Popular Now

الحرب السودانية وأثرها النفسي والاجتماعي على أطفالنا .. د. غادة الهادي يوسف أحمد .. خبير إدارة الكوارث والأزمات والتنمية الريفية المستدامة

جذور و أوراق .. بذور المعرفة .. واستدامة الأثر .. موفق عبدالرحمن

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن(1) مدخل لفهم التحولات الكبرى في الشرق الأوسط .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية

جذور و أوراق .. بذور المعرفة .. واستدامة الأثر .. موفق عبدالرحمن

تبقى الأطروحات العلمية والرسائل الأكاديمية في شكلها التقليدي جزر معرفية معزولة … تكتب بلغة علمية و معملية جادة وجافة ، وتُحكَم بصرامة منهجية تصعب على القارئ العام فهمها و تنزيل معانيها لواقع حياته اليومية _ وهذا ما يجعل كثير منها رهين لرفوف قد يطويها النسيان .
وفي سياق راهننا الثقافي العربي المواجه بتحديات السيولة المعرفية والسطحية الرقمية _ يبرز تحويل هذه الدراسات إلى كتب ثقافية رصينة كضرورة إستراتيجية لتجسير الفجوة بين النخبة والمجتمع _ ليتم من بعد ذلك ضخ هذه المعرفة الحبيسة في شرايين الحياة العامة ، لينتقل الباحث من رتبة الموظف الأكاديمي إلى فضاء المثقف العضوي المؤثر الذي يتقاطع و ينشغل مع قضايا أمته ويساهم في توجيه وعيها الجمعي .

هذه القناعة لم تكن في يوم من الأيام ترف نظري بالنسبة لي بل هي جوهر تجربتي الشخصية في الحقل الثقافي والمعرفي من جهة ودراستي الأكاديمية من جهة اخرى _ لأنني أؤمن بأن القيمة الحقيقية للبحث العلمي لا تكتمل إلا حين يتخلص من تعبيره الجاد وحرصه التوثيقي المعقد ليصاغ بلغة حية ورشيقة تنسجم وتلتقي مع قضايا الهوية وتحديات المجتمع الثقافية و المجتمعية_ وشكل هذا التوجه ضابط أوجه به جهودي ومقالاتي لتقرأ ضمن سياقات التنوير العام لتصبح قادرة على ملامسة وجدان القارئ العادي وإثراء معارفه .

وفي هذا الأفق الرامي لربط التحصيل الأكاديمي بالواقع تبرز مبادرة بذور المعرفة التي أطلقتها وزارة الثقافة في دولة قطر عبر الملتقى القطري للمؤلفين ، لتمثل نموذج مؤسسي رائد في تحويل المنجز البحثي إلى أثر معرفي مستدام _ لا تتوقف هذه المبادرة عند حدود الدعم النظري أو الاحتفاء العابر ، بل تقدم رحلة متكاملة ورؤية واعية تبدأ من لحظة التقديم للمشروع ، مروراََ بالنشر والتدشين ، ووصولاََ إلى التسويق الثقافي الذكي الذي يضمن وصول الكتاب إلى يد القارئ المستهدف .
وبدا لي وانا اشهد إطلاق هذه المبادرة ضمن فعاليات معرض الدوحة للكتاب في نسخته ال ٣٥ ، بدا لي ان عبقرية مشروع بذور المعرفة تكمن في إعداده المتكامل الذي يستهدف تطوير مقدرات ومهارات المؤلف وتزويده بأدوات التحويل الصياغي التي تضمن إستمراريته في الإنتاج المعرفي والإبداعي _ ومن خلال هذه الدورة المنهجية المنضبطة_ ليمضي هذا المشروع بجدارة إلى التأسيس لمحتوى ثقافي ثري ومستدام وبناء جيل جديد من المؤلفين القادرين على قيادة الفكر وحفظ التراث والهوية ، وتحويل الجامعات والمعاهد المراكز العلمية من منصات لمنح الشهادات فحسب إلى حاضنات حقيقية تغذي المشهد الثقافي بمنجز إنساني رفيع يتجاوز حدود الزمن .

اختم بالتأكيد بأن الانتقال بالبحث الأكاديمي من صيغته المعملية الصارمة إلى فضائه الثقافي الرحب ، عبر مشاريع ممتدة كمبادرة مشروع بذور المعرفة _ هذا الانتقال يمثل حجر الأساس في بناء نهضة فكرية عربية حقيقية بالانطلاق من دولة قطر لعموم عالمنا العربي ، وهاهو النداء ينطلق مجدداََ بكامل الوعي والعمق من دوحة العرب بدعوة جادة لإعادة الاعتبار للكلمة المكتوبة وتأصيل دور المؤلف في صناعة الوعي … فالمعرفة التي لا تتحول إلى تيار يتدفق في فكر المجتمع تظل معرفة ناقصة الجدوى .
ومن هنا يصبح الرهان الحقيقي متوقف على مدى قدرتنا على تعميم هذه التجارب المؤسسية ، واستزراع تلك البذور في بيئاتنا الثقافية كافة لتورق عقول واعية وأجيال من المفكرين القادرين على صون الهوية ومواجهة تحولات العصر بثبات ورسوخ .

المقالة السابقة

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن(1) مدخل لفهم التحولات الكبرى في الشرق الأوسط .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية

المقالة التالية

الحرب السودانية وأثرها النفسي والاجتماعي على أطفالنا .. د. غادة الهادي يوسف أحمد .. خبير إدارة الكوارث والأزمات والتنمية الريفية المستدامة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *