Popular Now

(شرتمة) الدعم السريع .. هل هي الحل الأسـلم (2-2)؟ .. العبيد أحمد مروح

مؤتمر إعلان المبادئ بنيروبي.. صورة عن قرب..!!.. تحليل إخباري: مركز الخبراء العرب

أفريقيا الوسطى… الألماس وقوس النار(3) | الحرب الأهلية في أفريقيا الوسطى.. الجذور العميقة .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية

(شرتمة) الدعم السريع .. هل هي الحل الأسـلم (2-2)؟ .. العبيد أحمد مروح

تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال، بعض الخلفيات المتعلقة بنشأة قوات الدعم السريع في 2013 وقلنا إن قرار الرئيس البشير بإنشاء تلك القوات لم يكن وليد لحظة، وإنما أتى في سياق التصدي للتمرد الذي اندلع في دارفور قبل ذلك بعشر سنوات، والذي شكل في نوفمبر 2011 تحالفاً عسكرياً عرف بالجبهة الثورية، وضم الحركات المسلحة الثلاث في دارفور وفصيلي الحركة الشعبية – قطاع الشمال في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق، وأعلن أن هدفه إسقاط النظام عن طريق العمل المسلح. ومن المعروف أن هذا التحالف وسع عملياته العسكرية فاستولى على “أبوكرشولا” في شرق كردفان وهدد مدينتي الرهد وأم روابة، فكان قرار تشكيل قوات الدعم السريع.

وقلنا إن موضوع “الدعم السريع” أعمق من أن نختصره في مجرد قرار سياسي بإنشاء فصيل عسكري مساند للقوات المسلحة في مواجهة تمرد بعينه، وما إذا كان ذلك القرار صائباً أو خاطئاً، فالأمر أكبر من ذلك بكثير ويستحق أن تُـفرد له دراسات تاريخية وإجتماعية معمقة نأمل أن يساهم هذا المقال – بجزئيه – في قدح الفكرة في أذهان المعنيين لكي يفعلوا ذلك.
نحتاج حين التأمل في ظاهرة الدعم السريع بغرض الدراسة أن نأخذ في الاعتبار عدة عوامل يصعب بدونها أن نصل إلى مقاربة موضوعية، وهي عوامل وثيقة الصلة بالجغرافيا وبالتاريخ وبعلم الاجتماع ؛ فمن حيث الجغرافيا نحتاج أن نضع أمامنا كامل خريطة منطقة الساحل والصحراء، وتحديداً الشريط الممتد من حدود السودان مع تشاد وأفريقيا الوسطى، غرباً عبر النيجر ومالي وجنوب ليبيا والجزائر إلى شمال نيجيريا وموريتانيا، أما من حيث علم الاجتماع فنحتاج إلى دراسة المجموعات القبلية الجائلة في هذا الفضاء الصحراوي، وتشخيص البيئة الثقافية الحاضنة لقبائل مثل التب، أو القرعان، والتيـدا، والطوارق والأزواد، وبطبيعة الحال امتدادات قبائل البقارة السودانية كالرزيقات والمسيرية والسلامات، ونفحص طبيعة الأنشطة الحياتية التي تمارسها تلك المجاميع القبلية، ونحتاج أن نتذكر أن بين السودان من جهة وتشاد وأفريقيا الوسطى والنيجر من جهة أخرى توجد قرابة الخمسة عشر قبيلة مشتركة، بعضها ذات أصول عربية وأخرى ذات أصول أفريقية، كما يجري التصنيف، وأن بعض تلك القبائل المشتركة تمتد في بقية منطقة الساحل الأفريقي، وهذا ما سنأتي على أثره لاحقاً.

أما من حيث التاريخ، فالقصة تطول، لكن ما يعنينا فيها أمران، الأول هو الاستثمار السياسي الذي قام به نظام العقيد القذافي منذ ثمانينات القرن الماضي، وسط عدد من تلك المجاميع القبلية، وتكوينه لـلفيلق الإسلامي بقيادة الشيخ إبن عمر لمحاربة نظام حسين هبري في تشاد ومحاولة إسقاطه، وقد أدخل القذافي أعداداً كبيرة من شباب تلك القبائل وخاصة من تشاد والنيجر ومالي في “مدرسة الكادر” الخاصة باللجان الثورية وأفكار الكتاب الأخضر، ومن خلال ذلك ترسخت الأفكار الثورية التي لا تعترف بالأنظمة السياسية ولا بالحدود الجغرافية.. والثاني التداخل الكثيف لأنشطة المخابرات الدولية – بما في ذلك إسرائيل-في تلك المنطقة و وسط تلك المجتمعات، خاصة بعدما انتقلت إليها أفكار جماعات التشدد الإسلامي كالقاعدة، و داعش وبوكو حرام، وأنشطة تهريب البشر والمخدرات والسلاح والهجرة غير الشرعية.

هذه البيئة المعقدة والمفككة، أنشأت ثقافة تقوم على اقتصاد الحرب، وتمجد السلب والنهب والاستيلاء على كل ما هو متاح، ولا تضع قيمة للحرمات، فالخطف، والقتل والسبي ينظر إليه كنوع من البطولة التي تستحق التباهي بها، وقد رأينا ذلك بأم أعيننا في سلوك عناصر الدعم السريع، الذين كانوا يفاخرون بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبونها، لكن قبل أن نجعل من هذا التقدير مطلقاً، يجدر بنا تقييده في جانب من الحالة السودانية، وأن نـُذكر بأن المجموعات العرقية التي استوطنت السودان منذ قرون، من بين بطون تلك القبائل، تغيرت سلوكيات أفرادها واعتزل أغلبها تلك السلوكيات الهمجية، وهنا يجدر كذلك التنويه بالمقال القيم الذي كتبه الدكتور الدرديري محمد أحمد، من أكثر من حلقة، في يونيو 2023 بعنوان “عربان الشتات، ومشروع إعادة توطينهم في السودان”، فالمقال فتح أذهان المهتمين على كثير من الأبعاد المتعلقة بتلك المجموعات القبلية، ومخططات القوى الدولية للتخلص من الصداع الذي تسببه في منطقة الساحل الأفريقي وجنوب المتوسط.

نستطيع أن نخلص إلى القول بأن الحرب التي اندلعت في السودان في منتصف أبريل 2023 لم تكن مجرد محاولة للاستيلاء على السلطة، ولا حتى مجرد “ثورة هامش مسلحة” للقضاء على السلطة المركزية في السودان، وإنما كانت حرباً هجيناً تتداخل فيها أجندة متعددة، بعضها داخلي وآخر خارجي، وهي مقصودة – في مرحلتها الأولى على الأقل – لصناعة حالة من الفوضى المفضية إلى إعادة هندسة الأوضاع في السودان، بعدما فشلت سبل الهندسة الأخرى بما في ذلك إستجلاب بعثة أممية للغرض نفسه، وأن كل طرف من أطراف الحرب المتآزرة ظل يسعى لقطف ثمار تلك الفوضى، وفي هذا السياق الكلي ينبغي النظر إلى “الدعم السريع” ليس فقط كأداة عابرة للحدود، يستخدمها أكثر من طرف، مستغلاً طموحات قيادته التي نشأت وترعرت في تلك البيئات وتشبعت بتلك الثقافات التي أشرنا إليها، وإنما أيضاً باعتباره “حالة” مهددة للاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي بكاملها، وأن ما حدث في السودان يمكن أن يتكرر في أي دولة من دول الساحل والصحراء.

والحال كذلك، فإن الجهود التي تبذلها مؤسسات الدولة، ممثلة في الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات العامة، والتي تستهدف إقناع قادة مدنيين، وقادة ميدانيين، للعودة إلى حضن الدولة، تكتسب أهميتها في أنها تدرك أن الدعم السريع في جوهره هو مجموعات متآزرة، يجمعها الرابط القبلي وتوحدها الأطماع والأسلاب وطموحات القيادات، وأنه كلما تبين لبعض هؤلاء أن الطريق الذي يسلكونه سيؤدي بهم إلى الهلاك، وأن مصلحتهم في اعتزال التمرد، كلما زادت فرص تحييد بندقيتهم الموجهة ضد الدولة، وضد المدنيين العزل، غير أنه من المهم كذلك أن تدرك هذه المؤسسات بأن هذا ليس سوى حل مؤقت ومسكن موضعي للألم، وأن الأمر بلغ مداه بحيث يتعين أن تكون المعالجة أكثر شمولاً وعمقاً، لا تقتصر على السودان وحده، وتستحضر الجغرافيا والتاريخ، وتشخص البيئة الثقافية التي نشأت فيها قيادات الدعم السريع ومقاتلوه، وتضع المعالجة الشاملة لا القائمة على التجزئة والتقطيع بغير انتظام.

والتقطيع بغير انتظام، هي الجملة الشارحة لكلمة “شرتمة” التي أتت في العنوان، وهي من العامية السودانية، وتعتبر تحريفاً من كلمة “شرذمة” الفصيحة و تُستخدم “شرتمة” غالباً للدلالة على التشتت والفوضى، ومَن أراد أن ينظر إلى تجسيد لمعنى “شرتمة” عليه أن ينظر إلى خريطة السودان وحدوده الجنوبية بعد الانفصال !!

المقالة السابقة

مؤتمر إعلان المبادئ بنيروبي.. صورة عن قرب..!!.. تحليل إخباري: مركز الخبراء العرب

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *