Popular Now

ماذا بعد انهيار المشروع السياسي والعسكري للدعم السريع؟ (2-2) .. العبيد أحمد مروح

عندما يصبح توفير لقمة العيش عبئاً نفسياً .. أثر الحرب وغلاء المعيشة على الصحة النفسية للأسرة السودانية .. د. حنان درار سيد ادريس

وجه الحقيقة | الحوار السوداني.. ما قبل الطاولة .. إبراهيم شقلاوي

البرهان في القيادة العامة: أربع ساعات لتأسيس شرعية ما بعد الحرب .. قراءة تحليلية في خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام ملتقى الإعلاميين السودانيين .. د. خالد حسين محمد

مقدمة
في العاشر من سبتمبر 2026م، عقد الفريق أول عبد الفتاح البرهان لقاءً مطوّلاً استمر أربع ساعات مع أكثر من مئتي صحفي وإعلامي داخل القيادة العامة، ضمن ملتقى الإعلاميين السودانيين في دورته الأولى منذ اندلاع الحرب. لم يُنشر تسجيل اللقاء حتى لحظة إعداد هذا التحليل، ولذلك اعتمدتُ فيه على خمس شهادات مكتوبة لصحفيين حضروا اللقاء: حسن إسماعيل الذي سجّل النص الخام في نقاط، ومحمد جمال غندور في تقرير إخباري، ومحمد عبد القادر في مقال رأي، وعبد الماجد عبد الحميد في تحليل نقدي، إضافة إلى شهادة خامسة استُقي منها بعض التفاصيل التكميلية.

اللقاء لم يكن مجرد “مؤتمر صحفي” عابر، بل كان – كما تكشف قراءة توقيته ومكانه وجمهوره – محطة مُخطَّطاً لها بعناية ضمن مسار متكامل لإعادة تأسيس شرعية الدولة والمؤسسة العسكرية إعلامياً ومؤسسياً، لا عسكرياً فقط. هذا ما يحاول هذا التحليل تفكيكه.

أولاً: من نظّم؟ ومن موّل؟ ومن استضاف؟

جاء التجمع تحت مظلة الاتحاد العام للصحفيين السودانيين، المرتبط تاريخياً بالدولة والمسجَّل عبر سجل تنظيمات العمل، وانعقد الملتقى تحت عنوان “منتدى قضايا الإعلام”. خاطب الملتقى رئيس الوزراء، ومدير الاستخبارات العامة، ووزير المالية، ورئيس مجلس السيادة. هذا الحضور السيادي الكامل يوحي بأن نقابة الصحفيين كانت مجرد واجهة، ويؤكد ذلك أن اتحاد الصحفيين دشّن مبناه بالخرطوم بواسطة والي الخرطوم قبل أسبوعين فقط من انعقاد الملتقى. كذلك فإن اللقاء الختامي انعقد داخل القيادة العامة لمدة أربع ساعات، في بلد يعيش حالة حرب، من غير ترتيب أمني وبروتوكول مباشر مع مكتب القائد العام – وهو ما لا يحدث من غير تخطيط مسبق.

الاتحاد كان الغطاء النقابي الشرعي، فيما كان مكتب السيد البرهان – غالباً عبر إدارة الإعلام بالقوات المسلحة – هو الجهة الفعلية المستضيفة. ورغم عدم الإفصاح الرسمي عن أي جهة ممولة، فإن الاتحاد العام للصحفيين لا يملك قدرة مالية ذاتية تقابل نفقات تذاكر طيران دولي، وإقامة فندقية لثلاثة أيام في الخرطوم، ومواصلات وقاعات وتغطية إعلامية. وبإضافة التغطية الرسمية عبر وكالة “سونا” والقنوات الحكومية، يتضح أن الملتقى كان فعالية دولة كاملة الأركان. والراجح إذن أن الدولة موّلت، والاتحاد نظّم، والقيادة العامة استضافت، وكان الصحفيون هم الشهود والقضاة في آن واحد.

وجود هؤلاء الصحفيين تحديداً لم يكن عشوائياً، بل كان مقصوداً لذاته في الدعوة؛ فما يجمعهم أنهم وطنيون ضد قوات الدعم السريع وضد تحالف “صمود”، وهو ما يعني أن خلاف بعضهم مع البرهان خلاف داخلي يتركز على أدائه ومسؤوليته، لا على ثوابت اللحظة. والبرهان يحتاج إلى هؤلاء تحديداً في حربه ضد المليشيا، بما يحوّل خلافهم معه إلى إجماع وطني عابر للمواقف، ويجعل من رفضه للتسوية موقفاً وطنياً جامعاً لا موقفاً شخصياً.

وبذلك كانت محصلة هذا اللقاء – الذي رُتِّب بذكاء وعقل مفتوح – ثلاثية المكاسب: حصلت الدولة على منصة بغطاء نقابي شرعي، بشهود من كل الأطياف على الرواية الرسمية؛ وحصل الاتحاد العام للصحفيين على إعادة تأسيس نفسه كواجهة وحيدة معترف بها للمهنة في الدولة؛ وحصل الصحفيون الناقدون لأداء البرهان على اعتراف سيادي بمكانتهم وفرصة سماع مباشر، مقابل إقرار ضمني بشرعية المنصة واللحظة.

ثانياً: توقيت اللقاء ومكانه.. نافذة استراتيجية متقاطعة

لم يكن اختيار زمان اللقاء ومكانه صدفة، بل نافذة استراتيجية متقاطعة على عدة مستويات:

1. جاء اللقاء بعد أربعة أيام من لقاء المبعوث الأممي بيكا هافيستو بشأن تبادل الأسرى، وكأنه يقول إن التواصل مستمر مع الأمم المتحدة، لكن البرهان هو من يحدد السقف السياسي.
2. جاء قبل ساعات من انعقاد جلسة مجلس الأمن بشأن توسيع حظر السلاح ليشمل السودان كله، في توقيت استباقي يهدف إلى تفريغ أي قرار قادم من أثره المعنوي قبل صدوره، مبنياً على تأكيده أن “حظر السلاح لن يمر”.
3. رسالة من الخرطوم بعد استعادتها، بدعوة مؤسسات الدولة إليها؛ فالواقع الميداني يسند السردية، والبرهان يريد إيصال الرسالة الإعلامية من موقع المنتصر.
4. استكمال بنية رمزية متسلسلة: تدشين مبنى الاتحاد في 26 أغسطس، ثم ملتقى لثلاثة أيام يخاطبه رئيس الوزراء، يتوَّج بلقاء البرهان في القيادة العامة – وهو ما يكشف تخطيطاً متسلسل التصميم لإعلان عودة الدولة إعلامياً ومؤسسياً لا عسكرياً فقط.
5. جاء اللقاء في لحظة ثلاثة ضغوط متزامنة: مقترح هدنة من الرباعية الدولية، ومشروع حظر سلاح مطروح على مجلس الأمن، واتهامات باستخدام السلاح الكيماوي. وتعامُل الخطاب مع هذه الضغوط الثلاثة كدفعة واحدة يؤكد أن البرهان يملك موقف تفاوض معلناً سلفاً قبل أي جلسة وساطة، وليست استجابة عفوية لدعوة صحفيين.
6. الحضور الصحفي كان مقصوداً ومنتقىً بعناية ليكون قناة توزيع للرسالة إلى خمس فئات مستهدفة: الجيش، والشارع السوداني، والقوى المدنية المعارضة، والوسطاء الإقليميون، والمجتمع الدولي.
7. اختيار القيادة العامة مسرحاً للقاء فيه استعراض لسيادة الدولة؛ فالمكان الذي كان محاصراً يتلقى الغذاء بالإسقاط الجوي، بات يستقبل مؤتمراً صحفياً يضم أكثر من مئتي صحفي – وهو ما يعني أن الدولة عادت إلى عاصمتها، وأن “المشروع الموازي” فقد ورقة العاصمة نهائياً.

ثالثاً: المحاور الزمنية الثلاثة للخطاب

على الرغم من أن قراءة هذا الخطاب وتحليله مبنيان على بيّنة سماعية منقولة عن صحفيين حضروا اللقاء، فإن البينات الظرفية المحيطة به تعضد هذه القراءة.

1. المحور الأول: إعادة كتابة الماضي

يحاول البرهان في هذا المحور إعادة كتابة الماضي وفق رؤيته، خدمةً لهدف واحد: نقل المسؤولية التاريخية من العسكر إلى المدنيين. ومن ذلك إشارته إلى نشأة قوات الدعم السريع وتحميل مسؤوليتها للرئيس السابق عمر البشير ومحمد عطا في جهاز الأمن، في محاولة لتبرئة المؤسسة العسكرية من صناعة القوة التي تحاربها اليوم.

وفي هذا المحور نفسه، يحاول البرهان توضيح أن إجراءات 25 أكتوبر كانت استجابة لطلب رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، لتصبح بذلك استجابة لطلب مدني لا انقلاباً عسكرياً. كما اتهم مريم الصادق وخالد عمر وبابكر فيصل بأنهم صمّموا الاتفاق الإطاري ليبقوا عشر سنوات في السلطة، مقدّماً بذلك مبرراً لإجهاض التوقيع على الاتفاق الإطاري، وقاطعاً بذلك أي جسر مصالحة مستقبلي مع قيادات “قحت”.

2. المحور الثاني: رفع سقف التفاوض في الحاضر

أ. رفض الهدنة، واشتراط انسحاب قوات الدعم السريع وتجميعها في معسكرات – وهو شرط سيرفضه حميدتي وداعموه، ما يعني أن الحرب مفتوحة بقرار سياسي معلن، ولا سلام حتى القضاء على قوات الدعم السريع.

ب. الثقة في الحلفاء بأن قرار توسيع حظر السلاح لن يمر، وأنه حتى لو مرّ فإن الجيش مُجهَّز لمواجهته – في رسالة طمأنة موجهة للشعب السوداني.

ج. اتهام دولة الإمارات بمصادرة أموال سودانية وتسليمها للدعم السريع، وهو ما يفتح مسارات استرداد أصول وتفاوض وتقاضٍ دولي.

د. اعتراف صادم بأن عائدات الدولة من سبعين طناً من الذهب لا تتجاوز مئتي كيلوجرام، بسبب عقود امتياز لا يستطيع تعديلها مع رفضه التأميم – في إشارة إلى بعض أسباب الأزمة الاقتصادية باعتبارها إرثاً ثقيلاً، مع طمأنة موازية للمستثمرين.

3. المحور الثالث: ملامح المستقبل

أ. لا مستقبل مطلقاً لقوات الدعم السريع.

ب. العفو الملازم للحوار لا يعني إسقاط التهم عن كل من ارتكب جريمة، وبذلك يُغلَق الباب أمام القيادات، بينما يُفتح أمام الأفراد والقيادات الوسيطة.

ج. الالتزام بمخرجات الحوار السوداني ما لم تمسّ الثوابت الوطنية، مع احتفاظه لنفسه بحق تحديد هذه الثوابت.

د. الإشارة إلى دمج الحركات المسلحة وتنظيم منح النمر العسكرية كدرس مستفاد من “خطأ” تجربة الدعم السريع، في إشارة إلى عدم الرغبة في صناعة مليشيا جديدة.

وبكل ذلك، يراهن البرهان على أن الزمن العسكري في صالحه، وأن الصمود والانتصار يحققان له شرعية داخلية عبر التفاف الشعب حوله وحول الجيش، بصورة غير مسبوقة في تاريخ الحكم في السودان.

رابعاً: الرسائل المباشرة

1. رسالة إلى قوات الدعم السريع: لا مستقبل سياسي لها مطلقاً، وإغلاق نهائي لأي مسار سياسي للمليشيا بعد الحرب، تمتد لتشمل رفض السماح بوجود أي فصيل مسلح خارج مؤسسة الجيش.
2. رسالة إلى “قحت” و”صمود”: قطع الطريق على أي محاولة من هذه القوى لتسويق نفسها وسيطاً مقبولاً، وذكر أسماء بعينها من “صمود” يهدف إلى حرق علني لجسور المصالحة، وتحويل العلاقة من خلاف إلى عداء معلن.
3. رسالة إلى الوسطاء الدوليين: رفض قاطع لأي هدنة، وقبول أي هدنة مشروط بجدول صارم للانسحاب والتجميع في معسكرات.
4. رسالة إلى مجلس الأمن: ثقة معلنة بأن قرار توسيع حظر السلاح لن يمرّ، وحتى لو مرّ فثمة بدائل وخيارات متاحة، مع نفي قاطع لتهمة استخدام الأسلحة الكيماوية، ودعوة مفتوحة موجّهة للأمريكيين لزيارة السودان.
5. رسالة إلى الشارع السوداني: طمأنة بمواقف “الأصدقاء”، ومشاركة المواطنين عدم رضاهم عن الأداء الاقتصادي، والتزام بمخرجات الحوار الوطني، وطمأنة بشأن دمج القوات المساندة.
6. رسالة إلى الإمارات: اتهام مباشر بمصادرة أموال سودانية وتسليحها لقوات الدعم السريع.

خامساً: الرسائل غير المباشرة.. ما بين السطور

وهي الرسائل التي يمكن استخلاصها بالتحليل، والتي يريد البرهان إيصالها من دون أن يتحمل كلفة قولها صراحة:

– من خلال سرده تفاصيل خروجه من القيادة العامة – التي لم يعرف بها سوى خمسة أفراد فقط – وإدارته المعركة من بورتسودان من “مكان لا يعرفه أحد”، يرسل رسالة مفادها أنه القائد العسكري الأوحد والأقدر، وأنه قائد المؤسسة العسكرية، وأن الشارع معه.
– رسالة موجهة ضمنياً للمدنيين مفادها أنهم سبب الفشل، وأن كل أزمات المرحلة الانتقالية من صنعهم، بينما كان العسكر إما محذرين أو رافضين أو مستجيبين مضطرين – وهو ما يشرّع ضمنياً استمرار الوصاية العسكرية على العملية السياسية.
– رسالة موجهة إلى حكومة كامل إدريس، عبر التعبير عن عدم الرضا عن الأداء الاقتصادي، تمثل إشعاراً مبكراً بإمكانية التضحية بها، مع احتفاظه بورقة إقالتها كاستجابة محتملة لمعاناة الناس عند الحاجة.
– عقد اللقاء في القيادة العامة مع أكثر من مئتي صحفي يحمل رسالة مكانية صامتة مفادها أن العاصمة باتت آمنة، وأن “المشروع الموازي” فقد ورقة الخرطوم نهائياً.
– رسالة موجهة للأمريكيين والإمارات و”صمود” مفادها استحالة فرض عزلة على السودان، لوجود أصدقاء وحلفاء وخطوط إمداد ودعم سياسي ومواقف صلبة خارج حسابات هذه الأطراف.
– الإشارة إلى “الثوابت الوطنية” كمعيار لقبول مخرجات الحوار وتحديد من يشارك فيه ومن يُستبعد، مع احتفاظ البرهان بهذا المعيار لنفسه، تحمل رسالة ضمنية بأن أي تسوية قادمة ستكون وفق شروط المؤسسة العسكرية باعتبارها الحَكَم والضامن الوحيد.

القاسم المشترك بين هذه الرسائل الضمنية جميعها أن البرهان يقدّم نفسه بوصفه النقطة الثابتة الوحيدة في مشهد كله متحرك: المدنيون فشلوا، والمليشيا ستنتهي، والوسطاء يضغطون، والإمارات تتآمر والحكومة المدنية ضعيفة. ووسط هذا كله، يبقى الجيش بقيادته المؤسسة الوحيدة التي صمدت وانتصرت وتمتلك مفاتيح المستقبل. وبذلك يتحول الخطاب إلى محاولة تأسيس لشرعية ما بعد الحرب.

سادساً: أجرأ فقرة في الخطاب.. معركة الشرعية مع إرث البشير

لعل أجرأ فقرة في الخطاب كله هي ادعاء البرهان أن البشير كان يريد تفكيك الجيش، مستدلاً بتبعية قوات الدعم السريع لرئاسة الجمهورية بنص المادة السادسة من قانون قوات الدعم السريع. وهو يعلم أن تبعية الدعم السريع لرئاسة الجمهورية جاءت لأن معظم قادة الجيش آنذاك كانوا يرفضون وجود الدعم السريع كقوة مستقلة خارج القوات المسلحة.

وتُطرح الحجة المضادة على البرهان نفسه: فإذا كان البشير قد جعل الدعم السريع تابعاً لرئاسة الجمهورية، فإن البرهان هو من ألغى المادة الخامسة من قانون الدعم السريع، والتي تضمنت فقرتين: الأولى تُخضِع قوات الدعم السريع لأحكام قانون القوات المسلحة عند إعلان حالة الطوارئ أو عند الحرب في مناطق العمليات، والثانية تمنح رئيس الجمهورية حق دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة. وبهذا الإلغاء، أصبح الدعم السريع غير خاضع لقانون القوات المسلحة، كما لم يعد يحق للبرهان دمجه فيها. وفي المقابل، إذا كان حميدتي لم يكن يحلم يوماً بمقابلة رئيس الجمهورية، فإن البرهان نفسه هو من أصرّ على تعيينه نائباً له. وفي نهاية حكم الإنقاذ لم يكن عدد قوات الدعم السريع يتجاوز ثلاثين ألفاً، بينما تجاوز عددها مئة ألف عند بداية الحرب.

هذا لا يمثل تبرئة للبشير ولا اتهاماً للبرهان، فكل حدث يُنظر إليه في سياق زمن حدوثه، ولكلٍّ من الرجلين مبرراته فيما اتخذه من قرارات. وبالمنطق نفسه، كان يجب أن يحضر هذا الفهم في ذهن البرهان، خصوصاً أنه لم يكن قائداً عادياً في زمن البشير، بل كان قائداً للقوات البرية ثم مفتشاً عاماً للقوات المسلحة.

سابعاً: التحالف الميداني مع الإسلاميين.. تحالف بقاء لا قناعات

قاتل الإسلاميون مع الجيش من أجل السودان، لا من أجل نظام أو من أجل شخص البرهان. ورغم هجوم البرهان على قيادتهم السابقة، وموقفه السلبي منهم في محاولة لإرضاء الغرب، فإن ما يمكن تسميته بـ”التحالف الميداني” لن يتأثر، وسيتغاضى الإسلاميون عن سرديات البرهان طالما ظل القتال من أجل الوطن والبنادق موجَّهة نحو الدعم السريع وداعميه.

وسيكون تأثير هجوم البرهان على البشير محدوداً ميدانياً، وإن كان كبيراً استراتيجياً؛ فالقتال إلى جانب الجيش سيظل قائماً لأنه يمثل تحالف بقاء لا تحالف قناعات. وباختصار، يحاول البرهان شراء شرعيته الدولية من تاريخ نظامه القديم، فيما يقبل الإسلاميون دفع فاتورة هذا الخطاب مؤقتاً ثمناً لبقائهم في الميدان، وكل طرف يدرك أن اتفاق الواقع بينهما مؤقت ومشروط باستمرار الحرب.

خاتمة: خطاب تفاوض متشدد بغلاف سردية النصر

نخلص من كل ما تقدم إلى أن هذا الخطاب هو، في جوهره، إعلان موقف تفاوضي متشدد، مغلَّف بسردية النصر والتضحية: لا هدنة إلا بشرط الاستسلام، ولا مستقبل سياسي لقوات الدعم السريع، ولا تواصل مع “قحت” و”صمود” وتصعيد مباشر مع الإمارات، وحوار سوداني لا تُقبل مخرجاته إذا مسّت الثوابت الوطنية ودعوة مفتوحة للأمريكيين لزيارة الخرطوم.

وهذه كلها قوة يستمدها البرهان من التفاف الشعب السوداني بكل أطيافه الوطنية، بمن فيهم الإسلاميون، حول جيشهم. غير أن السؤال الذي يظل مفتوحاً بعد هذا الاستعراض الشامل للقوة والشرعية، هو: هل يكفي الالتفاف الميداني المؤقت حول راية “البقاء” ليتحول إلى شرعية سياسية دائمة لما بعد الحرب؟ وبعد وضوح موقف الغرب وصمود من البرهان، هل يستطيع البرهان أن يتخلص من فوبيا الغرب ويحول هذا الالتفاف الميدانى المؤقت حول راية البقاء إلى شرعية سياسية دائمة لما بعد الحرب؟

المقالة السابقة

صمود وتأسيس عندما يصبح الخواجة هو الشعب .. مستشار هشام محمود سليمان

المقالة التالية

دع نعمة غيرك وعِش نعمتك .. د. حنان درار سيد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *