخل السودان، وهو اتجاه يمكن أن يمثل تطوراً إيجابياً إذا توفرت له شروط حقيقية.
فالحوار الخارجي قد يكون مفيداً في مرحلة الوساطة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحوار الوطني.
والسودانيون هم أصحاب المصلحة الأولى في تحديد مستقبل دولتهم.
ومن هنا فإن أي مسار سياسي يحتاج إلى ثلاثة مستويات مترابطة:
المستوى الأول: الحوار السوداني الداخلي.
المستوى الثاني: الترتيبات الأمنية والعسكرية.
المستوى الثالث: الدور الإقليمي والدولي الداعم، وليس البديل عن الإرادة السودانية.
رابعاً: مصر والسعودية ودور الإقليم
تتحدث بعض التقارير عن تحركات مصرية وسعودية لمنع سيناريوهات سياسية تستهدف تغيير قيادة المرحلة الحالية.
ومن الضروري التعامل مع هذه المعلومات بحذر، وعدم تقديم ما يرد في التقارير السياسية باعتباره حقيقة نهائية ما لم تؤكده مصادر مستقلة.
لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن القاهرة والرياض تملكان مصالح مباشرة في استقرار السودان.
فالسودان بالنسبة إلى مصر يرتبط بالأمن القومي وحوض النيل والحدود الجنوبية.
أما السعودية فترتبط بالسودان بأمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية.
ولهذا فإن مصلحة البلدين الأساسية تتمثل في سودان مستقر وموحد، لا في استمرار الحرب أو تفكك الدولة.
خامساً: هل السودان يبحث عن «الجنرال المنقذ»؟
طرح بعض الكتاب والمحللين سؤالاً مهماً حول استمرار الثقافة السياسية السودانية في البحث عن «الجنرال المنقذ».
وهذا السؤال يتجاوز شخص الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى طبيعة النظام السياسي نفسه.
فالمشكلة التاريخية في السودان ليست في اسم الجنرال فقط، وإنما في ضعف المؤسسات المدنية والعسكرية وتداخل أدوارها.
لقد شهد السودان تجارب متعددة حكم فيها العسكريون، كما شهد فترات حكم مدني لم تنجح في بناء نظام سياسي مستقر.
والدرس الذي ينبغي استخلاصه هو أن السودان يحتاج إلى:
مؤسسات قوية، لا أفراد أقوياء فقط.
فالجيش دوره حماية الدولة، والقوى السياسية دورها إدارة المنافسة السياسية، والقضاء دوره تطبيق القانون، والمجتمع المدني دوره الرقابة والمشاركة.
سادساً: الحلو وجنوب كردفان
تثير التطورات في جنوب كردفان أسئلة حول مستقبل الحركة الشعبية ــ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، خصوصاً في ظل استمرار القتال في المنطقة وتداخلاته مع الحرب الأوسع.
وأي تحالف أو تقارب عسكري بين الحركة الشعبية وقوات الدعم السريع ــ إذا ثبت ميدانياً وسياسياً ــ ستكون له آثار كبيرة على مستقبل الحركة وعلى صورتها لدى قطاعات من سكان جنوب كردفان.
فالتحالفات العسكرية قد تحقق مكاسب قصيرة المدى، لكنها قد تكون مكلفة سياسياً إذا نظر إليها المجتمع المحلي باعتبارها سبباً في إطالة أمد الحرب.
ولهذا فإن التحدي أمام الحلو لا يقتصر على تحقيق أهداف الحركة السياسية، وإنما يشمل المحافظة على الشرعية الاجتماعية داخل مناطق نفوذها.
سابعاً: هل بدأت إفريقيا تشتعل من غربها إلى شرقها؟
الحرب السودانية لم تعد معزولة عن محيطها الإفريقي.
فمنطقة الساحل وغرب إفريقيا شهدت خلال السنوات الأخيرة اضطرابات سياسية وعسكرية متزايدة، بينما تواجه منطقة القرن الإفريقي بدورها أزمات مرتبطة بالحدود والصراعات الداخلية والتنافس الإقليمي.
أما السودان فيقع في نقطة التقاء بين الإقليمين.
ولهذا فإن استمرار الحرب السودانية يمكن أن ينتج تأثيرات تتجاوز الحدود، من خلال:
حركة اللاجئين.
انتشار السلاح.
نشاط الجماعات المسلحة.
تنشيط شبكات التهريب.
الضغط على الدول المجاورة.
زيادة التنافس على الموارد.
تراجع التجارة الإقليمية.
ومن هنا فإن الحرب السودانية تمثل خطراً على الأمن الإفريقي بأكمله، وليس السودان وحده.
ثامناً: الحدود الشرقية والتهديد الإثيوبي
تزامن الحديث عن التطورات السياسية مع تقارير عن اشتباكات وتوترات على الحدود السودانية الإثيوبية.
وهذا تطور شديد الحساسية، لأن فتح جبهة شرقية جديدة سيكون مكلفاً للغاية في ظل استمرار الحرب غرباً ووسطاً.
والسودان في هذه المرحلة يحتاج إلى إدارة ملف الحدود مع إثيوبيا بأعلى درجات الحذر، وتجنب الانجرار إلى مواجهة شاملة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على السيادة والحقوق السودانية.
فالجيش السوداني يواجه بالفعل حرباً واسعة، وأي جبهة جديدة ستفرض عليه توزيع قواته وموارده على مساحة أكبر.
تاسعاً: تباين الأحزاب السودانية
تكشف التطورات الأخيرة عمق الانقسام داخل القوى السياسية السودانية.
فبعض الأحزاب يطالب بالحوار، وأخرى ترفضه بصيغته الحالية، وبعضها يؤيد المؤسسة العسكرية، بينما يصر آخرون على موقف الحياد.
وهذا التباين ليس المشكلة في حد ذاته؛ فالاختلاف السياسي أمر طبيعي.
المشكلة تظهر عندما يتحول الاختلاف إلى استقطاب وإقصاء وتخوين.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى اتفاق على قواعد اللعبة السياسية، وليس بالضرورة إلى اتفاق على كل القضايا.
ومن أهم هذه القواعد:
رفض استخدام السلاح للوصول إلى السلطة.
رفض التدخل الخارجي في القرار الوطني.
احترام التعدد السياسي.
الاحتكام إلى الانتخابات.
محاسبة مرتكبي الجرائم بصورة فردية.
الحفاظ على وحدة السودان.
بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.
عاشراً: الشرعية الشعبية هي الاختبار الحقيقي
في النهاية، فإن جميع القوى السياسية مطالبة بالإجابة عن سؤال بسيط:
ما حجم السند الشعبي الذي تمتلكه؟
فالسودان ليس ملكاً للنخب السياسية، ولا للقادة العسكريين، ولا للقوى الإقليمية والدولية.
والشعب السوداني الذي تحمل كلفة الحرب والنزوح والفقر وفقدان الممتلكات هو صاحب الحق الأول في تحديد مستقبل البلاد.
ولهذا فإن أي مشروع سياسي لا يمتلك قبولاً شعبياً حقيقياً سيظل مشروعاً هشاً، مهما حصل على دعم خارجي.
خاتمة
المشهد السوداني يتحرك تدريجياً من مرحلة الحرب العسكرية وحدها إلى مرحلة الصراع على شكل الدولة والنظام السياسي الذي سيأتي بعدها.
وتكشف التحركات الأخيرة أن هناك سباقاً بين عدة مشاريع:
مشروع عسكري يسعى إلى إنهاء التمرد وإعادة بناء الدولة.
ومشروع مدني يسعى إلى تأسيس نظام سياسي جديد.
ومشروعات مسلحة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها ومواقعها.
ومصالح إقليمية ودولية تريد التأثير في شكل السودان القادم.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الصراع السياسي إلى نسخة جديدة من الحرب العسكرية.
فالخروج من الحرب لا يكون بإقصاء طرف سياسي لمجرد انتمائه، ولا بفرض قيادة من الخارج، ولا بتقسيم السودان إلى مناطق نفوذ.
بل يكون عبر دولة واحدة، وجيش وطني واحد، وسلطة مدنية منتخبة، وقضاء مستقل، ومحاسبة عادلة، وحوار سوداني حقيقي يستوعب الاختلاف ولا يحول الاختلاف إلى حرب جديدة.
ويبقى السؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة:
هل تستطيع القوى السودانية أن تتفق على مستقبل السودان قبل أن تتدخل القوى الإقليمية والدولية لتفرض على السودانيين شكل المستقبل؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من أي انتصار عسكري أو مكسب سياسي مؤقت.

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان… الحوار الذي يحتاج إلى حوار .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *