Popular Now

وجه الحقيقة | إثيوبيا.. مأزق ارتداد الحسابات .. إبراهيم شقلاوي

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (13) .. نيويورك بين التصعيد الدبلوماسي والضغط الدولي… السودان يرفض العزل ويعيد طرح سؤال التدخل الإقليمي .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6286 | ماذا استفاد السودان من مشاركات البرهان السابقة في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة؟!

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتآمر الدولي والإقليمي على تفكيك الدولة ومؤسساتها (13) .. نيويورك بين التصعيد الدبلوماسي والضغط الدولي… السودان يرفض العزل ويعيد طرح سؤال التدخل الإقليمي .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

> مقدمة: عندما تتحول أزمة التأشيرة إلى معركة دبلوماسية
لم تعد أزمة منع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان من دخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خلاف دبلوماسي بين الخرطوم وواشنطن.
فالأزمة انتقلت خلال الأيام الماضية إلى ميدان سياسي ودبلوماسي أوسع، بعدما تحركت الحكومة السودانية في نيويورك للدفاع عن موقفها، ورفضت ما تعتبره تدخلاً خارجيًا في القرار السوداني، بينما أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن أسفه لعدم تمكن البرهان من المشاركة، بحسب ما أعلنته الخارجية السودانية وتغطيات إعلامية.
وفي الوقت نفسه، خرجت مسيرات واحتجاجات في عدد من المدن السودانية تندد بمنع البرهان من المشاركة في الجمعية العامة، في مشهد عكس أن القضية لم تعد محصورة في أروقة الدبلوماسية، وإنما تحولت إلى قضية مرتبطة بالسيادة الوطنية في الخطاب الشعبي المؤيد للحكومة.
لكن التطور الأهم أن الخرطوم لم تكتفِ بالاعتراض.
لقد بدأت ترد سياسيًا ودبلوماسيًا من نيويورك نفسها.
أولاً: السودان يصعّد دبلوماسياً من نيويورك
كان حضور وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي في نيويورك جزءًا من محاولة نقل المعركة من ساحة البيانات إلى ساحة المواجهة الدبلوماسية المباشرة.
وخلال مؤتمر صحفي في نيويورك، أعلن وزير الخارجية السوداني أن الخرطوم منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة والسعودية، ومصر، وقطر، وباكستان، والصين،وتركيا، إضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية وإيغاد، لكنها ترفض فرض حلول خارجية تمس سيادة السودان ووحدة أراضيه. كما رفض مساواة القوات المسلحة السودانية بقوات الدعم السريع في التوصيف السياسي لمؤسسات الدولة.
وهذه الرسالة تحمل بعدين:
الأول: السودان لا يغلق الباب أمام التفاوض.
والثاني: الخرطوم تريد أن يكون التفاوض حول كيفية إنهاء الحرب، لا حول إعادة تعريف الدولة السودانية من الخارج.
وهذا التفريق مهم للغاية.
فالدولة التي ترفض التدخل الخارجي ليست بالضرورة دولة ترفض السلام.
والحكومة التي تتمسك بمؤسساتها لا تعني بالضرورة أنها ترفض الحوار، إنما المسألة تتعلق بالسؤال:
من يحدد شكل الدولة السودانية بعد الحرب؟
ثانياً: أزمة البرهان تتحول إلى قضية سيادة
منذ أن أعلنت واشنطن عدم منح البرهان تأشيرة الدخول، أصبحت القضية مرتبطة بسؤال قانوني ودبلوماسي يتعلق بعلاقة الولايات المتحدة باعتبارها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة.
رويترز نقلت أن التأشيرة الأمريكية بدت مرتبطة، وفق مصادر دبلوماسية، بقبول البرهان مقترح هدنة لمدة 90 يومًا، وأن الأمانة العامة للأمم المتحدة أثارت المسألة مع السلطات الأمريكية، بينما أعرب غوتيريش عن قلقه.
لكن الخرطوم رفعت مستوى الاعتراض.
فوزير الخارجية السوداني قال في نيويورك إن بلاده تعتبر منع البرهان من المشاركة مخالفة لالتزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاقية المقر المبرمة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة عام 1947.
وهنا أصبحت القضية أكبر من: هل يأتي البرهان إلى نيويورك أم لا؟
لتصبح: هل تستطيع الدولة المضيفة أن تستخدم التأشيرة كأداة ضغط على رئيس وفد دولة عضو في الأمم المتحدة؟
وهو سؤال له أبعاد قانونية وسياسية تتجاوز الحالة السودانية نفسها.
ثالثاً: الشارع السوداني يدخل المعركة
التطور اللافت هو خروج مسيرات واحتجاجات في عدد من الولايات عقب أزمة التأشيرة.
وتداولت وسائل إعلام سودانية مشاهد لمواطنين ينددون بالقرار الأمريكي ويعلنون رفضهم لما اعتبروه مساسًا بالسيادة الوطنية. كما ظهر خطاب شعبي يعتبر أن منع رئيس مجلس السيادة من المشاركة في الجمعية العامة إهانة للسودان وليس مجرد خلاف مع شخص أو حكومة.
لكن في المقابل، ظهرت أصوات سياسية سودانية تنتقد توظيف القضية داخليًا.
ومن بينها مبارك أردول، الذي علّق على موجة الاحتجاجات داعيًا إلى إدارة المصالح السودانية بواقعية، في موقف يكشف أن الانقسام حول طريقة التعامل مع الأزمة الخارجية لا يقل أهمية عن الخلاف حول الأزمة نفسها.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
الاعتراض على قرار واشنطن.
و إدارة المصالح السودانية مع واشنطن.
فرفض القرار لا يعني قطع العلاقة، كما أن الحوار مع واشنطن لا يعني قبول شروطها.
رابعاً: نيويورك ليست فقط أزمة تأشيرة… إنها معركة رواية
الأهم في مؤتمر الخارجية السودانية بنيويورك أن الخرطوم حاولت نقل النقاش من رواية واحدة عن الحرب إلى رواية أكثر اتساعًا.
فبدلاً من أن يبقى الحديث الدولي محصورًا في:
الجيش والدعم السريع والهدنة،
أصبح السودان يطرح:
– التدخلات الخارجية.
– تمويل الحرب.
– خطوط الإمداد.
– الأسلحة العابرة للحدود.
– حماية مؤسسات الدولة.
السيادة الوطنية.
– مستقبل وحدة السودان.
– دور الأطراف الإقليمية.
وهذا تحول مهم في الخطاب الدبلوماسي السوداني.
فإذا كانت الحرب، كما تقول تقارير دولية متعددة، مرتبطة بشبكات دعم خارجي وإمداد بالسلاح، فإن إنهاء الحرب لا يمكن أن يعتمد فقط على مطالبة السودانيين بوقف القتال، وإنما يحتاج أيضًا إلى إغلاق مصادر التمويل والتسليح الخارجية.
خامساً: مصر ترفع سقف الرسالة الإقليمية
في خضم هذا المشهد، جاءت الرسالة المصرية لتضيف بعدًا مهمًا.
فالقاهرة تؤكد بصورة متكررة أن أمن السودان واستقراره يرتبطان مباشرة بأمن مصر والمنطقة، وتدعو إلى الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية.
وفي 20 سبتمبر، عقد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اجتماعًا ثلاثيًا مع وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم ومسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، لبحث خفض التصعيد وتهيئة الظروف لتسوية سياسية. وأكد الجانب المصري أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.
والرسالة المصرية الأكثر أهمية في هذا السياق هي أن أي دعم إقليمي لجماعات مسلحة ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره وساطة محايدة.
وإذا صح التعبير المنسوب إلى القاهرة بأن الطرف الإقليمي الذي يحقق مصالحه عبر دعم جماعات مسلحة يصبح جزءًا مباشرًا من الأزمة، فإن هذه القاعدة ينبغي أن تكون عامة:
لا يمكن لدولة أن تكون جزءًا من الصراع ووسيطًا محايدًا فيه في الوقت نفسه.
وهذا المبدأ، إن طبق بصورة متساوية، يمكن أن يشكل مدخلًا مهمًا لإعادة تقييم أدوار جميع الأطراف الخارجية في الحرب السودانية.
سادساً: الإمارات ومؤتمر مكافحة الجريمة… مفارقة تحتاج إلى إجابات
في 26 سبتمبر، تستضيف أبوظبي الدورة الخامسة عشرة لمؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، الذي يستمر حتى الأول من أكتوبر.
وهو مؤتمر أممي كبير يبحث الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، والاتجار بالبشر والمخدرات، وغسل الأموال، والفساد، والجرائم الإلكترونية، وسيادة القانون والعدالة الجنائية. ومن المتوقع مشاركة ممثلين من أكثر من 97 دولة، بينهم وزراء عدل وداخلية وخبراء ومؤسسات دولية.
من حيث المبدأ، فإن استضافة مثل هذا المؤتمر تعكس أهمية التعاون الدولي في مواجهة الجريمة.
لكن بالنسبة للسودان، تظهر مفارقة سياسية لا يمكن تجاهلها.
فالإمارات تواجه اتهامات متكررة من الحكومة السودانية ومن جهات بحثية وحقوقية بدعم قوات الدعم السريع، بينما تنفي أبوظبي هذه الاتهامات.
وتقرير حكومي بريطاني حديث أشار إلى أن الإمارات نفت اتهامات تقديم دعم مباشر لقوات الدعم السريع، بينما أورد التقرير أيضًا تقييمات من جهات بحثية تتحدث عن دعم مادي إماراتي للقوة. كما أشار إلى وجود شبكات إمداد إقليمية ودولية متعددة تغذي الحرب.
إذن، القضية ليست أن الاتهام أصبح حقيقة بمجرد تكراره، بل القضية هي:
هل يمكن إزالة الشكوك بصورة نهائية عبر تحقيق مستقل وشفاف في مسارات السلاح والتمويل؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى جميع الأطراف الخارجية، وليس الإمارات وحدها.
سابعاً: مؤتمر مكافحة الجريمة يفتح ملف الحرب السودانية
المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عندما نقرأ موضوعات مؤتمر أبوظبي نفسه.
المؤتمر يناقش:
الجريمة المنظمة، والاتجار بالبشر، وغسل الأموال، والفساد، والتدفقات المالية غير المشروعة، والاتجار بالمخدرات، وحماية الضحايا والشهود، وسيادة القانون.
وهذه الملفات كلها موجودة بدرجات مختلفة في البيئة التي أنتجتها الحرب السودانية.
فالحرب خلقت:
– اقتصاد حرب.
– شبكات تهريب.
– تجارة ذهب مرتبطة بالنزاع.
– تهريب سلاح.
– تجنيد مقاتلين.
– تهريب عبر الحدود.
– نزوحًا ولجوءًا واسعًا.
– شبكات مالية عابرة للحدود.
وبالتالي، فإن السودان لا ينبغي أن يكون غائبًا عن النقاش العالمي حول الجريمة المنظمة، بل ينبغي أن يكون في قلبه.
ثامناً: هل المطلوب مكافحة الجريمة أم إدارة صورتها؟
هنا تبرز نقطة أكثر حساسية.
ليس من المنهجي القول إن استضافة الإمارات للمؤتمر تهدف إلى “تبييض صورتها”؛ فهذا استنتاج يتطلب أدلة مباشرة على النية.
لكن من المشروع صحفيًا وسياسيًا طرح السؤال:
هل تستطيع الدول التي تواجه اتهامات متعلقة بدعم أطراف مسلحة أن تقدم للعالم نموذجًا مقنعًا في مكافحة الجريمة المنظمة دون أن تُحسم أولًا ملفات الاتهام المتعلقة بالحروب وشبكات التمويل والسلاح؟
هذه ليست مسألة خاصة بالإمارات.
إنها قاعدة يجب أن تشمل:
واشنطن، وأبوظبي، والقاهرة، وأنقرة، وطهران، وموسكو، وكل دولة أو جهة يثبت تورطها في دعم طرف من أطراف الحرب.
المعيار يجب أن يكون واحدًا.
تاسعاً: السلاح… الحلقة التي لا تريد الحرب الدولية قطعها
منظمة العفو الدولية تتحدث عن تدفق أسلحة إلى السودان من دول متعددة، وتطالب بحظر شامل على السلاح في البلاد، فيما سبق أن طرحت الولايات المتحدة توسيع الحظر الأممي المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان.
لكن المشكلة أن حظر السلاح لا ينجح بمجرد إصدار القرار.
إنما يحتاج إلى:
– مراقبة الحدود.
– مراقبة المطارات.
– مراقبة الموانئ.
– تتبع الشركات الوسيطة.
– مراقبة الذهب والموارد المستخدمة في تمويل الحرب.
– مراقبة الطيران والشحن.
– تتبع الحسابات المالية.
– معاقبة شبكات التهريب.
– نشر نتائج التحقيقات.
وإلا تحول حظر السلاح إلى قرار قانوني قوي على الورق وضعيف في الواقع.
عاشراً: انشقاق جديد في الدعم السريع… ماذا تعني التحولات الداخلية؟
على المستوى العسكري، أعلنت مصادر أن قائدًا منشقًا عن قوات الدعم السريع، الطيب الوحيدو، وصل إلى أم درمان برفقة نحو 50 مقاتلًا وخمس مركبات مسلحة، بحسب ما أوردته سودان تريبيون في 26 سبتمبر. وقال القائد المنشق إنه انفصل بسبب ما وصفه بانتهاكات واسعة داخل القوة. ولم يصدر عن الدعم السريع تعليق فوري على الواقعة.
وهذه ليست أول واقعة من هذا النوع.
فقد شهدت الأشهر الماضية انشقاقات واستسلامات لمجموعات من قوات الدعم السريع، وهو اتجاه رصدته أيضًا تقارير تحليلية دولية. لكن ذلك لا يعني تلقائيًا انهيار القوة أو حسم الحرب، إذ ما تزال قوات الدعم السريع تحتفظ بقدرات ومناطق نفوذ في أجزاء واسعة من السودان.
لكن الانشقاقات تحمل دلالة مهمة:
الحرب لا تقاس فقط بعدد الكيلومترات التي يسيطر عليها أي طرف، وإنما أيضًا بدرجة التماسك الداخلي للقوات والتحالفات التي يعتمد عليها.
الحادي عشر: ظهور حميدتي… سؤال الصورة أكثر من سؤال الصورة نفسها
أما الظهور الأخير لمحمد حمدان دقلو “حميدتي”، والذي أثار اهتمامًا واسعًا، فينبغي التعامل معه بحذر.
فمجرد ظهور قائد سياسي أو عسكري في تسجيل أو صورة لا يكفي وحده للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمكان وجوده، وقدرته على القيادة، وطبيعة الاتصالات التي يجريها.
لكن التوقيت نفسه يستحق التحليل.
فالظهور يأتي في وقت:
تصاعد فيه الضغط الدبلوماسي على طرفي الحرب.
تكثفت فيه المبادرات الدولية للهدنة.
شهدت فيه قوات الدعم السريع انشقاقات جديدة.
عاد فيه ملف التدخل الإقليمي بقوة إلى الواجهة.
وتزايد فيه الحديث عن مستقبل مشروع “تأسيس”.
لذلك فإن أهمية الظهور لا تكمن فقط في الصورة، وإنما في الرسالة السياسية التي يريد أصحابها إيصالها إلى الداخل والخارج.
الثاني عشر: مليونية البرهان… بين التعبير الشعبي والتوظيف السياسي
المسيرات التي خرجت في عدد من المدن السودانية بعد أزمة التأشيرة تعكس وجود قطاع من الشارع يرى أن القرار الأمريكي مساس بالسيادة السودانية.
لكن المشهد يحتاج إلى قراءة متوازنة.
فالتأييد الشعبي لسياسة الحكومة لا يعني أن كل السودانيين يتبنون الموقف نفسه، كما أن الاعتراض على واشنطن لا يعني بالضرورة تأييد كل سياسات السلطة.
وفي المقابل، فإن تجاهل هذه الاحتجاجات أو اختزالها في التعبئة السياسية وحدها قد يكون خطأً في قراءة المزاج العام.
المسألة الأكثر أهمية هي أن أزمة التأشيرة أنتجت قضية سيادة وطنية تتجاوز الانقسام السياسي التقليدي.
الثالث عشر: السودان أمام اختبار دبلوماسي جديد
السودان اليوم لا يواجه فقط حربًا عسكرية، بل يواجه في الوقت نفسه:
اختبارًا دبلوماسيًا
يتعلق بالتمثيل في الأمم المتحدة.
اختبارًا قانونيًا: يتعلق باتفاقية المقر والعقوبات وحظر السلاح.
اختبارًا إقليميًا
يتعلق بمواقف مصر والسعودية والإمارات وغيرها.
اختبارًا أمنيًا:يتعلق بتدفق السلاح والمقاتلين والتمويل.
اختبارًا اقتصاديًا: يتعلق بتراجع العملة وانقسام الاقتصاد بين مناطق النفوذ.
اختبارًا داخليًا: يتعلق بوحدة المؤسسات والدولة ومستقبل العملية السياسية.
وهذه الاختبارات مترابطة.
الرابع عشر: الرسالة المصرية يجب أن تتحول إلى قاعدة دولية
إذا كانت القاعدة التي تطرحها القاهرة هي أن الدولة التي تدعم جماعة مسلحة لتحقيق مصالحها تصبح جزءًا من الأزمة، فإن هذه القاعدة تستحق أن تتحول إلى معيار دولي.
ليس ضد الإمارات فقط.
وليس ضد دولة بعينها.
بل ضد أي طرف خارجي.
فإذا ثبت أن دولة ما تقدم:
سلاحًا، أموالًا، تدريبًا، معلومات استخبارية، مرتزقة، طائرات مسيرة،
وقودًا، أو ممرات لوجستية،
لطرف مسلح في السودان، فإن مسؤوليتها السياسية في إطالة النزاع تصبح موضوعًا مشروعًا للتحقيق والمساءلة.
وهذا هو الطريق الوحيد للخروج من سياسة:
اتهام طرف والتغاضي عن طرف آخر.
الخامس عشر: من نيويورك إلى أبوظبي… معركة السودان أصبحت دولية بالكامل
هناك مشهدان متزامنان:
في نيويورك:
السودان يخوض معركة دبلوماسية حول تأشيرة رئيس مجلس السيادة، وسيادة القرار، والتمثيل في الجمعية العامة.
وفي أبوظبي:
العالم يجتمع لمناقشة منع الجريمة والعدالة الجنائية وسيادة القانون.
وبين المشهدين يقف السودان أمام سؤال شديد الوضوح:
هل يمكن أن يكون السودان موضوعًا للنقاش الدولي دون أن يكون للسودان صوت كامل في صياغة ذلك النقاش؟
هذا هو جوهر الأزمة.
التحليل الاستراتيجي
يمكن تلخيص التطورات الأخيرة في خمس رسائل:
الرسالة الأولى: الخرطوم قررت رفع مستوى المواجهة الدبلوماسية
مؤتمر الخارجية السودانية في نيويورك يعني أن الحكومة لم تعد تريد الاكتفاء بالردود الرسمية، وإنما تسعى إلى مخاطبة الإعلام والمجتمع الدولي مباشرة.
الرسالة الثانية: قضية التأشيرة أصبحت قضية سيادة
لأنها ارتبطت بمشاركة السودان في أعمال الجمعية العامة وبالتزامات الدولة المضيفة تجاه الأمم المتحدة.
الرسالة الثالثة: التدخل الإقليمي أصبح محور الصراع السياسي
وهنا تأتي الرسالة المصرية حول مسؤولية أي طرف إقليمي يدعم جماعات مسلحة، بالتوازي مع الاتهامات والنفي المتبادل حول الدعم الخارجي.
الرسالة الرابعة: الحرب ما زالت تتحرك عسكريًا
فالانشقاقات الجديدة تشير إلى ضغوط داخلية على قوات الدعم السريع، لكنها لا تكفي وحدها لإعلان تغير حاسم في نتيجة الحرب.
الرسالة الخامسة: السودان أصبح جزءًا من صراع دولي على شكل النظام الإقليمي
فالقرن الأفريقي والبحر الأحمر والساحل والشرق الأوسط تتداخل بصورة متزايدة، ولذلك فإن أي تسوية سودانية ستحتاج إلى معالجة البعد الخارجي للحرب إلى جانب البعد الداخلي.
خاتمة: السودان لا يطلب أن يُحارب العالم من أجله، بل أن يطبق العالم معيارًا واحدًا
السودان لا يحتاج إلى أن ينوب عنه أحد في اتخاذ قراره.
ولا يحتاج إلى أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الدولية والإقليمية.
السودان يحتاج إلى سلام حقيقي.
لكنه يحتاج أيضًا إلى سلام يحترم سيادته ووحدة أراضيه، ويضع حدًا لتدفق السلاح والتمويل الخارجي، ويفتح الطريق أمام حوار سوداني واسع.
أما مؤتمر مكافحة الجريمة في أبوظبي، فإنه يضع المجتمع الدولي أمام مفارقة مهمة:
لا يمكن مكافحة الجريمة المنظمة بمعزل عن اقتصاديات الحرب وشبكات السلاح والتمويل والتهريب التي تغذي النزاعات المسلحة.
ولا ينبغي أن تكون هناك معايير متعددة في تقييم الدول والأطراف.
إذا كان دعم الجماعات المسلحة جريمة أو عاملًا في إطالة الحرب، فيجب أن تكون القاعدة واحدة.
وإذا كان السلاح الخارجي يمثل خطرًا على المدنيين، فيجب أن يكون الحظر والمراقبة شاملين.
وإذا كانت المحاسبة مطلوبة، فيجب أن تشمل كل من تثبت مسؤوليته.
وإذا كان السلام هو الهدف، فيجب ألا يتحول الضغط الدبلوماسي إلى وسيلة لإعادة هندسة السودان من الخارج.
إن الرسالة التي خرجت من نيويورك اليوم واضحة:
السودان يريد الحوار، لكنه يريد أن يكون شريكًا في صناعة الحل لا موضوعًا للحل.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى المجتمع الدولي أوضح: أوقفوا الحرب من مصادرها، لا من واجهاتها فقط.
فالحرب السودانية ليست مجرد معارك داخل المدن والولايات؛ إنها شبكة معقدة من السلاح والمال والحدود والمصالح الإقليمية والدولية.
وإذا أريد إنهاؤها فعلًا، فلا بد من تفكيك هذه الشبكة كلها.
السلام في السودان لن يولد من حظر السلاح وحده، ولا من الهدنة وحدها، ولا من الضغط على طرف واحد، وإنما من معالجة جذور الحرب، ووقف الدعم الخارجي لجميع أطرافها، وإعادة بناء الدولة السودانية على أساس السيادة والمؤسسات والقانون.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية:
ليس فقط من يربح الحرب، وإنما أي سودان سيخرج من الحرب.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6286 | ماذا استفاد السودان من مشاركات البرهان السابقة في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة؟!

المقالة التالية

وجه الحقيقة | إثيوبيا.. مأزق ارتداد الحسابات .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *