مقدمة
بعد أكثر من أربعة عقود على قيام الثورة الإسلامية في إيران، وأكثر من ثلاثة عقود على تجربة الإنقاذ الوطني في السودان، تبرز تساؤلات استراتيجية عميقة حول حصيلة الصراع الطويل بين:
الولايات المتحدة، و إسرائيل
والحركات الإسلامية السياسية ذات الطابع الثوري أو الأيديولوجي. فقد سعت واشنطن وتل أبيب، بدرجات مختلفة، إلى:
– احتواء هذه المشاريع،
– أو إضعافها،
– أو إسقاطها،
– أو إعادة تشكيلها بما يتوافق مع مصالح النظام الدولي الغربي.
لكن مسار الأحداث كشف أن النتائج لم تكن دائماً كما خُطط لها، بل إن بعض المواجهات الاستراتيجية انتهت إلى نتائج عكسية أعادت تشكيل موازين القوى الدولية والإقليمية.
أولاً: أفغانستان وبداية التراجع الأمريكي
يرى عدد من الباحثين أن نقطة التحول الكبرى في صورة القوة الأمريكية بدأت مع الحرب في أفغانستان.
فبعد عشرين عاماً من الوجود العسكري الأمريكي، انتهت الحرب بانسحاب واشنطن وعودة طالبان إلى السلطة، في مشهد اعتبره كثيرون هزيمة استراتيجية للمشروع الأمريكي.
وقد أعادت أفغانستان إلى الذاكرة التاريخية هزائم قوى كبرى سابقة على الأرض نفسها، من بينها الإمبراطورية البريطانية و الاتحاد السوفيتي.
ويرى بعض المحللين أن فشل المشروع الأمريكي هناك كشف حدود القوة العسكرية الغربية في مواجهة المجتمعات العقائدية طويلة النفس.
ثانياً: بغداد واستنزاف القوة الأمريكية
أما في بغداد، فقد واجهت الولايات المتحدة حرب استنزاف معقدة بعد إسقاط نظام صدام حسين.
ورغم النجاح العسكري السريع في بداية الغزو، فإن الاحتلال الأمريكي واجه مقاومة مسلحة،
وخسائر بشرية واستنزافاً مالياً وسياسياً واسعاً.
كما ساهمت التحولات العراقية لاحقاً في تعزيز النفوذ الإيراني داخل العراق، وهو ما اعتبره كثير من المراقبين نتيجة عكسية للسياسات الأمريكية في المنطقة.
ثالثاً: إيران وإفشال مشروع السقوط الخشن
لكن المواجهة الأهم بالنسبة لواشنطن وتل أبيب كانت مع إيران.
فمنذ سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، سعت الولايات المتحدة إلى:
– احتواء الجمهورية الإسلامية،
– إضعافها اقتصادياً،
– عزلها دبلوماسياً،
– وتقويض نفوذها الإقليمي.
غير أن إيران استطاعت:
– الصمود أمام العقوبات،
– تطوير قدراتها العسكرية،
– بناء شبكة حلفاء إقليميين،
– والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة.
وترى طهران أن أكبر انتصار حققته هو إفشال مشروع “السقوط الخشن” ومنع إسقاط النظام رغم الضغوط المركبة.
رابعاً: هل تغير النظام الدولي؟
يرى عدد من المحللين أن المواجهة الطويلة مع إيران ساهمت بصورة غير مباشرة في تسريع التحولات نحو عالم متعدد الأقطاب.
فقد: توسع النفوذ الروسي، وتصاعد الدور الصيني، وتراجعت قدرة واشنطن على فرض إرادتها بصورة منفردة.
كما ظهرت خلافات متزايدة بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين حول:
الحروب، والطاقة، والعقوبات والاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
وقد دعا الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في أكثر من مناسبة إلى تعزيز الاستقلال الأوروبي وتقليل التبعية المطلقة للولايات المتحدة.
خامساً: من أوكرانيا إلى آسيا
تحولات القوة الدولية
تزامنت هذه التحولات مع:
الحرب في أوكرانيا، وتصاعد النفوذ الروسي وتوسع الدور الصيني في آسيا والمحيط الهادئ.
كما باتت الصين تُنظر إليها باعتبارها المنافس الأكبر للولايات المتحدة في النظام الدولي الجديد.
ويرى بعض الباحثين أن الانخراط الأمريكي الواسع في الحروب والصراعات الخارجية رفع تكلفة الهيمنة الأحادية بصورة كبيرة، وأدى إلى إرهاق اقتصادي واستراتيجي متزايد.
سادساً: السودان بين الهبوط الناعم والفوضى
في المقابل، نجحت واشنطن وحلفاؤها بصورة أكبر في إدارة عملية “الهبوط الناعم” في السودان مقارنة بالنموذج الإيراني.
فقد انتهى نظام الإنقاذ بسقوط الرئيس عمر البشير ودخول البلاد في مرحلة انتقالية معقدة.
لكن الصراع الداخلي اللاحق، خاصة بعد حرب 15 أبريل 2023، كشف أن تفكيك الأنظمة دون بناء توافق وطني قوي قد يقود إلى:
– انهيار مؤسسات الدولة،
– اتساع الحروب،
– وتفكك البنية الوطنية.
سابعاً: هل فشلت العقوبات ضد الإسلاميين؟
رغم العقوبات الطويلة على إيران والسودان، يرى بعض المراقبين أن هذه السياسات لم تحقق أهدافها الكاملة.
ففي إيران، أدت العقوبات إلى:
– تعزيز خطاب المقاومة،
– تطوير الاقتصاد البديل،
– والتوجه شرقاً نحو الصين روسيا.
أما في السودان، فلم تؤد العقوبات وحدها إلى إنهاء نفوذ الإسلاميين بصورة كاملة، إذ ما تزال قطاعات سياسية واجتماعية وعسكرية مرتبطة بالتجربة السابقة أو متأثرة بها.
ثامناً: هل الحوار أفضل من الصراع؟
تطرح التطورات الإقليمية والدولية سؤالاً مهماً: هل أثبتت العقود الماضية أن الحوار مع القوى الإسلامية أكثر جدوى من الصدام المفتوح؟
فعدد من التجارب أظهر أن:
الحروب الطويلة مكلفة،
ومحاولات الإقصاء الكامل قد تؤدي إلى نتائج عكسية،
وأن التفاهمات السياسية قد تكون أقل تكلفة من الصراعات المفتوحة.
وفي هذا الإطار، يرى بعض المحللين أن التعامل الواقعي مع القوى السياسية ذات المرجعية الإسلامية قد يكون أكثر فاعلية لحماية المصالح الدولية والإقليمية، بدلاً من سياسات المواجهة الشاملة.
تاسعاً: إيران بين الصعود والاستحالة الجيوسياسية
تكشف التجربة الإيرانية أن بعض الدول، بحكم حجمها، وموقعها، وتاريخها، وقدراتها البشرية والعسكرية يصعب إخراجها بالكامل من معادلات القوة الإقليمية.
ولهذا، فإن أي محاولة لعزل إيران أو إسقاطها بالقوة تحمل كلفة استراتيجية واقتصادية وأمنية مرتفعة جداً.
كما أن موقع إيران المرتبط بالطاقة والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي يجعلها رقماً ثابتاً في معادلات الشرق الأوسط.
خاتمة
تكشف المقارنة بين السودان وإيران أن الصراع مع المشاريع الأيديولوجية لا تحسمه القوة العسكرية وحدها، بل تحدده أيضاً:
– قدرة الدولة على الصمود،
تماسك المجتمع،
– وإدارة التحولات الدولية بذكاء استراتيجي.
فإيران نجحت في إفشال مشروع السقوط الخشن، وفرضت نفسها لاعباً إقليمياً ودولياً مؤثراً، بينما قاد الهبوط الناعم في السودان إلى واقع أكثر تعقيداً بسبب هشاشة التوازنات الداخلية.
وفي النهاية، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة الأحادية، وتتصاعد فيها أهمية التوازنات الدولية، والتحالفات الإقليمية،
والحوار السياسي، والقدرة على بناء الدول القوية القادرة على حماية مصالحها الوطنية.


