منذ اشتعال الحرب في السودان توالت المؤتمرات الدولية بحثا عن مخرج بدءًا من مؤتمر باريس 2024 مرورًا بـمؤتمر لندن 2025 وصولًا إلى مؤتمر برلين 2026 لكن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه ماذا تغير فعلا على الأرض؟ في باريس كان الحضور الإنساني طاغيا أموال تعهدات ونداءات إغاثة لكنه لم يقترب من جذور الأزمة وفي لندن جرت محاولة الانتقال إلى السياسة عبر طرح تسوية تعيد تشكيل السلطة لكن بنفس الأدوات القديمة شراكة هشة وترتيبات نظرية لا تسندها قوة حقيقية في الداخل المشكلة ليست في النوايا بل في الفكرة نفسها الاعتقاد بأن الأزمة السودانية يمكن حلها من الخارج هذه المؤتمرات تبني حلولًا على الورق بينما الواقع في السودان يصنع بالقوة والتوازنات على الأرض لذلك ظلت مخرجاتها بعيدة عن التنفيذ أقرب إلى توصيات منها إلى قرارات يأتي برلين اليوم ليجمع ما سبق لا ليغيره نفس العناوين تتكرر سلطة مدنية إعادة هيكلة الجيش دمج القوات وهي مطالب تبدو منطقية لكنها تصطدم بسؤال واحد حاسم من يملك القدرة على فرضها أو حمايتها؟
تجاهل الحكومة السودانية أو إضعاف دورها في أي تسوية ليس حلا بل تعقيد إضافي فالتجارب في ليبيا واليمن وسوريا أثبتت أن الاتفاقات التي تصنع بعيدا عن الفاعلين الحقيقيين تظل حبرًا على ورق.
كما أن الرهان على قوى سياسية بلا سند شعبي واسع يعيد إنتاج الأزمة نفسها لا يحلها، فالسلطة لا تمنح من الخارج وتنجح بل تبنى من الداخل أو لا تستقر في جوهر الأمر الأزمة السودانية ليست مجرد صراع على الحكم، بل خلل عميق في بنية الدولة ولهذا لا يكفي تغيير الوجوه أو إعادة توزيع المقاعد، بل يتطلب الأمر توافقا سودانيا حقيقيا يعترف بالواقع كما هو لا كما تريد المؤتمرات الخارجية لهذا قد لا يكون مؤتمر برلين أكثر من حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المحاولات غير المكتملة صوت مرتفع في القاعات لكنه ضعيف الأثر في الميدان أن السلام في السودان لن يأتي بطائرة دبلوماسية من الخارج، بل يولد حين يتفق السودانيون بكل تناقضاتهم على صيغة يعيشون بها معًا، وما عدا ذلك يظل تكرارًا أنيقًا للفشل.


