Popular Now

أصل القضية | الجيو-سودانية الممتدة .. إعادة تعريف حدود السودان .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

وجه الحقيقة | أصحاب الوجعة .. إبراهيم شقلاوي

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6076 | قوى إعلان المبادئ السوداني لا تضيف جديدًا وإجراءات اكتساب العضوية شمولية وليست ديمقراطية !!!

أصل القضية | الجيو-سودانية الممتدة .. إعادة تعريف حدود السودان .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

في العلاقات الدولية، لم يكن للقوة يومًا مفهومًا ثابتًا، بل كانت فكرة تتغير كلما تغيّر شكل العالم.

قبل أيام كتبت: “المغترب السوداني … ثروة وطنية أم مورد مهدر؟” ، ومن ذلك الوقت طفقت أبحث وأفكر حول إعادة النظر باتجاه هذه الثروة الوطنية.
أحاول من خلال السطور التالية أن أقدم عدسة سودانية جديدة للنظر إلى الشتات السوداني خصوصًا أنه في مرحلة ما كانت القوة تُقاس بالأرض، ثم بالجيش، ثم بالاقتصاد، ثم بالموقع الجغرافي ثم بالموارد، لكن العالم اليوم يتحرك نحو تعريف أكثر تعقيدًا، تعريف لا يقف عند حدود الدولة ولا ينحصر داخل خرائطها، بل يمتد عبر الإنسان نفسه.
وهنا يبدأ أصل القضية.

في السودان، نحن ما زلنا نتعامل مع ملايين السودانيين المنتشرين خارج البلاد بوصفهم “مغتربين”.
كلمة تبدو بسيطة، لكنها تحمل خطأً معرفيًا عميقًا، لأنها تفترض أن العلاقة بين الإنسان ووطنه تنتهي عند مغادرته الجغرافيا، بينما الواقع يقول شيئًا مختلفًا تمامًا.
فالسوداني الذي يعيش في الرياض، أو الدوحة، أو لندن، أو تورنتو، أو نيروبي أو كوالالمبور لم يخرج من السودان بالمعنى الاستراتيجي، بل حمل السودان معه إلى جغرافيا أخرى ، وحمل تلك الجغرافيا الجديدة إلى السودان أيضًا، وهنا تتغير المعادلة بالكامل.

من الجيوبوليتيك إلى الجيو-سودانية

في الجيوبوليتيك الكلاسيكي، كانت الدولة تُفهم من خلال الأرض، الموقع، الممرات، الحدود و التضاريس، لكن هذا النموذج لم يعد كافيًا لتفسير ما يحدث اليوم.
وفي المقابل، جاء علم الديموغرافيا ليضيف بُعدًا آخر وهو الإنسان، العدد و التوزيع.
لكن حتى هذا لم يعد كافيًا وحده.
فالإنسان المعاصر لم يعد وحدة ديموغرافية ثابتة داخل حدود الدولة، بل أصبح حاملًا لشبكات اقتصادية، ومعرفية ورمزية تعبر الحدود باستمرار، وهنا يولد مفهوم جديد أكثر دقة في الحالة السودانية:
«الجيو-سودانية الممتدة (Extended Sudanese Geodemography)»
وهي ببساطة: إعادة تعريف السودان ليس كدولة داخل حدودها فقط، بل كشبكة بشرية-جغرافية ممتدة عبر العالم ، شبكة لا تنتهي عند الخرائط، بل تبدأ منها.

المغترب ليس فردًا، بل عقدة في شبكة دولة. حين ننظر بعمق إلى الواقع السوداني سنكتشف أن ما نسميه “مغتربين” هو في الحقيقة بنية مختلفة تمامًا.

فالسوداني في الخارج ليس حالة فردية، بل هو نقطة اتصال بين:
– اقتصاد عالمي،
– ومعرفة عالمية،
– وشبكات مهنية دولية
– ومجتمع سوداني داخلي هو ليس خارج الدولة، بل داخل دولتين في آن واحد؛ دولة يعيش فيها، ودولة ينتمي إليها.
وهذا ما يجعل أثره مختلفاً تماماً عن أي توصيف تقليدي.

ما بعد التحويلات المالية:

الخلل الأساسي في النظرة التقليدية للمغتربين ليس في التقليل منهم، بل اختزالهم. في:
– تحويلات مالية،
– دعم وقت الأزمات
– مساهمات ظرفية،

بينما القيمة الحقيقية تقع في مكان آخر تماماً ، في ثلاثة مستويات أعمق:

١.المعرفة:
● كيف يفكر العالم؟
● كيف تُدار المؤسسات؟
● كيف تُصنع السياسات؟

٢ . الشبكات
● من يعرف من؟
● أين تُفتح الأبواب؟
● وكيف تتحرك الفرص؟

٣ . الصورة الذهنية
● كيف يُرى السودان خارج السودان؟
● وكيف يمكن إعادة تشكيل هذا الإدراك؟
إذن هذه ليست تحويلات مالية، هذه بنية قوة.

إعادة إعمار السودان

ما كشفته تجارب الحرب والإعمار في بعض مناطق الخرطوم ليس مجرد “مبادرات خيرية” ، بل مؤشرات لنموذج جديد للدولة، فحين يُعاد تشغيل مستشفى عبر عون ذاتي من سودانيين بالخارج، أو تُحفر آبار مياه بتمويل مجتمعي خارجي أو تُدار مبادرات طبية وهندسية من الشتات، فنحن لا نتحدث عن دعم اجتماعي، بل عن: «إعادة تشغيل جزئي لوظائف الدولة عبر امتدادها البشري.»
وهذا أخطر وأهم مما يبدو، لأنه يعني أن جزءاً من الدولة السودانية لم يتوقف، بل انتقل موقعه الجغرافي فقط.

الجسر والمورد – إعادة تعريف الوظيفة لا الانتماء
وفق رؤية الجسر والمورد، فإن السوداني في الخارج ليس “مصدر دعم” ، بل هو:
– جسر معرفة
– جسر أسواق
– جسر تأثير
– جسر فرص
لكن الأهم من ذلك كله أنه ليس وظيفة خارجية للدولة، بل جزء من بنيتها الممتدة.

الجيو-سودانية الممتدة كإطار جديد
يمكن تلخيص الفكرة في جملة واحدة: «السودان ليس دولة بحدود، بل دولة بامتدادات بشرية»
وهذا يعني أن القوة السودانية لا تُقاس فقط بما داخل الخرطوم أو الولايات، بل بما يلي:
– عدد السودانيين في مواقع التأثير عالميًا.
– حجم الشبكات التي يمتلكونها.
– قدرتهم على الوصول للأسواق والمؤسسات
– تأثيرهم على الصورة الذهنية للسودان.
– قدرتهم على تعبئة الموارد وقت الحاجة.
وهنا يتحول السؤال من: كم مغترب لدينا؟
إلى سؤال أكثر خطورة: ما حجم الجغرافيا التي يشغلها السودان خارج خرائطه؟

أصل القضية
المشكلة لم تكن يوماً في أن السودانيين غادروا البلاد، المشكلة أننا لم نعد نراهم بشكل صحيح؛
● رأيناهم أفراداً بينما هم في الحقيقة بنية تحتية بشرية للدولة.
● رأيناهم مغتربين بينما هم امتداد جغرافي للسودان في العالم.

ولهذا فإن مستقبل السودان لن يُكتب فقط داخل حدوده، بل في تلك المساحات التي ينتشر فيها السودانيون: يعملون، يفكرون، ينتجون ويعيدون تعريف السودان دون أن يشعروا.

وهنا بالضبط تبدأ الجيو-سودانية الممتدة.
وتبدأ معها فكرة جديدة للدولة السودانية يعرفها السوداني (المغترب) ، دولة لا تنتهي عند حدودها، بل تبدأ منها فقط. السودان ليس مجرد مساحة جغرافية يعيش فيها السودانيون، بل شبكة عالمية من السودانيين تشكل في مجموعها مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الأرض والموارد الطبيعية.
وهنا بالضبط أصل القضية

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | أصحاب الوجعة .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *