Popular Now

مسارات .. قراءة في خرائط النفوذ والتحولات العسكرية في الإقليم .. د.نجلاء حسين المكابرابي

من ويستمنستر إلى الشعبوية:هل تدخل بريطانيا نهاية عصر الحزبين أم بداية إعادة اختراع الديمقراطية؟ .. ميرغني الحبر/ المحامي

أصل القضية | وهمُ المحاسبة… حين تتحول السلطة التقديرية إلى حصانةٍ مقنّعة وكيف تُعيد المشروعيةُ بناءَ الدولة من داخل الإدارة؟ .. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

علاقة دولة جنوب السودان بالسودان: عتمة استراتيجية أم مستقبل مشرق؟ (2)د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

من الاستقلال إلى الانفصال: (1956–2011)
يرى المفكر صامويل هنتنغتون أن أخطر الأزمات التي تواجه الدول متعددة الهويات ليست الفقر أو ضعف الموارد، بل فشل النخب السياسية في بناء “هوية جامعة” قادرة على إدارة التنوع دون انفجار. بينما يشير الاستراتيجي إدوارد لوتواك إلى أن الحروب الطويلة لا تستمر فقط بسبب القوة العسكرية، وإنما بسبب وجود بيئات سياسية واجتماعية تسمح بإعادة إنتاج الصراع بصورة مستمرة. أما المفكر عبد الوهاب المسيري فقد حذر من أن بعض الدول ما بعد الاستعمار تحمل في داخلها “قابلية التفكك”، عندما تفشل الدولة الوطنية في تحقيق التوازن بين المركز والأطراف.
وفي السودان، بدت هذه الأطروحات وكأنها قراءة مبكرة لمسار الدولة السودانية بعد الاستقلال. فالسودان الذي خرج من الاستعمار في الأول من يناير 1956 بوصفه أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة، لم ينجح في تحويل استقلاله السياسي إلى مشروع وطني متماسك، بل دخل سريعاً في واحدة من أطول الحروب الأهلية في القارة الأفريقية، وهي الحرب التي انتهت بعد أكثر من نصف قرن بانفصال جنوب السودان عام 2011.
ورغم أن الدولة السودانية وُلدت رسمياً عام 1956، إلا أن جذور الأزمة الجنوبية انفجرت قبل ذلك بعام واحد فقط، حين وقع تمرد توريت عام 1955 داخل صفوف الجنود الجنوبيين في مدينة توريت. وكان ذلك التمرد بمثابة الإنذار المبكر بأن الدولة الجديدة تتجه نحو أزمة بنيوية عميقة تتعلق بتوزيع السلطة والثروة والهوية.
فالجنوبيون الذين دخلوا مرحلة الاستقلال وهم يحملون هواجس تاريخية تجاه هيمنة الشمال، شعروا سريعاً بأن السلطة المركزية في الخرطوم تتجه لاحتكار القرار السياسي والإداري والعسكري دون ضمانات حقيقية للشراكة المتوازنة. وفي المقابل، كانت النخب الشمالية الخارجة لتوها من معركة الاستقلال ترى أن الحفاظ على وحدة السودان يقتضي مركزية الدولة، لا إعادة توزيعها على أسس فدرالية أو إثنية.
ومع اتساع فجوة الثقة، بدأت حركة التمرد الجنوبي الأولى المعروفة باسم “الأنانيا”، والتي خاضت حرباً طويلة ضد الحكومة المركزية خلال ستينيات القرن الماضي. وقد ساهمت الانقلابات العسكرية المتكررة وعدم الاستقرار السياسي في الخرطوم في تعقيد الأزمة أكثر، حيث أصبحت قضية الجنوب رهينة للصراعات الداخلية في الشمال نفسه.
وفي عام 1972 نجح الرئيس جعفر نميري في توقيع اتفاقية أديس أبابا مع حركة التمرد الجنوبية، وهي الاتفاقية التي منحت الجنوب حكماً ذاتياً واسعاً وأوقفت الحرب لعدة سنوات. وقد مثّلت الاتفاقية آنذاك أول محاولة جدية للاعتراف بخصوصية الجنوب داخل السودان الموحد.
غير أن السلام الذي تحقق ظل هشاً، لأن جذور الأزمة لم تُعالج بصورة كاملة. فالاتفاقية قامت على تسوية سياسية مؤقتة أكثر من قيامها على إعادة تأسيس الدولة السودانية بصورة عادلة ومتوازنة. كما أن التحولات الإقليمية والدولية، إلى جانب اكتشاف النفط في جنوب السودان، أعادت إنتاج الصراع بصورة أكثر تعقيداً.
ومع بداية الثمانينيات دخل السودان مرحلة جديدة من التأزم، خاصة بعد قرار الرئيس نميري إلغاء اتفاقية أديس أبابا وتقسيم الجنوب، بالتزامن مع تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية عام 1983. وقد رأت قطاعات واسعة في الجنوب أن تلك الخطوات تعني عملياً إعادة فرض الهيمنة السياسية والثقافية والدينية من المركز على الأطراف.
وفي تلك اللحظة التاريخية ظهر جون قرنق بوصفه الشخصية الأكثر تأثيراً في تاريخ العلاقة بين الشمال والجنوب خلال العقود الأخيرة. فقد أسس الحركة الشعبية لتحرير السودان، ليس فقط كحركة انفصالية، بل كمشروع سياسي حمل رؤية “السودان الجديد”، وهي رؤية تقوم على إعادة بناء السودان على أسس علمانية وفدرالية تتجاوز الانقسامات الإثنية والدينية.
لكن الحرب التي اندلعت منذ 1983 لم تعد مجرد تمرد محلي محدود، بل تحولت تدريجياً إلى صراع إقليمي ودولي معقد. فقد أصبحت أراضي الجنوب ساحة لتقاطعات الحرب الباردة، والتنافس الإقليمي، والتحولات في القرن الأفريقي. كما دخل النفط عاملاً استراتيجياً جديداً في الصراع، بعد اكتشاف احتياطيات ضخمة في مناطق الجنوب والمناطق الحدودية.
وخلال التسعينيات، ومع صعود المشروع الإسلامي في الخرطوم بقيادة حسن الترابي والرئيس عمر حسن أحمد البشير، دخلت الحرب مرحلة أكثر حدة وتعقيداً. فقد تعرض السودان إلى ضغوطات وحصار من قبل الدول الغربية المؤثرة واجهزة مخابراتها و أصبح السودان معزولاً دولياً إلى حد كبير، بينما تلقت الحركة الشعبية دعماً إقليمياً ودولياً متزايداً، خاصة من أوغندا وإثيوبيا ومن خلفها إسرائيل وبعض الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدةالأمريكية .
وفي تلك الفترة تشكلت قناعة متزايدة داخل دوائر دولية وإقليمية بأن الحفاظ على السودان الموحد أصبح أمراً بالغ الصعوبة، خاصة مع اتساع الفجوة النفسية والسياسية بين الشمال والجنوب، وتراكم عقود طويلة من الدماء وعدم الثقة.
ومع مطلع الألفية الجديدة، بدأت الضغوط الدولية تتزايد لإنهاء الحرب، خصوصاً بعد التحولات العالمية التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث أصبحت الولايات المتحدة تنظر إلى تسوية النزاعات في أفريقيا باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب البيئة الأمنية الدولية.
وفي عام 2005 تم توقيع اتفاقية السلام الشامل المعروفة باتفاقية نيفاشا بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان. وقد منحت الاتفاقية الجنوب حكماً ذاتياً واسعاً لفترة انتقالية مدتها ست سنوات، يعقبها استفتاء لتقرير المصير.
ورغم أن الاتفاقية أوقفت الحرب، إلا أنها حملت في داخلها بذور الانفصال أكثر مما حملت مشروع الوحدة. فالفترة الانتقالية لم تشهد بناء مشروع وطني جاذب، بل استمرت خلالها الشكوك والصراعات والتجاذبات السياسية بين الطرفين.
ثم جاءت وفاة جون قرنق عام 2005 لتشكل نقطة تحول مفصلية، إذ فقد مشروع “السودان الجديد” الشخصية القادرة على تسويقه سياسياً داخل الشمال والجنوب معاً، بينما تصاعد التيار الجنوبي الداعي للانفصال الكامل.
وفي يناير 2011 صوّت الجنوبيون بأغلبية ساحقة لصالح الانفصال، لتولد رسمياً جنوب السودان كأحدث دولة في العالم، بينما دخل السودان مرحلة جديدة من إعادة تعريف ذاته الجغرافية والسياسية والاستراتيجية.
لكن الانفصال، رغم رمزيته السياسية، لم يكن نهاية التاريخ بين الطرفين. فالجغرافيا والمياه والنفط والحدود والتداخل القبلي والاقتصادي ظلت جميعها تربط الخرطوم وجوبا بعلاقات معقدة تتجاوز حدود الدولة التقليدية.
لقد انتهت وحدة السودان السياسية، لكن الأزمة البنيوية التي صنعت الحرب الطويلة لم تنتهِ بالكامل، لأن الانفصال نفسه كان نتيجة لمسار تاريخي عميق بدأ منذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة، حين فشلت النخب السياسية المتعاقبة في تحويل التنوع إلى مصدر قوة، فتحول تدريجياً إلى وقود لصراع استنزف الدولة والمجتمع لعقود طويلة.
ومن هنا، فإن انفصال جنوب السودان لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كان التعبير النهائي عن أزمة دولة ما بعد الاستعمار في السودان، وهي الأزمة التي ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل البلدين حتى اليوم.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي | من هو صاحب السيادة؟

المقالة التالية

التضليل الإعلامي في الحرب السودانية.. كيف تستعيد الدولة السيطرة على المجال المعلوماتي؟ .. د. ميسون أحمد عبد العزيز ميرغني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *