مقدمة
دخلت الحرب في السودان مرحلة أكثر تعقيداً، لم يعد فيها الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وإنما أصبح صراعاً متعدد المستويات تتداخل فيه التطورات الميدانية مع المبادرات السياسية، والضغوط الدولية، والتحالفات الإقليمية، ومسارات الإمداد عبر دول الجوار.
وتأتي هذه التطورات في وقت يحاول فيه الجيش السوداني استعادة زمام المبادرة في عدد من الجبهات، بينما تواجه قوات الدعم السريع ضغوطاً عسكرية وسياسية متزايدة، بالتزامن مع استمرار الانشقاقات وإعادة ترتيب التحالفات داخل المشهد السوداني.
وفي المقابل، برز المسار السياسي بقوة، خصوصاً الحوار السوداني–السوداني من الداخل، في مواجهة المبادرات الدولية التي تسعى إلى فرض مسار تفاوضي أوسع، وعلى رأسها المبادرة الأمريكية ذات المحاور الخمسة. �
The New Arab +١
وهنا يبرز السؤال المركزي:
هل تسعى واشنطن فعلاً إلى إنهاء الحرب، أم أن شروطها وطريقة إدارتها للمسار السياسي قد تؤدي بصورة غير مباشرة إلى تعطيل الحوار الداخلي وإبطاء التحولات العسكرية التي قد تفرض واقعاً جديداً على الأرض؟
أولاً: الحرب تدخل مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الحرب تتحرك باتجاه مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي محاولة كل طرف تحسين موقعه قبل أي تسوية سياسية نهائية.
فالجيش السوداني لا ينظر إلى التفاوض باعتباره بديلاً عن العمل العسكري، وإنما يبدو أنه يسعى إلى تحسين شروط التفاوض من خلال استعادة المبادرة الميدانية، وتأمين المناطق التي استعادها، وتوسيع قدرته على حماية خطوط الإمداد والمراكز الحيوية.
وفي المقابل، فإن قوات الدعم السريع تواجه تحدياً يتمثل في اتساع الجبهات، وتراجع بعض المواقع، وظهور مؤشرات على انشقاقات داخلية، فضلاً عن الضغوط التي تتعرض لها خطوط الإمداد.
وتكمن أهمية المرحلة الحالية في أن الميدان أصبح جزءاً من عملية التفاوض نفسها؛ فكل تقدم عسكري قد يتحول إلى ورقة سياسية، وكل تراجع قد يفرض على الطرف المتراجع قبول شروط كان يرفضها سابقاً.
ثانياً: الحوار السوداني–السوداني… معركة الجبهة الداخلية
يمثل الحوار السوداني–السوداني من الداخل أحد أهم التطورات السياسية في المرحلة الراهنة.
فالمبادرة التي أطلقها الفريق أول عبد الفتاح البرهان لا تقتصر أهميتها على الدعوة إلى الحوار، وإنما تحمل فكرة أكثر عمقاً، وهي إعادة بناء الجبهة الداخلية السودانية بعد سنوات من الاستقطاب والانقسام.
وقد أكد البرهان استعداده لتقديم ضمانات للمشاركين في الحوار، مع استبعاد عودة الدعم السريع إلى السلطة أو المشهد العسكري بصورته السابقة. �
Al Jazeera
وتكمن قوة الحوار الداخلي في أنه يخاطب قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، بما فيها القوى السياسية، والإدارات الأهلية، والطرق الصوفية، والنازحون، والضحايا، والقوى الاجتماعية التي ظلت بعيدة عن مراكز صناعة القرار.
ومن هنا فإن الحوار الداخلي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منافساً للمبادرات الدولية، وإنما باعتباره المسار الذي يمكن أن يمنح أي تسوية دولية لاحقة شرعيتها السودانية.
ثالثاً: الخماسية الدولية بين الضغط والقبول
أصبحت الآلية الخماسية الدولية واحدة من أبرز أدوات إدارة الأزمة السودانية.
لكن مواقف القوى السودانية منها تتغير بصورة واضحة؛ ففي بعض الأحيان ترى فيها بعض القوى السياسية فرصة لإنهاء الحرب، وفي أحيان أخرى تعتبرها محاولة لفرض تسوية سياسية من الخارج.
وهذا التذبذب يعكس مشكلة أساسية:
هل تستطيع الآلية الدولية أن تساعد السودانيين على الوصول إلى تسوية، أم أنها ستصبح طرفاً في إعادة تشكيل المشهد السياسي؟
وتزداد حساسية السؤال مع ظهور الموقف الأمريكي الجديد، الذي يقوم على خطة متعددة المحاور لإنهاء الحرب تشمل الهدنة الإنسانية، وإيصال المساعدات، ومساراً سياسياً، وإعادة بناء الدولة. �
The New Arab +١
غير أن الخرطوم أبدت تحفظات على بعض جوانب الخطة، خصوصاً ما يتعلق بالمسار السياسي وترتيبات الانتقال. �
Sudan Tribune
رابعاً: هل تريد واشنطن السلام أم إعادة ضبط موازين الحرب؟
من الخطأ الاستراتيجي افتراض أن السياسة الأمريكية تجاه السودان تتحرك وفق هدف واحد.
فالولايات المتحدة لديها عدة مصالح متزامنة:
منع انهيار الدولة السودانية.
حماية أمن البحر الأحمر.
الحد من تمدد القوى الإقليمية المنافسة.
مكافحة شبكات السلاح والمرتزقة.
منع تحول السودان إلى ساحة نفوذ مفتوحة للقوى الدولية والإقليمية.
ضمان وجود مسار سياسي يمكن أن تنتج عنه حكومة مقبولة دولياً.
لكن السؤال الأكثر حساسية هو: هل تتعارض هذه الأهداف أحياناً مع مسار الحوار السوداني الداخلي؟
الإجابة تحتاج إلى التفريق بين النية والنتيجة.
فقد لا تكون واشنطن راغبة في تعطيل الحوار الداخلي، لكنها قد ترى أن أي تسوية يجب أن تمر عبر ترتيبات سياسية تضمن مشاركة مدنية واسعة، ولذلك قد تمارس ضغطاً على الخرطوم أو الأطراف الأخرى لقبول صيغة معينة.
ومن ثم فإن المشكلة ليست بالضرورة في وجود ضغط أمريكي، وإنما في حدود هذا الضغط ومدى توافقه مع الإرادة السودانية.
خامساً: هل الأجندة أمريكية أم إسرائيلية؟
تطرح بعض القراءات السياسية فرضية وجود أجندة إسرائيلية أو تأثير للوبيات المؤيدة لإسرائيل في صياغة السياسة الأمريكية تجاه السودان.
لكن القراءة الأكاديمية تتطلب الحذر من تحويل هذه الفرضية إلى حقيقة دون أدلة موثقة.
الأكثر دقة هو القول إن السودان يقع في منطقة ترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، ومصر، وإثيوبيا، والقرن الأفريقي، والخليج، وبالتالي فإن الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الإقليمية لديها مصالح استراتيجية في مستقبل الدولة السودانية.
ومن هنا فإن توافق بعض المصالح الأمريكية والإسرائيلية لا يعني بالضرورة أن السياسة الأمريكية تجاه السودان تُدار بالكامل من إسرائيل.
لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أهمية البحر الأحمر وموقع السودان في الحسابات الإسرائيلية والأمريكية والإقليمية.
سادساً: التحالف السعودي–التركي–الباكستاني ومتغير السودان
شهد الإقليم تطوراً استراتيجياً بالغ الأهمية بتوقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاق الدفاع المشترك في مكة في 7 أغسطس 2026. وينص الاتفاق على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، مع تعزيز التعاون الدفاعي والأمني. �
Reuters +١
وهذا التطور لا يعني تلقائياً نشوء محور موجه ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل، لكنه يعكس اتجاهاً نحو زيادة الاعتماد على القدرات الإقليمية الذاتية.
ويمثل السودان أحد الملفات التي يمكن أن تستفيد من هذا التحول، خصوصاً مع تنامي العلاقات السودانية–التركية، والتعاون السعودي، والانفتاح على باكستان.
والأهم أن السودان يمتلك موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر، ما يجعله جزءاً من أي إعادة ترتيب للأمن الإقليمي.
وبذلك يمكن أن يتحول السودان تدريجياً من ساحة تنافس إقليمي إلى جزء من منظومة أمن إقليمي جديدة متعددة الأطراف.
سابعاً: هل يبتعد السودان عن الهيمنة الإماراتية؟
من الضروري التمييز بين الاتهامات السياسية والأدلة المثبتة.
لكن من منظور استراتيجي، فإن تنامي العلاقات السودانية مع السعودية وتركيا وباكستان يمكن أن يحد من قدرة أي دولة منفردة على احتكار التأثير في القرار السوداني.
وهنا تظهر أهمية تنويع الشراكات.
فكلما تعددت علاقات السودان الخارجية مع قوى إقليمية مختلفة، أصبح من الصعب على طرف واحد فرض أجندته بصورة منفردة.
لكن ذلك لا يعني انتقال السودان من هيمنة إماراتية مفترضة إلى هيمنة تركية أو سعودية أو أمريكية؛ فالهدف الاستراتيجي الأفضل للسودان هو بناء سياسة خارجية متوازنة تقوم على تعدد الشراكات واستقلال القرار الوطني.
ثامناً: تشاد تدخل بصورة أكثر وضوحاً على خط الحرب
تمثل الحدود السودانية–التشادية واحدة من أخطر مسارح الحرب.
فقد تحولت الحدود خلال السنوات الماضية إلى منطقة ترتبط بحركة السلاح والمقاتلين والإمدادات واللاجئين، بينما تبادل السودان وتشاد الاتهامات بشأن التدخلات والعمليات العابرة للحدود.
وفي مارس 2026، اتهمت السلطات التشادية أطرافاً في الحرب السودانية بشن هجوم بطائرة مسيرة على الأراضي التشادية، في حادث أدى إلى سقوط قتلى، ما يؤكد أن الحرب لم تعد محصورة داخل الحدود السودانية. �
Al Jazeera
كما أن تقارير حديثة تحدثت عن اتهامات تشادية للقوات السودانية بخرق الحدود، وهي اتهامات تحتاج إلى تحقيق مستقل قبل اعتمادها كوقائع نهائية. �
Zagazola Media Network
وهنا تكمن الخطورة:
إذا تحولت الحدود التشادية إلى جبهة عسكرية مفتوحة، فإن الحرب السودانية قد تنتقل من صراع إقليمي بالوكالة إلى صراع مباشر بين دول الجوار.
تاسعاً: الجيش السوداني وتشاد… من الاتهام إلى المواجهة؟
ينبغي التعامل مع الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأنجمينا بحذر.
فالسودان يتهم تشاد بتسهيل حركة الإمدادات لقوات الدعم السريع، بينما ترفض تشاد هذه الاتهامات وتتهم أطرافاً سودانية بانتهاك أراضيها.
لكن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى أخطر سيناريو:
تحول تشاد من دولة مجاورة متأثرة بالحرب إلى طرف مباشر فيها.
وهذا سيكون كارثياً على الأمن الإقليمي، لأن الحدود السودانية–التشادية تمتد عبر مناطق هشة أمنياً، وتتشابك فيها القبائل وحركة التجارة والهجرة.
كما أن استمرار الحرب في دارفور يهدد بإحداث تأثيرات مباشرة على الاستقرار الداخلي في تشاد نفسها، وهو ما حذرت منه تحليلات إقليمية خلال الأشهر الأخيرة. �
Crisis Group
عاشراً: الحرب لم تعد سودانية فقط
يمكن قراءة التطورات الحالية من خلال أربعة مستويات مترابطة:
المستوى الأول: داخلي
الصراع بين الجيش والدعم السريع، وإعادة بناء الدولة والجبهة الداخلية.
المستوى الثاني: إقليمي
التدخلات والتنافس بين دول الخليج والقرن الأفريقي ودول الجوار.
المستوى الثالث: دولي
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
المستوى الرابع: استراتيجي
البحر الأحمر، الطاقة، الموانئ، الذهب، الزراعة، النيل، والموقع الجغرافي للسودان.
وهذا يعني أن أي تسوية للحرب يجب أن تعالج المستويات الأربعة في وقت واحد.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: تسوية سياسية تدريجية
يتطور الحوار السوداني الداخلي بالتوازي مع الضغوط الدولية، ويتم الوصول إلى هدنة ثم ترتيبات سياسية تدريجية.
وهذا السيناريو هو الأفضل للسودان، لكنه يحتاج إلى توافق حقيقي بين القوى الداخلية وعدم فرض تسوية جاهزة من الخارج.
السيناريو الثاني: استمرار الحرب مع تصاعد الضغوط الدولية
تستمر العمليات العسكرية، بينما تستخدم الولايات المتحدة والقوى الدولية العقوبات والضغوط السياسية والإنسانية لدفع الأطراف نحو التفاوض.
السيناريو الثالث: إعادة تشكيل التحالفات
يتجه السودان إلى توسيع شراكاته مع السعودية وتركيا وباكستان، مع استمرار علاقاته مع مصر ودول أخرى، بما يؤدي إلى خلق توازن إقليمي جديد. ويأتي ذلك في سياق التحالف الدفاعي الثلاثي الجديد بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد. �
Reuters
السيناريو الرابع: اتساع الحرب إقليمياً
إذا تزامن استمرار الحرب مع تصاعد التوتر مع تشاد وإثيوبيا، فقد تتحول الحدود السودانية إلى جبهات إضافية، الأمر الذي سيجعل احتواء الحرب أكثر صعوبة.
القراءة الاستراتيجية
السودان يقف أمام مرحلة مفصلية.
فالمعركة لم تعد فقط بين الجيش والدعم السريع، وإنما أصبحت معركة على شكل الدولة السودانية بعد الحرب، ومن يمتلك حق تحديد مستقبلها السياسي والأمني، ومن يملك التأثير الأكبر في قرارها الخارجي.
ومن هنا فإن الحوار السوداني–السوداني يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الجبهة الداخلية، لكن نجاحه يتطلب ألا يتحول إلى محاصصة حزبية جديدة، وألا يكون مجرد واجهة لإعادة إنتاج الأزمة.
وفي المقابل، فإن المبادرات الدولية يمكن أن تكون مفيدة إذا ساعدت السودانيين على الوصول إلى السلام، لكنها تصبح مشكلة عندما تتحول من وساطة إلى وصاية.
أما التحولات الإقليمية، وعلى رأسها التقارب السعودي–التركي–الباكستاني، فتفتح أمام السودان فرصة لتنويع علاقاته الاستراتيجية، بشرط أن يحافظ على استقلال قراره الوطني. �
IISS
الخلاصة
السودان يدخل مرحلة جديدة من الحرب عنوانها الميدان والسياسة والتحالفات.
فالتطورات العسكرية تعيد تشكيل موازين القوى، والحوار الداخلي يحاول استعادة الجبهة الوطنية، والخماسية الدولية تضغط باتجاه تسوية، بينما تتشكل في الإقليم تحالفات جديدة قد تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مستقبل السودان.
أما تشاد، فتظل الحلقة الأكثر حساسية على الجبهة الغربية، بينما يمثل البحر الأحمر والنيل والحدود الإثيوبية دوائر أمنية لا يمكن فصلها عن مستقبل الدولة السودانية.
ولذلك فإن المصلحة السودانية تقتضي بناء مسار وطني مستقل للسلام، يستفيد من الدعم الإقليمي والدولي دون أن يتحول إلى رهينة له، بالتوازي مع استمرار حماية الدولة ومؤسساتها ومنع تفككها.
إن المعركة الحقيقية بعد الحرب لن تكون فقط: من انتصر عسكرياً؟ وإنما: من يستطيع إعادة بناء الدولة السودانية، ومن يملك قرارها، وكيف يحافظ السودان على استقلاله وسط صراع إقليمي ودولي متزايد؟
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


