عذراً أيها الشعب السوداني حين أكتب عنك كثيراً…لكن لأنك أنت أصل القضية.
ليس لأنك وحدك المسؤول عن ما حدث، وليس لأن الدول تسقط بأخطاء شعوبها فقط، لكن لأن السؤال الذي أصبح يطاردني أكثر من أي سؤال آخر هو: متى تتحول المجتمعات من ضحية للأزمة إلى شريك في استمرارها دون أن تشعر؟
في المشهد الأشهر من التاريخ، لم يكن سقوط القيصر بسبب خصومه فقط، كانت اللحظة التي كسرت المعنى كله حين التفت فوجد بروتس.
«حتى أنت يا بروتس؟»
ليست العبارة حزناً على الطعنة، بل دهشة من جهة الطعنة.
وهنا ربما يبدأ سؤال السودان المؤلم: كم مرة تلقى هذا البلد طعنات لم تأتِ من أعدائه، بل من داخله؟
ليس لأن السودانيين شعب سيئ، ولا لأن هذا الشعب أقل وعياً أو أقل أخلاقاً من غيره، لكن لأن المجتمعات حين تطول أزماتها يحدث شيء أكثر خطورة من الفقر والدمار؛
تتعب البوصلة ويبدأ الناس في التكيّف مع ما كان يجب أن يرفضوه.
فنصبح بالتدريج:
– نبرر أكثر مما نحاسب.
– نصنف أكثر مما نفهم.
– نهدم الثقة أسرع مما نبنيها.
– ننتصر للجماعة أكثر مما ننتصر للوطن.
ثم يحدث التحول الأخطر…
لا يعود السؤال: كيف نبني السودان؟ بل:كيف نثبت أن الآخر سبب خراب السودان؟
وهنا تتعدد الرايات ويضيع الوطن بينها، نقول:
– هذا منهم.
– وهذا ضدنا.
– وهذا لا يشبهنا.
– وهذا لا يستحق.
ثم نكتشف متأخرين أننا لم نكن نحرس الحقيقة… كنا فقط نوسع مساحة الخراب.
ومن منظور الجسر والمورد، فإن الدول لا تنهار فقط عندما تضعف مؤسساتها، الدول تبدأ في الانهيار حين يصبح المجتمع نفسه عاجزاً عن إنتاج معنى مشترك للحياة العامة، حين يصبح الانتماء للموقف أقوى من الانتماء للوطن وحين تصبح الهويات السياسية أكبر من الفكرة السودانية نفسها.
وهنا تصبح الطعنة أكثر إيلاماً
لأنها لا تأتي من عدو يعرف أنه يهدمك، بل من ابن بلدك الذي تظن أنه يريد أن ينقذك.
ولذلك فربما السؤال الذي يجب أن نخاف منه ليس:من طعن السودان؟
السؤال الأعمق: كم مرة حمل كل واحد منا سكينته وهو يظن أنه يحمل حلاً؟ وهل يمكن لوطن أن ينجو إذا صار أبناؤه يرون بعضهم بعضاً باعتبارهم المشكلة؟
ربما لا يحتاج السودان اليوم إلى شعب أكثر غضباً، ربما يحتاج إلى شعب يستعيد القدرة على التفريق بين النقد والهدم، بين المحاسبة والكراهية و بين الاختلاف والتفكيك.
لأن الوطن لا يُقتل دائماً بالرصاص، أحياناً يُستنزف بالكلمات، ويُؤجل بالأعذار ويُفقد بالإصرار أن كل الطعنات تأتي من الخارج.
ولهذا…
عذراً أيها الشعب السوداني حين أكتب عنك كثيراً، لكن لأنك لست المشكلة وحدك ولأنك أيضاً ،رغم كل شيء، ما زلت المورد الوحيد للحل.
وهنا بالضبط… أصل القضية


