Popular Now

جذور و أوراق .. الثقافة والسلوك المجتمعي (3) .. موفق عبدالرحمن

المولد النبوي … حين تصبح الذكرى وفاءً، والاحتفاء بالسيرة إحياءً وحياة .. د. أحمد الطيب السماني .. أستاذ الإدارة والتنمية

من جهة اخرى .. حميدتي.. هل انت مستعد؟!.. عبود عبدالرحيم

المولد النبوي … حين تصبح الذكرى وفاءً، والاحتفاء بالسيرة إحياءً وحياة .. د. أحمد الطيب السماني .. أستاذ الإدارة والتنمية

في كل عام، حين تحل ذكرى مولد المصطفى ﷺ، يثار نقاش حول مشروعية الاحتفال بالمولد، ويذهب بعض الناس إلى وصفه بالبدعة.

وأنا لا أريد أن أدخل في جدل مع أحد، ولا أن أحوّل مناسبة تجمع القلوب على محبة رسول الله ﷺ إلى ساحة خلاف بين المسلمين؛ فهذه قضية تناولها العلماء قديماً وحديثاً، واختلفوا في صورتها وحكمها.

لكنني أريد أن أقارب المسألة من زاوية أخرى، في زمن أصبح فيه بعض شبابنا أحوج ما يكون إلى الذكرى، وإلى معرفة نبيه ﷺ، وإلى استعادة سيرته في مواجهة ما يحيط بهم من أفكار وشبهات.

ودعوني أبدأ بهذا السؤال للجميع:

هل تذكّر رسول الله ﷺ، وقراءة سيرته، والصلاة والسلام عليه، وتعريف الأجيال بأخلاقه وشمائله وسنته، أمر ينبغي أن نختلف حوله؟

ظني أنه لا خلاف في ذلك.

إن الاحتفاء بالنبي ﷺ لا يعني أن الإنسان يحتفل بميلاده كما يحتفل الإنسان بميلاد نفسه أو أبنائه؛ فهذه مقارنة ليست في محلها. والنبي ﷺ لم يكن ممن يقيمون احتفالاً سنوياً بميلاده، لأنه كان بين أصحابه، وكانت سيرته حاضرة في حياتهم، وكانوا يرونه ويعيشون معه ويتعلمون منه مباشرة.

لكن النبي ﷺ علّمنا قيمة الذكرى التي تحمل معنى، واستحضار النعمة وتذكّر فضل الله.

ومن الشواهد الصحيحة على ذلك صيام يوم عاشوراء؛ فعندما قدم النبي ﷺ المدينة ورأى اليهود يصومونه، سأل عن ذلك، فقيل له: إنه يوم نجّى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فقال ﷺ:

«نحن أحق بموسى منكم»

فصامه وأمر بصيامه.

إنها دلالة مهمة: استحضار حدث عظيم في التاريخ يمكن أن يكون مناسبة لتجديد المعنى والارتباط بالقيمة التي يحملها ذلك الحدث.

ومن أبلغ الشواهد كذلك ما حدث بعد غزوة حنين.

فبعد أن فتح الله على المسلمين، وقُسّمت الغنائم، أعطى النبي ﷺ بعض المؤلفة قلوبهم من قريش وغيرها عطاءً كبيراً، فوجد بعض الأنصار في أنفسهم شيئاً من ذلك.

فجمعهم رسول الله ﷺ وخاطبهم خطاباً من أعظم خطب التربية والقيادة في التاريخ.

قال لهم:

«أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لُعاعةٍ من الدنيا تألّفتُ بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟»

ثم قال كلمته التي ينبغي أن تبقى حاضرة في وجدان كل مسلم:

«أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟»

فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا:

«رضينا برسول الله قَسْماً وحظاً.»

تأملوا هذا المشهد العظيم.

لم يقل لهم: أنتم خسرتم الغنائم.

بل ذكّرهم بما هو أعظم وأبقى من الغنائم.

الناس ذهبوا بالشاة والبعير، أما الأنصار فقد عادوا برسول الله ﷺ.

وهنا درس بالغ:

قد تكون قيمة الإنسان فيما يحمله معه من معنى، لا فيما يحمله من متاع.

ولهذا فإن تذكير الأمة بنبيها ﷺ ليس ترفاً ولا مناسبة عابرة؛ بل هو تذكير بالمنهج الذي جاء به، وبالقيم التي حملها، وبالسيرة التي صنعت أمة.

نحن لا نحتاج إلى المولد بقدر حاجتنا إلى محمد ﷺ

المشكلة ليست في أن نتذكر مولده ﷺ، وإنما في أن نذكر مولده ولا نتذكر رسالته.

أن نكثر من المدائح ولا نأخذ من أخلاقه.

أن نصلي عليه بألسنتنا ثم نخالف سنته في معاملاتنا.

أن نتحدث عن رحمته ثم نقسو على الناس.

أن نتحدث عن أمانته ثم نتهاون في الأمانة.

أن نتغنى بسيرته ثم لا نقرأها، ولا نعلّمها أبناءنا.

إن أعظم احتفاء بالنبي ﷺ أن تعود سنته إلى حياتنا.

قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾
[الأحزاب: 21]

وقال سبحانه:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾
[آل عمران: 31]

إذن المحبة الحقيقية ليست كلمات فقط؛

المحبة اتباع.

وفي زمننا هذا، تزداد حاجتنا إلى تذكّر السنة

نحن نعيش زمناً أصبحت فيه المعلومة تنتشر في ثوانٍ، وأصبح التشكيك في الثوابت يصل إلى الصغير قبل الكبير، وتختلط الحقيقة بالرأي، والعلم بالشائعة، والدليل بالانطباع.

والتشكيك لا يبدأ دائماً بالهجوم المباشر.

أحياناً يبدأ بسؤال.

ثم شبهة.

ثم التشكيك في مصدر.

ثم التشكيك في حديث.

ثم التشكيك في السنة.

ثم التشكيك في نقل القرآن أو في تفسيره.

ثم يصل الأمر، خطوة بعد خطوة، إلى التشكيك في أصل الدين.

ولهذا فإن تعليم السنة الصحيحة، وقراءة السيرة النبوية قراءة واعية، وتعريف الأجيال بمصادر دينها، أصبح مسؤولية تربوية وفكرية بالغة الأهمية.

ولا يكون ذلك بالصراخ على المخالف، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بالعلم، والحجة، والحكمة، وحسن الخطاب.

قال تعالى:

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[النحل: 125]

إننا لا نحتاج إلى معركة حول المولد بقدر ما نحتاج إلى معركة معرفية هادئة لاستعادة السيرة والسنة إلى حياة المسلمين.

فليقرأ أبناؤنا سيرة النبي ﷺ.

وليعرفوا كيف كان قائداً.

وكيف كان زوجاً.

وكيف كان أباً.

وكيف كان معلماً.

وكيف كان قاضياً.

وكيف كان يتعامل مع المخالف.

وكيف كان يعفو.

وكيف كان يرحم.

وكيف كان يبني الإنسان قبل أن يبني الدولة.

وليس المطلوب أن نتفق في كل التفاصيل

من لا يرى الاحتفال بالمولد مشروعاً، فله رأيه الذي يستند إليه، ولا ينبغي أن نجعله خصماً في الدين.

ومن يرى إحياء هذه الذكرى بقراءة السيرة، والصلاة على النبي ﷺ، وإطعام الطعام، ونحو ذلك، فليجعلها مناسبة للخير والعلم والذكر، وليجتنب ما يخالف الشرع.

فالاختلاف في صورة المناسبة لا ينبغي أن يحجب عنا عظمة صاحب الرسالة.

نتفق على محمد ﷺ.

نتفق على الصلاة والسلام عليه.

نتفق على محبته.

نتفق على قراءة سيرته.

نتفق على الاقتداء به.

نتفق على أن سنته مصدر هداية للمؤمنين.

ونتفق قبل ذلك كله على قول الله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]

فإذا كان الناس يحتفلون بذكرى ميلاد أبنائهم، ويستعيدون ذكرى تأسيس أوطانهم، ويخلّدون ذكرى عظماء تاريخهم؛ فليس غريباً أن يستغل المسلمون ذكرى مولد نبيهم ﷺ ليعرّفوا أبناءهم بمن كان، وماذا جاء به، وكيف غيّر وجه التاريخ، وكيف ينبغي أن يكون أثره في حياتهم.

وليس الاحتفاء الحقيقي أن نملأ المساجد والساحات في يوم واحد، ثم نغلق صفحة السيرة بعد انتهاء المناسبة.

الاحتفاء الحقيقي أن نفتح السيرة طوال العام.

أن نعيد محمداً ﷺ إلى البيت.

إلى المدرسة.

إلى الجامعة.

إلى المنبر.

إلى الإدارة.

إلى القيادة.

إلى أخلاق السوق.

إلى تربية الأبناء.

إلى علاقات الناس بعضهم ببعض.

فذلك هو الاحتفاء الذي يصنع أثراً.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم:

هل تحتفل بالمولد أم لا؟

بل السؤال الذي ينبغي أن يسأل كل واحد منا نفسه:

كم من هدي محمد ﷺ يعيش في أخلاقنا وسلوكنا وحياتنا؟

فإن كان المولد سيقودنا إلى السيرة، والسيرة إلى المحبة، والمحبة إلى الاتباع، والاتباع إلى الأخلاق، والأخلاق إلى إصلاح الإنسان والمجتمع؛

فقد فهمنا معنى الذكرى.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، واجعلنا من أهل سنته، المحبين له، المتبعين لهديه، العاملين بأخلاقه، واحشرنا في زمرته، واسقنا من حوضه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبداً.
ودمتم محبين لرسول الله ﷺ.

المقالة السابقة

من جهة اخرى .. حميدتي.. هل انت مستعد؟!.. عبود عبدالرحيم

المقالة التالية

جذور و أوراق .. الثقافة والسلوك المجتمعي (3) .. موفق عبدالرحمن

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *