Popular Now

عندما تصبح البيانات سيادة … الدرس الذي يجب ألا نضيعه .. د. محمد الخاتم تميم

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6125 | ما المطلوب من الحكومة فعله إذا كانت المطالب مشروعة لكنها مستحيلة التنفيذ حالياً؟

حين يتحول الجدل إلى معركة .. روايات السودان بين خطابين لا يلتقيان .. هشام محمود سليمان

حين يتحول الجدل إلى معركة .. روايات السودان بين خطابين لا يلتقيان .. هشام محمود سليمان

في خضمّ المشهد السوداني المشتعل لا تبدو المعارك محصورة في الميدان وحده، بل تمتد إلى المنابر الإعلامية حيث تصاغ الوقائع من جديد وتعاد هندسة المسؤوليات وفق زوايا النظر. وفي هذا السياق يبرز السجال الأخير بين الصحفي السعودي (ياسين سالم) والسياسي السوداني خالد عمر يوسف (خالد سلك) بوصفه نموذجاً صارخاً لهذا الاصطدام بين خطابين لا يلتقيان، لكن قراءة ياسين سالم للمشهد رغم حدّتها تأتي من وجهة نظر كثيرين أقرب إلى تفكيك واقعيّ باردٍ للمشهد يرفض اختزاله في ثنائية جيش ضد سلام ويصر على أن الحرب في السودان ليست قصة طرف واحد يدان وآخر يبرأ، بل شبكة معقدة من الفاعلين تتداخل فيها حسابات الدولة، والمليشيات والتحالفات القديمة التي أعادت إنتاج الأزمة بشكل أكثر عنفاً.
سالم يوجه انتقاده مباشرة إلى ما يراه (تبسيطًا سياسياً) في خطاب (خالد سلك) خصوصاً حين يحمل الجيش وحده مسؤولية تعطيل السلام في وقت تتصدر فيه قوات الدعم السريع مشهد الانتهاكات والانفلاتات الأمنية في عدد من المناطق وفي رأيه فإن تجاهل هذا الجانب لا يخل فقط بميزان التحليل، بل يخلق سردية ناقصة تعيد توزيع المسؤولية بشكل انتقائي وما يزيد الطرح وضوحا في رؤية سالم هو إصراره على أن الاتهامات الخطيرة التي تُوجّه للجيش سواء ما يتعلق باستخدام أسلحة محرمة أو ارتباطات خارجية لا تستند إلى أدلة راسخة بقدر ما تعتمد على روايات سياسية وإعلامية متداولة بينما الواقع الميداني بحسب قراءته يكشف عن تعقيد أكبر بكثير من هذا الاختزال.
في المقابل لا ينكر سالم أن الحرب مأساة مفتوحة، لكنه يرى أن الطريق إلى السلام لا يبدأ من إدانة طرف واحد، بل من تفكيك بنية السلاح غير المنضبط وإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة قادرة على إنهاء حالة التعدد المسلح التي تحولت إلى دولة داخل الدولة.
ولعل ما يلفت في هذا الجدل ليس فقط محتواه، بل لحظة انكشافه أيضاً إذ يكشف كيف تتحول مفاهيم كبرى مثل (الشرعية، والثورة والجيش الوطني) إلى أدوات في معركة سرديات كل طرف فيها يسعى لإثبات أنه الأقرب إلى الحقيقة، بينما تتراجع الحقيقة نفسها إلى الخلفية.
في نهاية المطاف يبدو طرح ياسين سالم ،رغم حِدّته، أقرب إلى محاولة إعادة ضبط ميزان القراءة؛ إن السودان لا يفهم من زاوية واحدة وإن السلام لا يمكن أن يبنى على تجاهل الفاعلين المسلحين خارج الدولة أيًّا كانت شعاراتهم أو تبريراتهم. ويبقى السؤال مفتوحاً لا بوصفه خلافاً إعلامياً، بل كأزمة دولة كاملة هل يمكن فعلاً الوصول إلى سلام في ظل سرديات متناقضة بهذا العمق، أم أن المعركة على من يروي القصة أصبحت جزءا من الحرب نفسها؟

المقالة السابقة

جلسة مجلس الأمن 10184 و الأبيض: كيف تُصنع الحملة الإعلامية و تُدار الضغوط على السودان (٢–٢) د. خالد حسين محمد

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6125 | ما المطلوب من الحكومة فعله إذا كانت المطالب مشروعة لكنها مستحيلة التنفيذ حالياً؟

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *