دوماً يجول في خاطري سؤال أراه أكثر أهمية من السؤال الذي ظل يطاردنا طويلاً: لماذا يتراجع السودان؟
فالسؤال الأجدر في رأيي هو:
لماذا، كلما أردنا النهوض، ظل كثير منا ينظر إلى الخلف بحثاً عن السودان الذي كان، بدلاً من أن ينظر إلى الأمام بحثاً عن السودان الذي يمكن أن يكون؟
هذه ليست دعوة إلى نسيان التاريخ، ولا تقليلاً من قيمة ما أنجزه السودانيون في العقود الماضية، ولا إنكاراً لما أصاب مؤسسات الدولة من اختلالات سياسية وإدارية واقتصادية.
بل على العكس؛ السودان يمتلك إرثاً مؤسسياً ومشروعات كبرى تستحق الدراسة والاعتزاز.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين احترام الماضي والعيش والانحباس فيه.
وبين القول:
«كان هذا المشروع عظيماً، فلنستفيد من تجربته ونطورها.»
وأن نقول: «كان هذا المشروع عظيماً، فلنعِده لسيرته الأولى وكثيراً ما اسمع هذه العبارة في المناسبات الرسمية.»
الأولى عقلية تنموية.
والثانية قد تتحول، من حيث لا نشعر، إلى حنين إداري وتباكي على الماضي.
ليست المشكلة أننا نحب الماضي، بل أننا أحياناً نريد أن نعيد تشغيله لانه تجسد في عقليتنا بشكل حياة أشخاص وليس حسابات تنموية.
الشخصية السودانية بطبيعتها الاجتماعية شديدة الوفاء للأشياء والأماكن والذكريات.
تجدنا دوماً نحتفظ بصورة قديمة، وبخطاب قديم، وبقطعة أثاث قديمة، وبأداة لم نعد نستخدمها، وأحياناً بفتيل عطر انتهى منذ سنوات، لكنه بقي في خزانة الملابس لأن وراءه ذكرى.
وهذا في الحياة الإنسانية أمر جميل.
فالذاكرة جزء من هوية الإنسان، لكن المشكلة تبدأ عندما نستخدم منطق الذاكرة في إدارة الاقتصاد والمؤسسات ومسيرة الحياة المتجددة.
فالشيء القديم يمكن أن يكون عزيزاً علينا، لكنه ليس بالضرورة أنه ما زال صالحاً للمستقبل.
والمنشأة التي كانت ناجحة قبل خمسين أو مائة عام وفق معطيات ذلك الزمان لا يشترط ذلك أن تصبح ناجحة اليوم لمجرد أنها كانت ناجحة آنذاك.
الزمن لا يحترم المؤسسات لمجرد قدمها بل اسهامها الفعلي في الحياة.
السوق لا يحترم التاريخ.
التكنولوجيا لا تحترم العمر.
والمستهلك لا يشتري المنتج لأنه كان مشهوراً في زمن آبائه.
ولهذا فإن المؤسسة الحية ليست التي تحافظ على شكلها، وإنما التي تحافظ على قدرتها على خلق القيمة.
مشروع الجزيرة: من «إعادة سيرته الأولى» إلى إعادة تعريف رسالته
خذوا مشروع الجزيرة مثالاً، لقد كان مشروعاً استثنائياً في سياقه التاريخي، ونشأ في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وقامت فلسفته الزراعية الأولى بدرجة كبيرة على إنتاج القطن طويل التيلة كمحصول نقدي، إلى جانب محاصيل أخرى، ضمن نموذج مؤسسي وإداري متكامل.
وهنا يجب أن نسأل سؤالاً بسيطاً: هل العالم الذي صُمم من أجله مشروع الجزيرة هو العالم نفسه الذي نعيش فيه اليوم؟
بالطبع لا.
– تغيرت صناعة النسيج
– وتعددت الألياف والبدائل
– وتغيرت الأسواق
– وتغيرت تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة
– وتغيرت أنماط الاستهلاك
– وتغيرت قيمة سلاسل الإمداد.
بل إن تاريخ المشروع نفسه يثبت أن التغيير ليس خيانة للمشروع؛ فقد شهد عبر تاريخه تعديلات في الدورة الزراعية وتوسعاً في تنويع المحاصيل، وأصبحت الزراعة فيه متعددة المحاصيل وليست محصورة في القطن.
إذن، حتى مشروع الجزيرة نفسه يقول لنا: إن البقاء يحتاج إلى التغيير.
فلماذا نريد أن نعيده إلى «سيرته الأولى»؟
– أي سيرة أولى؟
– هل نعيده إلى اقتصاد بدايات القرن العشرين؟
– هل نعيده إلى الأسواق التي كان يصدر إليها القطن؟
– هل نعيد هيكل الإنتاج نفسه؟
– هل نعيد التقنية نفسها؟
– هل نعيد نمط الإدارة نفسه؟
إذا فعلنا ذلك، فنحن لا نعيد بناء مشروع الجزيرة؛
نحن نعيد بناء الماضي.
والمستقبل لا يُبنى بهذه الطريقة.
السؤال الصحيح: ماذا يمكن أن يصبح مشروع الجزيرة؟
هذا هو السؤال الذي أراه جديراً بأن تجتمع حوله عقول السودان.
ليس: كيف نعيد مشروع الجزيرة كما كان؟
بل: كيف نجعل مشروع الجزيرة واحداً من أهم المنصات الزراعية الذكية في أفريقيا والعالم العربي؟
هنا يتغير التفكير كله.
يمكن أن يصبح المشروع منظومة متكاملة تجمع بين:
الإنتاج الزراعي + التكنولوجيا + الصناعات الغذائية + التصنيع الزراعي + سلاسل الإمداد + التخزين + الطاقة + البحث العلمي + البيانات + التصدير + التمويل + القيمة المضافة.
وقد يكون القطن جزءاً من هذه المنظومة.
وقد تكون الحبوب والزيوت والأعلاف والبستنة والبذور والتصنيع الغذائي والتصدير أجزاء أخرى.
الفكرة ليست في اختيار محصول بعينه.
الفكرة في الانتقال من: «مشروع لإنتاج محصول»
إلى: «منظومة لإنتاج القيمة».
وهذه هي النقلة التي تحتاجها التنمية السودانية.
نحن لا نحتاج إلى إعادة المؤسسات القديمة، بل إلى إعادة هندستها
في علم الإدارة هناك فرق جوهري بين التحسين وإعادة الهندسة؛
التحسين يسأل: كيف نجعل النظام القديم يعمل بصورة أفضل؟
أما إعادة الهندسة فتسأل:
هل ما زلنا بحاجة إلى النظام القديم بهذه الصورة أصلاً؟
وهذا السؤال هو الذي نحتاجه اليوم.
عندما نتحدث عن السكك الحديدية، لا ينبغي أن يكون هدفنا فقط إعادة القاطرات والعربات التي كانت تعمل في الماضي.
بل علينا أن نسأل: ما الدور الذي يجب أن يؤديه النقل الحديدي في اقتصاد السودان القادم؟
هل يكون جزءاً من منظومة لوجستية متكاملة تربط الموانئ بالمناطق الزراعية والصناعية والأسواق الداخلية والخارجية؟
وعندما نتحدث عن النقل الميكانيكي، لا ينبغي أن يكون هدفنا فقط إعادة مؤسسة قديمة إلى الهيكل الذي كانت عليه.
بل: ما نموذج النقل والخدمات اللوجستية الذي يحتاجه السودان في اقتصاد حديث؟
وعندما نتحدث عن المخازن والمهمات، لا ينبغي أن يكون التفكير في استعادة المخازن القديمة فقط، بل في بناء:
إدارة حديثة لسلاسل الإمداد، المخزون، والمشتريات، والبيانات والتنبؤ بالطلب.
وهكذا مع كل مؤسسة.
المؤسسة ليست مبنى… المؤسسة فكرة قابلة للتطور
هذه قاعدة ينبغي أن تدخل في صميم تفكيرنا التنموي:
المؤسسة ليست المبنى، وليست الاسم، وليست الموظفين، وليست اللوائح القديمة.
المؤسسة في جوهرها:
وظيفة + قيمة + معرفة + إنسان + نظام + قدرة على التكيف.
– فإذا تغيرت البيئة، وجب أن تتغير المؤسسة.
– وإذا تغيرت التكنولوجيا، وجب أن تتغير العمليات.
– وإذا تغير السوق، وجب أن يتغير نموذج الأعمال.
– وإذا تغير احتياج المجتمع، وجب أن تتغير الخدمة.
– وإذا ظهرت تقنيات الذكاء الاصطناعي، فلا يجوز أن نبقى ندير مؤسساتنا بعقلية عصر الورق.
أخطر عبارة تنموية: «نريد أن نعيد الشيء إلى سيرته الأولى»
قد تبدو العبارة جميلة، لكنها إدارياً تحتاج إلى مراجعة.
لأن «السيرة الأولى» كانت إجابة عن أسئلة زمنها، والأسئلة تغيرت، والبيئة تغيرت، والسكان تغيروا، والأسواق تغيرت، والتقنية تغيرت والعالم تغير.
فلماذا لا نتغير نحن؟
إن إعادة الشيء إلى سيرته الأولى قد تكون مناسبة للترميم التاريخي، لكنها ليست بالضرورة مناسبة للتنمية.
المبنى التاريخي يمكن أن نعيده إلى صورته الأولى.
أما المؤسسة الاقتصادية فلا ينبغي أن نعيدها إلى صورتها الأولى؛ بل ينبغي أن نعيدها إلى وظيفتها المستقبلية.
وهذا فرق بالغ الأهمية.
السودان يحتاج إلى «عقلية المواكبة»، المواكبة ليست تقليداً للآخرين. والمواكبة ليست التخلي عن الهوية والمواكبة ليست هدم التراث.
المواكبة تعني أن نسأل باستمرار:
– ما الذي تغير؟
– ثم: ماذا يعني هذا التغيير بالنسبة لنا؟
– ثم: ماذا يجب أن نغير في مؤسساتنا؟
– ثم: ما الذي ينبغي أن نحتفظ به لأنه يمثل قيمة حقيقية؟
– وما الذي ينبغي أن نتركه لأنه أصبح عبئاً؟
هذه هي العقلية التي تصنع المؤسسات القادرة على البقاء.
من التفكير السياسي إلى التفكير التنموي
لقد استهلكنا طاقة هائلة في السودان في تفسير كل شيء من خلال السياسة.
أحياناً يصبح كل نقاش اقتصادي سياسياً. وكل نقاش إداري سياسياً.
وكل حديث عن مؤسسة قديمة مناسبة لإعادة فتح ملفات الصراع السياسي.
ولا شك أن السياسة تؤثر في الاقتصاد والإدارة، وأن الاستقرار والحوكمة عنصران أساسيان في التنمية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح السياسة العدسة الوحيدة التي نرى من خلالها المستقبل.
عندها نفقد القدرة على طرح الأسئلة الأخرى:
– أين التكنولوجيا؟
– أين الابتكار؟
– أين الإنتاجية؟
– أين رأس المال البشري؟
– أين سلاسل القيمة؟
– أين الذكاء الاصطناعي؟
– أين الاقتصاد الرقمي؟
– أين البحث العلمي؟
– أين الإدارة الحديثة؟
– أين ريادة الأعمال؟
– أين تصميم المؤسسات للمستقبل؟
قد نختلف سياسياً، لكن يمكننا أن نتفق على أن:
المؤسسة المنتجة أفضل من المؤسسة المعطلة.
وقد نختلف في تفسير الماضي، لكن يمكننا أن نتفق على أن: المستقبل يحتاج إلى مؤسسة أكثر ذكاءً من مؤسسة الماضي.
وهنا يبدأ التفكير خارج الصندوق، لا تجعلوا الحرب تسلبكم القدرة على تخيل المستقبل
السودان مرّ وما زال يمر بظروف قاسية تركت آثاراً عميقة في الإنسان والمؤسسة والاقتصاد والمجتمع.
وفي أوقات الأزمات يصبح الإنسان بطبيعته أكثر ميلاً إلى الحنين.
يتذكر الزمن الذي كان فيه الشيء يعمل، والشارع آمناً، والقطار منتظماً، والمؤسسة قوية والخدمة متاحة.
فيقول: «نريد أن تعود الحياة كما كانت.»
وأتفهم تماماً هذا الشعور الإنساني.
لكن التنمية لا تستطيع أن تتوقف عند هذه العبارة.
لأن السؤال بعد انتهاء الأزمة ليس: كيف نعيد السودان الذي كان؟
بل:كيف نبني سوداناً أفضل من السودان الذي كان؟
وهذا ليس مجرد فرق في الكلمات.
إنه فرق بين إعادة البناء وإعادة إنتاج الماضي.
لا نريد سودان الأمس… نريد أن نأخذ أفضل ما فيه إلى سودان الغد
في السودان خبرات بشرية هائلة، وأرض واسعة، ومياه، وموقع جغرافي مهم، وثروات زراعية وحيوانية ومعدنية وتراث مؤسسي وتجارب تاريخية.
لكن هذه الموارد لا تتحول تلقائياً إلى تنمية.
الذي يحولها إلى تنمية هو:
العقل الذي يعرف كيف يعيد تركيبها.
وهنا يأتي دور الجامعات، ومراكز البحث، والخبراء، والقطاع الخاص، والدولة، والشباب.
نحن بحاجة إلى جيل لا يسأل فقط: ماذا كان لدينا؟
بل يسأل: ماذا يمكن أن نصنع مما لدينا؟
لا يسأل: لماذا لم تعد السكك الحديدية كما كانت؟
بل: كيف نبني منظومة نقل تنافسية تخدم السودان وأفريقيا؟
لا يسأل: كيف نعيد مشروع الجزيرة إلى ما كان عليه؟
بل: كيف نجعله نموذجاً للزراعة الذكية والصناعات الزراعية والأمن الغذائي والتصدير؟
لا يسأل: كيف نعيد الخدمة المدنية القديمة؟
بل: كيف نبني خدمة مدنية رقمية رشيقة، عالية الكفاءة، قائمة على البيانات والنتائج؟
الوفاء الحقيقي للماضي هو أن نتجاوزه
هناك مفارقة جميلة:
أفضل طريقة لتكريم الذين بنوا مؤسسات السودان القديمة ليست أن نجمدها عند لحظة نجاحها، بل أن نبني عليها شيئاً أكبر.
فالذين أسسوا مشروعاً قبل مائة عام كانوا يمارسون الابتكار وفق أدوات عصرهم.
ومن حقنا نحن أن نمارس الابتكار وفق أدوات عصرنا.
هم لم يقولوا: «لنغير شيئاً لأن الأجداد لم يفعلوه.»، بل فعلوا شيئاً جديداً.
ولهذا نجحوا.
فإذا أردنا أن نكرمهم حقاً، فلنكرر شجاعتهم في الابتكار، لا شكل مشاريعهم.
من «استعادة الماضي» إلى «استعادة القدرة على الابتكار»
ربما هذه هي القضية الأعمق.
السودان لا يحتاج فقط إلى استعادة الطرق والمصانع والمؤسسات، بل يحتاج إلى استعادة شيء أعمق:
الثقة في قدرته على التفكير وصناعة الجديد.
نحتاج إلى أن نعيد تدريب العقل السوداني على أن يرى الإمكانات لا الخسائر فقط،
– أن يرى الفرصة داخل الأزمة.
– أن يرى التكنولوجيا أداة لا تهديداً.
– أن يرى الشباب مورداً لا مشكلة.
– أن يرى القطاع الخاص شريكاً.
– أن يرى الجامعة مركزاً لصناعة الحلول لا مجرد مانح للشهادات.
– أن يرى المؤسسة كائناً يتعلم ويتغير، لا هيكلاً جامداً.
كلمة أخيرة
بعد نحو أربعة عقود من الاقتراب من الإدارة والتنمية والتدريب والعمل المؤسسي، أصبحت أكثر اقتناعاً بأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يخسر مؤسسة:
– الأخطر أن يخسر قدرته على تخيل مؤسسة أفضل.
– قد تنهار منشأة، ويمكن إعادة بنائها.
– وقد يتعطل مشروع، ويمكن إصلاحه.
– وقد تضيع تقنية، ويمكن استيراد أحدث منها
لكن عندما يفقد المجتمع الخيال التنموي، يصبح أسيراً للماضي، وحينها يبدأ في تقديس ما كان بدلاً من صناعة ما سيكون.
لذلك، إذا أردنا للسودان أن ينهض، فلا ينبغي أن يكون شعارنا: «أعيدوا لنا السودان الذي كان.»
بل ينبغي أن يكون: «خذوا أفضل ما في السودان الذي كان، وابنوا به السودان الذي ينبغي أن يكون.»
– لا نريد أن نعيد مشروع الجزيرة إلى القرن العشرين.
– نريد أن ندخل به القرن الحادي والعشرين.
– لا نريد أن نعيد السكك الحديدية كما كانت.
– نريد أن نجعلها جزءاً من منظومة نقل حديثة.
– لا نريد أن نعيد الخدمة المدنية القديمة.
– نريد خدمة مدنية أكثر رشاقة وشفافية وكفاءة ورقمية.
– لا نريد أن نعيد المؤسسات إلى «سيرتها الأولى».
– نريد أن نعيد إليها قدرتها على التطور.
فالزمن لا يعود إلى الوراء،
والاقتصاد لا ينتظرنا
والتكنولوجيا لا تتوقف، والأجيال الجديدة لن تعيش في العالم الذي عاش فيه آباؤها.
ومن ثم فإن أعظم خدمة نقدمها للماضي ليست أن نبقى أسرى له، وإنما أن نحمل أفضل ما فيه إلى المستقبل.
فالماضي جذورنا، لكنه ليس وجهتنا.
والتنمية الحقيقية ليست استعادة ما كان أو التباكي عليه ولوم الآخرين … وإنما إعادة هندسة ما سيكون ليواكب الحداثة والتطور.
فكروا خارج الصندوق يرحمكم الله.


