Popular Now

وجه الحقيقة | علاج الرئيس .. د. إبراهيم شقلاوي

الخرطوم بين كرسي البرهان وخطة العودة .. مستشار هشام محمود سليمان

السودان يرفع من شان الأمم المتحدة بعبارة تداول خطاب براغماتي هادف لتحليل الخطاب السياسي Political Discourse Analysis .. د.بابكر عبدالله محمد علي

السودان بين التحولات الميدانية وضغوط التسوية وتداعيات الأزمة الإثيوبية .. (15) مجريات الحرب وآفاق المرحلة المقبلة .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشؤون الإفريقية والعلاقات الدولية وتحليل النزاعات

مقدمة
تدخل الحرب السودانية مرحلة تتداخل فيها التطورات الميدانية مع الضغوط الدبلوماسية والتحولات الإقليمية، خصوصاً مع استمرار العمليات في كردفان وتصاعد الاهتمام الدولي بالهدنة، بالتزامن مع عودة القتال في شمال إثيوبيا واتساع تأثيراته المحتملة على أمن السودان.
ولذلك لم يعد السؤال محصوراً في موازين القوى داخل ساحات القتال، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بمستقبل التسوية، وطبيعة الدور الأميركي، ومستقبل دارفور، وما إذا كان التصعيد الإثيوبي سيفتح جبهة إقليمية جديدة حول السودان.
المحور الأول: كردفان وتغيرات الميدان
تشهد شمال كردفان استمراراً للعمليات العسكرية، مع إعلان الجيش والقوات المتحالفة معه استعادة مناطق مهمة، بينها سودري، والتقدم في اتجاه المزروب وحمرة الشيخ، وهي مناطق ذات أهمية جغرافية لارتباطها بمحاور كردفان ودارفور.
وتشير هذه التطورات إلى أن كردفان أصبحت إحدى أهم ساحات الصراع، باعتبارها منطقة اتصال بين وسط السودان ودارفور، وبالتالي فإن أي تغير في السيطرة عليها يمكن أن يؤثر في خطوط الإمداد والحركة العسكرية.
كما ظهرت مؤشرات على انشقاق عناصر من قوات الدعم السريع وانضمامها إلى الجيش، وهو ما يعكس استمرار الضغوط داخل التشكيلات المتحاربة، وإن كان من المبكر اعتبار ذلك تحولاً حاسماً في ميزان الحرب.
المحور الثاني: المسيّرات واستهداف البنية الحيوية
في مقابل التحركات البرية، تستمر حرب المسيّرات في استهداف مواقع عسكرية ومنشآت حيوية.
وتكشف الهجمات على منشآت الوقود والبنية اللوجستية أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على المدن، وإنما حول إضعاف القدرة على استمرار الدولة والحرب معاً.
فالوقود يرتبط بالنقل والكهرباء والخدمات والإمداد العسكري، واستهدافه يمكن أن ينعكس مباشرة على حياة السكان والاقتصاد والقدرة العملياتية.
ومن هنا أصبحت حماية المنشآت الحيوية، ومخازن الوقود، وشبكات الكهرباء والاتصالات، جزءاً أساسياً من معركة الأمن القومي السوداني.
المحور الثالث: منع البرهان من نيويورك وتحول الخلاف إلى أزمة دبلوماسية
أدى عدم منح رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تصعيد دبلوماسي بين الخرطوم وواشنطن.
وبحسب تقارير، ربطت واشنطن الأمر بمقترح هدنة لمدة 90 يوماً قدمه مسعد بولس، بينما رفض البرهان ربط حضوره الدولي بهذا الشرط، وقال إن السودان لا يحتاج إلى تأشيرة أو إذن من دولة أخرى لممارسة دوره.
وفي 28 سبتمبر، طالب وزير الخارجية السوداني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بالتحقيق في منع البرهان، معتبراً القرار خرقاً لاتفاقية مقر الأمم المتحدة لعام 1947، بينما مضت واشنطن في استخدام الضغط الدبلوماسي والعقوبات ومقترحات توسيع حظر السلاح كأدوات للضغط على أطراف الحرب.
وهكذا انتقلت القضية من مجرد خلاف حول تأشيرة إلى جزء من صراع أوسع حول الشرعية السياسية، وشكل التسوية، وحدود الضغط الدولي على مؤسسات الدولة السودانية.
المحور الرابع: مبادرة مسعد بولس والهدنة ذات التسعين يوماً
تتمحور المبادرة الأميركية حول هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، تتيح إدخال المساعدات وتهيئة الظروف لوقف دائم لإطلاق النار ومسار سياسي.
لكن المشكلة الأساسية ليست في إعلان الهدنة وإنما في آليات تنفيذها:
من يراقب وقف إطلاق النار؟
كيف يتم التعامل مع القوات الموجودة داخل المدن؟
هل تشمل الهدنة المسيّرات والطيران؟
كيف تضمن المساعدات الوصول إلى المناطق المتضررة؟
ما الضمانات لمنع استخدام فترة الهدنة لإعادة الانتشار العسكري؟
ومن هنا فإن الهدنة، إذا لم تقترن بآلية واضحة للمراقبة والتنفيذ، قد تصبح مجرد توقف مؤقت للقتال، دون معالجة العوامل التي أدت إلى الحرب.
كما أن اتصالات بولس مع مصر والسودان والاتحاد الأفريقي تعكس إدراكاً أميركياً بأن أي تسوية تحتاج إلى دعم إقليمي، وليس إلى ضغط أميركي منفرد.
المحور الخامس: واشنطن ودارفور… هل هناك اختراق حقيقي؟
حتى الآن تركز المقاربة الأميركية المعلنة على وقف الحرب، حماية المدنيين، المسار السياسي، والضغط على الأطراف لمنع استمرار تدفق السلاح.
وقال بولس إن واشنطن تتواصل مع طرفي الحرب، كما تحدث عن استخدام العقوبات وتوسيع حظر السلاح كأدوات ضغط.
لكن التطورات الميدانية تشير إلى أن الفجوة بين الموقف السياسي الدولي والواقع العسكري لا تزال واسعة.
وتبقى دارفور الاختبار الأصعب لأي تسوية؛ لأن إنهاء القتال في الخرطوم أو كردفان لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب ما لم تتم معالجة وضع القوات المسلحة في دارفور، وحماية المدنيين، وعودة النازحين واللاجئين، ومستقبل الإدارة المحلية وترتيبات السلاح.
وعليه فإن أي تسوية تتجاهل خصوصية دارفور ستظل معرضة للتعثر.
المحور السادس: إثيوبيا تدخل بقوة في معادلة الحرب السودانية
شهدت إثيوبيا خلال الأيام الأخيرة تصعيداً خطيراً في الشمال، مع عودة المواجهات بين القوات الحكومية وجبهة تحرير شعب تيغراي.
وأفادت تقارير بأن قوات تيغراي سيطرت على مدينة إيريبتي في إقليم عفر، ثم تحركت باتجاه مناطق أخرى، بينما أعلنت قوات موالية للحكومة الإثيوبية لاحقاً استعادة ألاماتا في تيغراي. وهذا يعكس سرعة تغير خطوط السيطرة وصعوبة تثبيت صورة ميدانية نهائية.
كما تشير التقارير إلى نزوح واسع في عفر، وإلى مخاوف من تأثير القتال على الطريق الحيوي المؤدي إلى جيبوتي، الذي يمثل منفذاً رئيسياً للتجارة الإثيوبية.
أما ما ورد عن تقدم قوات التحالف نحو سمرا، فينبغي التعامل معه باعتباره تطوراً ميدانياً قيد المتابعة، لا حقيقة نهائية، نظراً إلى سرعة تغير الوضع العسكري وصعوبة التحقق المستقل من جميع مناطق العمليات.
المحور السابع: اتهامات متبادلة بين إثيوبيا والسودان
التطور الإثيوبي اكتسب بعداً إقليمياً بعدما اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي السودان ومصر وإريتريا بدعم الجماعات المسلحة المناوئة للحكومة الإثيوبية.
وقد رفض الجيش السوداني هذه الاتهامات ووصفها بأنها لا أساس لها، في حين تتبادل الخرطوم وأديس أبابا اتهامات بشأن دعم جماعات مسلحة واستخدام أراضي كل دولة في الصراع الداخلي للدولة الأخرى.
وتكمن خطورة هذا التصعيد في أنه قد يحول الحدود السودانية–الإثيوبية إلى مساحة أكثر حساسية، خصوصاً مع وجود ملفات قديمة مثل الفشقة، وحركة اللاجئين، والتهريب، والسلاح، وتداخل الجماعات المسلحة عبر الحدود.
وبالتالي فإن استمرار الحرب الإثيوبية يمكن أن يفرض على السودان عبئاً أمنياً وإنسانياً جديداً في وقت لا يزال فيه السودان نفسه يواجه حرباً واسعة.
المحور الثامن: السودان أمام بيئة إقليمية مضطربة
لم تعد الحرب السودانية منفصلة عن الأزمات المحيطة بها.
فالسودان يقع وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد تشمل إثيوبيا، وجنوب السودان، وتشاد، وليبيا، ومصر، والبحر الأحمر.
وتزداد أهمية هذه البيئة لأن الحدود الطويلة مع دول الجوار تتيح حركة السكان والسلاح والتجارة، بينما تجعل أي حرب جديدة في دولة مجاورة احتمالاً لزيادة النزوح والتهريب والجريمة العابرة للحدود.
ومن هنا فإن أي معالجة للحرب السودانية تحتاج إلى مسار إقليمي موازٍ للمسار السوداني الداخلي، خصوصاً في قضايا الحدود والسلاح واللاجئين والممرات الإنسانية.
المحور التاسع: ماذا تكشف التطورات عن مستقبل التسوية؟
المشهد الحالي لا يدل على انتقال الحرب إلى مرحلة التسوية النهائية، بقدر ما يشير إلى مرحلة إعادة ترتيب مواقع القوة والتفاوض.
فالجيش يحاول تحسين وضعه الميداني، بينما يستمر الدعم السريع في استخدام وسائل قتالية قادرة على الوصول إلى مناطق بعيدة عن خطوط المواجهة، وفي الوقت نفسه تواصل الولايات المتحدة الضغط السياسي والدبلوماسي.
أما المبادرة الأميركية، فتحتاج إلى الانتقال من مستوى المقترحات العامة إلى ترتيبات عملية تتعلق بالمراقبة، والمساعدات، والقوات، والسلاح، ومستقبل العملية السياسية.
والعامل الأكثر تأثيراً سيكون مدى قدرة الأطراف السودانية والدول الإقليمية والدول الكبرى على الاتفاق على قواعد واضحة لمرحلة ما بعد الهدنة.
المحور العاشر: القراءة الاستراتيجية — ماذا بعد؟
يمكن تلخيص المرحلة المقبلة في أربعة مسارات مترابطة:
أولاً: المسار العسكري:
استمرار الضغط في كردفان ودارفور، مع تصاعد أهمية المسيّرات وحماية المنشآت الحيوية.
ثانياً: المسار الدبلوماسي:
استمرار الضغط الأميركي والدولي، مع بقاء مسألة الهدنة والتسوية السياسية في مقدمة الملفات.
ثالثاً: المسار الإقليمي:
تصاعد الأزمة الإثيوبية قد يفرض على السودان تحديات جديدة على حدوده الشرقية، إلى جانب أزمات دول الجوار الأخرى.
رابعاً: المسار السياسي الداخلي:
أي تسوية مستدامة تحتاج إلى معالجة مستقبل مؤسسات الدولة، وترتيبات الأمن، ووضع الأقاليم، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات.

الخلاصة
الحرب السودانية تدخل مرحلة تتداخل فيها المعركة العسكرية مع معركة الشرعية والتسوية وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية.
فالتطورات في كردفان تؤكد أهمية العامل الميداني، وأزمة تأشيرة البرهان أظهرت انتقال الضغط إلى المستوى الدبلوماسي، بينما تكشف مبادرة مسعد بولس أن واشنطن لا تزال تراهن على الهدنة كمدخل للتسوية، دون أن تكون قد قدمت حتى الآن آلية مكتملة لإنهاء الحرب.
وفي المقابل، فإن التصعيد الإثيوبي يضيف متغيراً جديداً شديد الأهمية، خصوصاً مع وصول القتال إلى عفر وتأثيره المحتمل على ممر جيبوتي والحدود السودانية.
وعليه، فإن السؤال المركزي للمرحلة المقبلة ليس فقط: هل تتوقف الحرب لمدة 90 يوماً؟
بل: هل يمكن تحويل الهدنة إلى اتفاق قابل للتنفيذ يقود إلى وقف دائم للحرب، أم تتحول الهدنة إلى مرحلة لإعادة ترتيب القوات والمواقف قبل جولة جديدة من الصراع؟
وهنا ستتحدد أهمية التطورات الميدانية في كردفان ودارفور، وموقف واشنطن والوسطاء، ومسار الأزمة الإثيوبية، وقدرة السودان على إدارة علاقاته الإقليمية والدولية بما يحفظ وحدة الدولة ومؤسساتها.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6298 | تحويل لقاء بروتوكولي راتب إلى أحد إنجازات وفد حمدوك بواشنطن !!!

المقالة التالية

السودان يرفع من شان الأمم المتحدة بعبارة تداول خطاب براغماتي هادف لتحليل الخطاب السياسي Political Discourse Analysis .. د.بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *