Popular Now

دع نعمة غيرك وعِش نعمتك .. د. حنان درار سيد

البرهان في القيادة العامة: أربع ساعات لتأسيس شرعية ما بعد الحرب .. قراءة تحليلية في خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام ملتقى الإعلاميين السودانيين .. د. خالد حسين محمد

صمود وتأسيس عندما يصبح الخواجة هو الشعب .. مستشار هشام محمود سليمان

دع نعمة غيرك وعِش نعمتك .. د. حنان درار سيد

من أكثر ما يُتعب النفس البشرية أن ينشغل الإنسان بما في أيدي الآخرين، فيظل ينظر إلى نعمهم، ويقارن حياته بحياتهم، ويرى ما أعطاهم الله، ثم يعود إلى نفسه متسائلًا: لماذا لم أحصل على مثل ما حصلوا عليه؟

وقد يعتاد الإنسان النظر إلى ما عند غيره حتى تصبح عينه لا ترى ما عنده هو من نعم. فينسى صحته، وأهله، وعلمه، وعلاقاته الطيبة، وستر الله عليه، وقدرته، وشخصيته، ومحبة الناس له، والأمان الذي يعيش فيه، وغير ذلك من النعم التي ربما لا تظهر في صورة مال أو ممتلكات، لكنها قد تكون أعظم أثرًا وأبقى قيمة.

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].

فالقرآن يربي الإنسان على ألا يجعل عينه معلقة بما عند الآخرين، لأن ما يراه من نعمة عند غيره ليس بالضرورة هو الحقيقة الكاملة لحياة ذلك الإنسان. فقد يرى المال ولا يرى الهموم، ويرى المظهر ولا يرى المعاناة، ويرى النجاح ولا يرى السنوات الطويلة من التعب، ويرى الأسرة ولا يرى ما فيها من مسؤوليات، ويرى الصورة ولا يعرف القصة كاملة.

والنعم ليست نوعًا واحدًا. فهناك نعم ظاهرة، كالمال والمسكن والمركب، وهناك نعم معنوية قد تكون أعظم من المال، كالعلم والحكمة، وحسن الخلق، ومحبة الناس، وقوة الشخصية، والقدرة على اتخاذ القرار، وراحة الضمير، وصحة العلاقات، والستر، والطمأنينة، والقدرة على العطاء.

كما أن بعض النعم باقية الأثر، وبعضها زائل. فالمال قد يأتي ويذهب، والصحة تتغير، والشباب يزول، وجمال الحياة الدنيا كله محكوم بالتغير. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46].

ومن هنا فإن الحكمة ليست أن يسأل الإنسان دائمًا: ماذا يملك الآخرون؟ بل أن يسأل نفسه: ماذا أعطاني الله؟

كم من إنسان يملك نعمة يتمنى غيره لو امتلك جزءًا منها، لكنه لا يشعر بها لأنها أصبحت مألوفة لديه. فالإنسان كثيرًا ما يعتاد النعمة حتى لا يعود يراها نعمة، ثم يظل يبحث بعينيه عن شيء آخر عند الآخرين.

ولهذا جاء التوجيه القرآني واضحًا: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 32]. فبدل أن تتحول نعمة الآخر إلى سبب للحسرة، يمكن للإنسان أن يتوجه إلى صاحب النعم نفسه، ويسأله من فضله، ويطلب الخير لنفسه دون أن يتمنى زوال الخير عن غيره.

والفرق كبير بين أن يرى الإنسان نعمة عند غيره فيقول: اللهم ارزقني من فضلك، وبين أن يقول في داخله: ليته يفقد ما عنده. الأولى دعاء ورجاء، أما الثانية فهي انتقال من مجرد المقارنة إلى تمني زوال النعمة.

وهنا يصل الحسد إلى مرحلة خطرة؛ لأن الحاسد لا يكتفي بأن يتمنى أن يملك مثل ما يملك غيره، بل قد يتمنى زوال النعمة عن صاحبها. وقد حذّرنا القرآن من ذلك صراحة في قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5].

وقد جاء في الحديث الشريف: «إيّاكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»، وهو حديث يُروى عن النبي ﷺ، والمعنى الذي يحمله شديد الدلالة على خطورة هذا الخلق على صاحبه.

والحسد لا يؤذي المحسود وحده، بل يبدأ بإيذاء قلب الحاسد نفسه؛ لأنه يجعله يعيش في مراقبة مستمرة للآخرين: ماذا اشترى فلان؟ ماذا حصل عليه فلان؟ لماذا تزوجت فلانة؟ لماذا نجح فلان؟ لماذا يحب الناس هذا الشخص؟ لماذا أعطاه الله المال؟ لماذا يتمتع بالصحة؟ ولماذا أنا لا أملك ما يملكه؟

وهكذا يتحول الإنسان من العيش في نعمته إلى العيش في مقارنة دائمة مع نعم الآخرين.

وقد وصف النبي ﷺ علاجًا عظيمًا لهذا الشعور حين قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» متفق عليه.

إنها تربية عظيمة للنفس؛ لأن الإنسان إذا ظل ينظر إلى من هو فوقه في أمور الدنيا فقد يشعر بالنقص مهما كان لديه، أما عندما يتأمل نعم الله عليه ويعرف قيمتها، فإنه يبدأ في رؤية ما كان غافلًا عنه.

والرضا لا يعني أن يتوقف الإنسان عن الطموح، ولا يعني أن يرفض تحسين حياته، ولا أن يقول: لا أريد المزيد. بل الرضا هو أن يعيش الإنسان ممتنًا لما عنده، ويسعى إلى ما يريد دون أن يتحول نجاح الآخرين إلى سبب لكراهيتهم أو الحسد عليهم.

فالطموح يقول: أريد أن أصل إلى ما أستطيع الوصول إليه.
أما الحسد فيقول: لا أريد أن يصل الآخر.
وبين العبارتين فرق كبير.

وقد وعد الله سبحانه وتعالى أهل الشكر بالزيادة فقال: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].

والشكر ليس مجرد كلمة نقولها بألسنتنا، بل هو وعي بالنعم، واستعمال لها فيما يرضي الله، والاعتراف بأن ما نملكه فضل من الله وليس حقًا مكتسبًا نستحقه استقلالًا عنه.

ومن المؤلم أن يصل بعض الناس إلى مرحلة يصبح فيها نجاح الآخرين مؤلمًا لهم، وفرح الآخرين مصدر ضيق، ونعم الآخرين سببًا للغضب. وهنا ينبغي أن يتوقف الإنسان مع نفسه ويسأل: ماذا يحدث بداخلي؟

من المنظور النفسي، قد يكون الانشغال المفرط بالمقارنة بالآخرين مرتبطًا بانخفاض الرضا عن الحياة، وبالشعور بالنقص، وبضعف تقدير الذات، وبالتفكير المقارن المستمر. وإذا تحولت هذه المشاعر إلى نمط شديد ومستمر يؤثر في العلاقات والسلوك والحياة اليومية، فقد تستحق تقييمًا نفسيًا متخصصًا. لكن لا يصح أن نصف كل شخص يحسد أو يقارن نفسه بالآخرين بأنه مصاب بـ«اضطراب نفسي»؛ فالحسد قد يكون خلقًا وسلوكًا مكتسبًا ومشكلة في التعامل مع المشاعر والقيم، وليس تشخيصًا نفسيًا بحد ذاته.

والعلاج يبدأ من الداخل.

ابدأ بأن ترى ما عندك قبل أن تنظر إلى ما عند غيرك.

احمد الله على ما لديك، واستشعر النعم التي أصبحت مألوفة في حياتك. انظر إلى صحتك، وأهلك، وعلمك، وعملك، وعلاقاتك، وقدرتك على التعلم، وقدرتك على التغيير وما منحك الله من فرص.

ولا تجعل وسائل التواصل الاجتماعي ميزانًا لحياتك؛ فما يظهر أمامك غالبًا هو جزء صغير من حياة الآخرين، وليس حياتهم كلها.

ولا تجعل رزق الآخرين مقياسًا لقيمتك، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32].

إن لكل إنسان رزقه، وقدره، وظروفه، وأبوابه التي فتحها الله له. وما أعطاه الله لغيرك لا يعني أنه حرمك، وما تأخر عنك لا يعني أنه لن يأتيك، وما عند غيرك ليس دليلًا على أن حياتك ناقصة.
دع الناس يعيشون نعمهم، وعِش نعمتك.
لا تجعل قلبك ساحة لمراقبة أرزاق الآخرين.

وإذا رأيت نعمة عند غيرك، فقل: اللهم بارك له فيها، وارزقني من فضلك.

وإذا رأيت نجاحًا، فاجعله دافعًا لا سببًا للكراهية.

وإذا رأيت مالًا، فتذكر أن المال ليس كل الرزق.

وإذا رأيت جمالًا، فتذكر أن الجمال يزول.

وإذا رأيت منصبًا، فتذكر أن المناصب مسؤوليات قبل أن تكون امتيازات.

وإذا رأيت محبة الناس لشخص، فاسأل نفسك كيف تستطيع أن تكون إنسانًا محبوبًا صالحًا بدل أن تتمنى زوال محبتهم عنه.

فالقلب الذي يشكر الله لا يجد وقتًا طويلًا للحسد، والقلب الذي يعرف قيمة نعمه لا يعيش أسيرًا لما عند الآخرين.

إن أجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان أن يقول بصدق: الحمد لله على ما أعطاني، والحمد لله على ما منعني، والحمد لله على ما أعلمني، والحمد لله على ما لا أعلم، والحمد لله على نعمة ظاهرة ونعمة باطنة.

فكفاك أن تنظر إلى رزق غيرك.
التفت إلى حياتك، وتأمل ما بين يديك، وستجد أن الله قد أعطاك من النعم ما يستحق الحمد كل يوم.
دع نعمة غيرك له، وعِش نعمة الله عليك.
د. حنان درار سيد

المقالة السابقة

البرهان في القيادة العامة: أربع ساعات لتأسيس شرعية ما بعد الحرب .. قراءة تحليلية في خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان أمام ملتقى الإعلاميين السودانيين .. د. خالد حسين محمد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *