في لحظة تختلط فيها الآمال بالشكوك، يطرح رئيس الوزراء كامل إدريس مبادرة حوار وطني شامل، باعتبارها جسراً نحو انتخابات حرة ونزيهة. غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من وعود، يواجه اختباراً قاسياً في واقع سوداني تمزقه الحرب، وتُثقل كاهله أزمة ثقة عميقة بين مكوناته السياسية والعسكرية.
من حيث المبدأ، لا خلاف على أن الحوار هو السبيل الأقل كلفة للخروج من الأزمات، لكن التجربة السودانية مع الحوارات السابقة تفرض قدراً من الحذر. فقد شهدت البلاد جولات متعددة من التفاهمات التي انتهت إما إلى تسويات هشة أو إلى انهيارات سريعة، بسبب غياب الضمانات الحقيقية، وتضارب الأجندات، وهيمنة موازين القوة على حساب منطق التوافق.
اليوم، تقف هذه المبادرة أمام معضلة أساسية: كيف يمكن لحوار سياسي أن ينجح في ظل استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ؟؟؟
فالحوار، في جوهره، عملية قائمة على الحد الأدنى من الاستقرار، بينما الواقع الميداني يشير إلى عكس ذلك تماماً. لا يمكن بناء توافق سياسي على أرض تتآكلها المواجهات، ولا يمكن إقناع الأطراف بالجلوس إلى طاولة واحدة في ظل انعدام الثقة وتصاعد الخطاب العدائي.
ورغم حديث الحكومة عن شمولية الحوار وعدم إقصاء أحد، إلا أن التصريحات التي تستبعد بعض الأطراف من المشهد السياسي تثير تساؤلات جدية حول مدى التزام هذا المبدأ. فالتجارب الدولية تُظهر أن أي عملية سلام تستثني فاعلين مؤثرين تكون عرضة للفشل، لأن السلام لا يُبنى بين المتفقين ، يبني بين المختلفين أساساً.
في سياق موازٍ، يعكس موقف الحكومة الرافض لمخرجات مؤتمر برلين حول السودان 2026 توتراً واضحاً في علاقتها مع المجتمع الدولي. وبينما يمكن تفهم الاعتراض على تغييب السودان عن مؤتمر يناقش قضاياه، فإن القطيعة مع المسارات الدولية قد تضعف فرص الحصول على دعم سياسي واقتصادي ضروري لإنجاح أي عملية انتقالية.
أما على المستوى الداخلي، فإن الأزمة الاقتصادية تمثل عاملاً ضاغطاً لا يقل خطورة عن الحرب. فاستنزاف الموارد، وتهريب الثروات، وتراجع الخدمات الأساسية، كلها عوامل تُقوّض ثقة المواطن في أي مشروع سياسي. وفي غياب إصلاحات حقيقية، قد يتحول الحوار إلى مجرد نقاش نخبوي بعيد عن هموم الشارع.
الرهان الأكبر في هذه المبادرة لا يتعلق بإطلاق الحوار، بل بتهيئة البيئة التي تجعله ممكناً. فنجاح أي عملية سياسية يتطلب مجموعة من الشروط الأساسية: وقفاً لإطلاق النار، وضمانات أمنية للمشاركين، وآلية مستقلة لإدارة الحوار، إضافة إلى دعم إقليمي ودولي متوازن يحفظ السيادة ولا يعزل السودان عن محيطه.
يبقى السؤال الجوهري: هل تمتلك الحكومة الإرادة والقدرة على توفير هذه الشروط؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها ستتحدد من خلال الأفعال لا الأقوال. فإذا ظل الحوار مجرد إعلان سياسي، فسيتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة الفرص الضائعة. أما إذا أُحسن إدارته، فقد يشكل بداية حقيقية لمسار الخروج من الأزمة.
في النهاية، لا يُقاس نجاح الحوارات بعدد المشاركين فيها، بل بقدرتها على إحداث تغيير ملموس في واقع الناس. والسودان اليوم لا يحتاج إلى حوار يضاف إلى أرشيف المبادرات، بل إلى مسار وطني جاد يعيد بناء الدولة على أسس جديدة من الشراكة والعدالة والاستقرار.


