مقدمة
في قراءةٍ للتاريخ المعاصر خلال العقود الأربعة الأخيرة، يتّضح أنّ ثمّة خيطاً ناظماً يسعى إلى منع أيّ تجربة إسلامية من الوصول إلى السلطة أو الاستقرار فيها، حتى لو جاءت عبر صناديق الاقتراع. ففي عام 1991م أُلغيت نتائج الانتخابات التي فازت بها جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، مروراً بحصار حركة حماس بعد فوزها في انتخابات 2006م، ثمّ حصرها ومحاصرتها في قطاع غزّة. وفي عام 2013م، أُسقط في مصر الرئيس المنتخب محمد مرسي، ثمّ أُسقط حكم حركة النهضة في تونس عام 2021م عبر إجراءات الرئيس قيس سعيّد، ووقعت محاولة الانقلاب الفاشلة على أردوغان في تركيا، وأخيراً أُسقط حكم الإنقاذ في السودان عام 2019م.
ويقود هذا العداء تحالفاتٌ وشبكاتٌ إقليمية ودولية، عبر فيتو دوليٍّ إقليميّ، إذ أصبح منع الإسلاميين من الوصول إلى السلطة قاعدةً راسخةً لا استثناء فيها، تعمل عبر تنسيقٍ موثّقٍ وممنهج، يجمع فاعلين رسميين وغير رسميين. وأيّ تجربةٍ إسلامية — انتخابيةً كانت أم ثورية — تُواجَه بحرب استنزافٍ متعدّدة الأدوات حتى إسقاطها، ما لم تمتلك مقوّمات الحصانة التركية الاستثنائية.
أولاً: خريطة القوى الفاعلة في هذا التحالف
▪️ الولايات المتحدة الأمريكية: توفّر الغطاء القانوني والاستراتيجي، وتتمثّل أدواتها في التصنيف الإرهابي، والعقوبات، والضغط الدبلوماسي.
▪️ إسرائيل: تمثّل العقل الاستراتيجي والتنسيق الاستخباري، عبر الموساد والضغط من خلال اللوبي الصهيوني في واشنطن وأوروبا.
▪️ فرنسا: تقود هذا المحور في أوروبا، مع التركيز على محاربة الإسلام السياسي في الساحل الأفريقي.
▪️ بريطانيا: تضطلع بالدور الدبلوماسي الناعم عبر تقديم مبادرات التسوية المُدارة.
وعلى المستوى الإقليمي:
▪️ الإمارات: القائد الميداني والمموّل، عبر نطاق تدخّلها في العالم العربي، بل وعلى المستوى الدولي.
▪️ مصر السيسي: الذراع العسكري والأمني لهذا الحلف، من خلال تصدير النموذج المضادّ، وتدريب الأجهزة الأمنية للدول في كيفية محاربة الإسلاميين.
▪️ الأردن: حلقةٌ أمنية داعمة، تتجلّى في ملاحقة الإخوان محلياً وإقليمياً.
▪️ البحرين: أحد توابع الإمارات، عبر التطبيع والتنسيق الأمني.
ثانياً: آليات التنسيق الموثّقة
تتمثّل آليات التنسيق والأدوات المستخدمة في الآتي:
1. اللجنة الرباعية: وتضمّ الولايات المتحدة، والإمارات، والسعودية، ومصر.
2. اتفاقات إبراهيم: وتمثّل منظومة تطبيعٍ تجعل من معاداة الإسلام السياسي شرطاً ضمنياً.
3. قوائم الإرهاب المتبادلة: ويجري ذلك بتنسيقٍ إماراتيٍّ سعوديٍّ مصريٍّ أمريكيٍّ في تصنيف كيانات الإخوان.
4. المؤتمرات الدولية الدورية.
5. الشبكات الاستخباراتية: حيث يجري تعاونٌ ثلاثيّ يضمّ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، والموساد، والأجهزة الإماراتية حصراً.
6. الماكينة الإعلامية المشتركة: وعلى رأسها قنوات “سكاي نيوز عربية”، و”الحدث”، و”فرانس 24”.
ثالثاً: الأسباب الحقيقية للعداء
تتمثّل الأسباب الحقيقية للعداء الغربي والإقليمي للإسلاميين في الآتي:
1. البُعد الاستراتيجي والجيوسياسي:
ويهدف إلى رفض نموذج الحكم المستقلّ الذي يمكن أن يتحرّر من التبعية للغرب، والعمل على منع تشكيل كتلةٍ إسلامية متكاملة تمتدّ من المغرب إلى إندونيسيا. ومن ذلك، الحفاظ على الأنظمة العميلة التي تضمن تدفّق الموارد وأمن إسرائيل.
2. البُعد الاقتصادي:
يطرح الإسلاميون نموذجاً اقتصادياً بديلاً يتحدّى منظومة صندوق النقد والبنك الدوليين. كما يخشى الغربُ أن تعمل الجماعةُ على فتح أسواق المنطقة أمام رؤوس الأموال الإسلامية. فضلاً عن أنّ وجودهم في السلطة يهدّد العقود النفطية والعسكرية الغربية طويلة الأمد.
3. البُعد الأمني الإسرائيلي:
يمثّل المشروع الإسلامي الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية، كما يرفض الإسلاميون التطبيع مع إسرائيل والاتفاقات الإبراهيمية، ويقفون حجر عثرةٍ ومهدِّداً لمشروع الشرق الأوسط الجديد القائم على تفكيك الدولة القومية.
4. البُعد الإقليمي الخليجي:
تخشى أنظمة الحكم الوراثية من النموذج الديمقراطي الإسلامي الذي يهدّد شرعيتها، فضلاً عن الرغبة الإماراتية في فرض نموذج الدولة العلمانية الاستبدادية الحداثية بوصفه البديل الوحيد.
5. البُعد الأيديولوجي:
ويتمثّل في ظاهرة “الإسلاموفوبيا” والصراع الحضاري المتجذّر في المؤسسات الغربية، ويصاحبه التصوّر الغربي للإسلام السياسي بوصفه مقدّمةً ضمنيةً للتطرّف والعنف، وبذلك تتحقّق خدمة جماعات الضغط الصهيونية في الكونغرس الأمريكي والبرلمانات الأوروبية.
رابعاً: قراءة قرار البرهان بإقصاء المؤتمر الوطني
هذه الخلفية مهمّةٌ جداً لتحليل قرار الفريق أوّل ركن عبد الفتاح البرهان بإقصاء حزب المؤتمر الوطني من الحوار السياسي الشامل المتوقّع في السودان، والذي أعلن البرهان عن ترتيبات قيامه.
ولا شكّ أنّ القوى التي أسقطت نظام الإنقاذ تخشى عودتهم مرّةً أخرى، خاصّةً بعد انخراطهم الفعّال في دعم القوات المسلّحة، ومشاركة الكتائب المنسوبة إليهم بأكثر من مئة ألف مقاتل، كان لهم دورٌ حاسمٌ في الهزائم التي تكبّدتها الميليشيا، إضافةً إلى فعّالية قادتهم في الاستنفار ولجان الاستنفار على مستوى كافّة الولايات.
لذلك بدأت الضغوط أوّلاً على الإسلاميين لإبعادهم عن القتال إلى جانب القوات المسلّحة، وذلك بإصدار العقوبات على قادتهم، انتهاءً بتصنيف الحركة الإسلامية ولواء البراء منظماتٍ إرهابية. وكان الهدف من هذا التصنيف مزدوجاً:
▪️ أوّلاً: التأثير على الإسلاميين مباشرةً وإبعادهم عن القتال، غير أنّ النتيجة جاءت عكسية، إذ دفع هذا القرارُ شبابَ الإسلاميين إلى التدافع لنصرة القوات المسلّحة.
▪️ ثانياً: توجيه رسالةٍ إلى البرهان شخصياً بألّا يتعامل مع منظمةٍ إرهابية. وعندما لم يستجب البرهان، جرى الضغط عليه مباشرةً على النحو التالي:
أوّلاً: كانت اللجنة الرباعية الدولية التي تضمّ الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر الأداةَ الرئيسية للضغط على البرهان، إذ أصدرت في 12/12/2025م بياناً تضمّن في بنده الرابع نصّاً حاسماً جاء فيه: «لا يمكن أن يُملى مستقبل السودان من قِبل الجماعات المتطرّفة الضعيفة المرتبطة أو الواضحة الصلة بالإخوان المسلمين، التي أسهم تأثيرها المزعزع في تغذية العنف وعدم الاستقرار عبر المنطقة».
ثانياً: في 9/3/2026م، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان كياناً إرهابياً عالمياً مصنّفاً تصنيفاً خاصاً، وفرضت عقوباتٍ على د. جبريل إبراهيم وكتيبة البراء.
ثالثاً: كانت الدول الفاعلة في الضغط على البرهان:
▪️ الإمارات: القائد الميداني للحملة، من خلال دعمها لقوات الدعم السريع عسكرياً، وتمويل الحملات الإعلامية، فضلاً عن كونها هي من صاغت بيان الرباعية.
▪️ الولايات المتحدة: التي وفّرت الغطاء القانوني والدولي بتصنيف الجماعة إرهابية، وفرض عقوباتٍ على منسوبيها.
▪️ مصر: من خلال مشاركتها في الرباعية، واعتقال قائد كتيبة البراء “المصباح” في أغسطس 2025م. وهنا لا بدّ من التفريق في الموقف المصري الداعم للجيش الرافض للدعم السريع؛ حتى موقفها من الإسلاميين متجاذبٌ بين عدم رضاها عن دعمهم للجيش، وموقفها الرافض الصريح لأيّ دورٍ سياسيّ لهم.
▪️ إسرائيل: الفاعل القوي من وراء الستار، عبر التنسيق الاستخباراتي، والمحرّك الأساسي للضغط من خلال واشنطن.
خامساً: البرهان بين المطرقة والسندان
ممّا لا شكّ فيه أنّ البرهان يواجه موقفاً معقّداً نتيجةً لهذه الضغوط الخارجية، وحتى من الداخل الذي تربطه بالإسلاميين معادلةٌ صفرية، ومن أولئك السياسيين الذين قرأوا مشاركة الإسلاميين في القتال بوصفها مؤشّراً لعودتهم عبر صناديق الاقتراع. وفي المقابل، فإنّ البرهان يدرك تماماً دورهم الفعّال في القتال، ودورهم المؤثّر مع غيرهم من القوى المساندة في هزيمة التمرّد.
وقد حاول البرهان في وقتٍ مبكّرٍ الاستجابةَ للضغوط بإبعاد الإسلاميين؛ ففي خطابه بتاريخ 9/2/2025م، مخاطباً القوى السياسية، وجّه البرهان انتقاداتٍ وتحذيراتٍ لحزب المؤتمر الوطني والتيّار الإسلامي بشأن السعي للعودة إلى السلطة واحتكار الحكم. غير أنّه يبدو أنّه تعرّض لضغوطٍ خاصّة من القادة المقاتلين الذين أدركوا فعّالية الإسلاميين في القتال، كما أدركوا خطورة تصريحات البرهان. فبعد أربعة أيّامٍ من خطاب بورتسودان، ومن خلال تفقّده منطقة أم درمان العسكرية، خاطب القوات في يوم 13/2/2025م، قائلاً إنّ القوات المسلّحة لن تتخلّى عن أيّ شخصٍ أو فصيلٍ أو مواطنٍ قاتَل إلى جانب الجيش، وإنّ الجميع سيكونون شركاء في المشروع السياسي المستقبلي دون استبعاد أحد.
كما أعلن بعد ذلك، مخاطباً الرأي العام العالمي وخاصّةً الأمريكي: «لا إخوان في الجيش السوداني، والجيش لا يخضع إلا للوطن».
سادساً: خلاصة التحليل
نخلص ممّا سبق إلى أنّ قرار البرهان بإقصاء المؤتمر الوطني ليس قراراً سيادياً خالصاً، بل هو حصيلة معادلةٍ معقّدة تتفاعل فيها العوامل التالية:
العوامل الخارجية:
▪️ الضغط الأمريكي بأدواته المختلفة.
▪️ الشرط الإماراتي في أيّ تسويةٍ سياسية.
▪️ الاشتراطات الغربية للاعتراف بشرعية الجيش.
▪️ التلويح بالعقوبات على قيادات الجيش.
العوامل الداخلية:
▪️ محاولة البرهان تلميع صورته دولياً بوصفه مدنياً معتدلاً.
▪️ الرغبة في احتكار السلطة بعد نهاية الحرب.
▪️ التخلّص من شركاء قد يفرضون شروطهم بعد الانتصار.
▪️ إرضاء قطاعاتٍ من الرأي العام السوداني المعادية للنظام السابق.
سابعاً: السيناريوهات المتوقّعة
ونتوقّع، مع الأخذ في الحسبان التعقيدات التي تواجه البرهان، أنّه اليوم أمام مجموعةٍ من الخيارات المطروحة عليه من الخارج:
1. الإبقاء على الدعم السريع.
2. عودة تحالف “صمود”.
3. إبعاد الإسلاميين.
وسوف يجري التوافق بين الطرفين على الآتي:
1. أن يقبل الخارج بعدم عودة الدعم السريع.
2. أن يقبل البرهان بإبعاد الإسلاميين، ويتّفق الطرفان على عودة “صمود”.
ويبقى السؤال الذي لا بدّ أن يكون حاضراً في ذهن البرهان: هل عودة “صمود” والتضحية بالإسلاميين (إقصاؤهم) يحقّق الاستقرار؟
وتبقى هذه الفرضية قائمةً على أنّه قد جرى توافقٌ بين الخارج، ممثّلاً في أمريكا والإمارات، سواءٌ كان ذلك عن طريقٍ مباشرٍ أو عن طريق وسطاء. وبالتالي، فإنّ عودة “صمود” تعني عودة السيّد عبد الله حمدوك رئيساً للوزراء بطاقمه السابق، لأنّ أمريكا والإمارات لن تقبلا بغير ذلك. فإذا قبل البرهان بذلك، ففي تقديري سيكون ذلك نهايةً للبرهان، بسبب الرفض الواسع وعدم القبول من تيّار “حرب الكرامة” الذي يضمّ غالبية الشعب السوداني، وربّما مثّل ذلك نهاية السودان.
أمّا إذا كانت الفرضية قائمةً على اجتهاداتٍ من البرهان كمحاولةٍ لإرضاء الخارج، فلن يقبل الخارجُ بذلك، ولن تشارك “صمود”، لأنّ الأمر ليس بيدها، فهي أداةٌ من أدوات الخارج لإنفاذ المشروع الغربي الإماراتي في السودان.
خاتمة
يبقى أخيراً أنّ الترتيبات الجارية لقيام الحوار السوداني قرارٌ غير موفّقٍ من حيث التوقيت، وكان الأوفق الانتظار حتى حسم التمرّد الذي أصبح وشيكاً، ثمّ بعد ذلك يُجرى الحوار مهما كان شكله، وبالتأكيد ستكون نتائجه السالبة محدودة.


