لم يعد من الممكن قراءة موقع تشاد في النظام الإقليمي الإفريقي بوصفه مجرد موقع دولة طرفية تعاني من عدم الاستقرار، بل جزءاً عضوياً من بنية أمنية وسياسية عابرة للحدود تمتد من ليبيا إلى السودان، ومن حوض بحيرة تشاد إلى عمق الساحل الإفريقي. هذا التحول لا يعكس صعود قوة وقدرة تشادية بقدر ما يعكس غرس عميق في هشاشة النظام الإقليمي نفسه، حيث تتداخل الدولة باللا دولة، وتختلط الحدود بين السياسة، والأمن والاقتصاد غير الرسمي. في هذا السياق يمكن فهم تشاد بوصفها دولة مركز ثقل متصدع استراتجيا داخل شبكة صراعات إقليمية أكثر من كونها دولة مركزية مستقلة القرار.
وفق المقاربة الواقعية الجديدة التي طورها كينيث والتز، تتحرك الدول داخل نظام فوضوي يفرض عليها السعي المستمر للبقاء. غير أن الحالة التشادية تكشف عن نسخة أكثر تعقيداً من هذه الفوضى، حيث لا يتعلق الأمر فقط بفوضى النظام الإقليمي، بل بفوضى داخلية تجعل الدولة نفسها غير مكتملة التماسك. هنا تصبح السياسة الخارجية امتداداً مباشرًا لحسابات البقاء الداخلي، وهو ما يفسر قابلية تشاد العالية للتداخل مع صراعات الجوار، وخاصة السودان.
لقد شكل السودان عبر العقود الماضية العمق الاستراتيجي الأكثر تأثيراً في تشاد، ليس فقط بسبب الجوار الجغرافي، بل بسبب الامتدادات القبلية والاقتصادية والعسكرية الممتدة عبر الحدود. ومع اندلاع حرب مليشيا الدعم السريع السودانية فى العام 2023 دخلت هذه العلاقة مرحلة أكثر خطورة، تحولت فيها الحدود إلى فضاء مفتوح لتدفقات السلاح، والمرتزقة الأجانب، وتهريب الذهب، وممراً شريراً للجريمة المنظمة، واللصوصية، والنهب وصنوف الاجرام، وتداخلت فيه شبكات إقليمية ودولية متعددة المصالح.
إن خطورة مليشيا الدعم السريع لا تكمن فقط في بعدها العسكري، بل في طبيعتها كفاعل غير دولتي عابر للحدود يعيد تشكيل الجغرافيا الأمنية للإقليم. وفي هذا السياق، برزت تقارير وتحليلات دولية متعددة تشير إلى تعقيد شبكات الإمداد والتمويل المرتبطة بالحرب في السودان، بما في ذلك أدوار فاعلين إقليميين ودوليين مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تنظر إليها التحليلات والتقارير الموثقة باعتبارها لاعباً محورياً في هندسة مسارات الدعم اللوجستي والاقتصادي وجلب المرتزقة وتوفير السلاح
لمليشيا الدعم السريع. هذا التداخل بين الاقتصاد السياسي للحرب والبنية الإقليمية جعل من تشاد ساحة عبور وضغط في آن واحد، وليس مجرد دولة مراقبة للصراع.
لكن فهم هذا التورط أو الانخراط التشادي لا يمكن أن يتم عبر مقاربة أخلاقية أو سياسية سطحية، بل يجب أن يُقرأ عبر ثلاث طبقات تحليلية مترابطة. المستوى الأول هو مستوى الدولة التشادية نفسها، وهي دولة لم تكتمل مؤسساتها بعد، وتقوم بنيتها الأساسية على الجيش والأجهزة الأمنية وشبكات الولاء القبلية. في هذا السياق، لا يمكن فصل القرار الخارجي عن حسابات بقاء النظام السياسي، وهو ما يجعل ما يبدو كأنه “اختيار سيادي” في الواقع امتداداً لبنية داخلية هشّة.
أما المستوى الثاني فهو مستوى الجغرافيا الإقليمية، حيث تقع تشاد في قلب منطقة شديدة الاضطراب تشمل ليبيا شمالاً كمصدر دائم للسلاح والمرتزقة، والسودان شرقاً كفضاء للصراع العسكري، وأفريقيا الوسطى جنوباً كساحة مفتوحة للجماعات المسلحة، والنيجر ونيجيريا غرباً كممرات لحركات التمرد والتطرف العنيف. هذا الموقع يجعل تشاد دولة “مفتوحة أمنياً” أكثر من كونها دولة ذات سيادة جغرافية محكمة، وهو ما يتقاطع مع رؤية فرنان بروديل حول الجغرافيا بوصفها محدداً بطيئاً يعيد تشكيل السياسة عبر الزمن الطويل.
أما المستوى الثالث فهو طبيعة الحرب السودانية نفسها، التي لم تعد حرباً تقليدية ، بل أصبحت شبكة معقدة من الفاعلين: جيش نظامي، مليشيات، ومرتزقة أجانب، شبكات تهريب وداعمين خارجيين. إن مليشيا الدعم السريع تمثل في هذا السياق نموذجاً لما يسميه بعض منظري العلاقات الدولية “الفاعل الهجين”، الذي يجمع بين الوظيفة العسكرية والاقتصاد غير الرسمي والامتداد القبلي العابر للحدود، وهو ما يجعل ضبطه أو عزله أمراً بالغ التعقيد.
في ضوء هذه المستويات الثلاثة، يصبح سلوك تشاد تجاه الحرب السودانية ليس خياراً ثنائياً بين التأييد والحياد، بل نتيجة بنية ضغط متعددة الاتجاهات. فالدولة التشادية، كما يوضح بول ديفيدسون في تحليل الدول الهشة، لا تتحرك ضمن حرية سيادية كاملة، بل ضمن هامش ضيق تحدده التوازنات الداخلية والخارجية. وهذا ما يجعل أي انخراط في الصراع السوداني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، جزءاً من استراتيجية إدارة المخاطر أكثر من كونه موقفاً سياسياً أيديولوجياً.
إلا أن هذا الانخراط، مهما كانت مبرراته، يحمل في طياته مخاطر استراتيجية كبيرة، أبرزها إعادة إنتاج الهشاشة الداخلية داخل تشاد نفسها. فالتورط في صراع السودان ينعكس مباشرة على التوازنات القبلية داخل الجيش التشادي، وخاصة في المجتمعات العابرة للحدود مثل التي تمتد جذورها الاجتماعية والسياسية بين شرق تشاد ودارفور. هذا التداخل يجعل من الحرب السودانية عاملاً محفزاً لإعادة تشكيل الولاءات داخل الدولة التشادية نفسها، وليس فقط خارجها.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال أن هذا الوضع يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لإعادة هندسة النفوذ في المنطقة. فكما أشار هنري كيسنجر في تحليله للنظام الدولي، فإن الفراغات الاستراتيجية لا تبقى فارغة، بل يتم ملؤها دائماً من قبل قوى أكثر تنظيماً وقدرة على الحركة. وفي الحالة التشادية–السودانية، يتم ملء هذا الفراغ عبر تداخل أدوار الإمارات وقوى إقليمية أخرى، كل منها يسعى لتثبيت نفوذه عبر بوابات الأمن والذهب والسلاح.
إن النتيجة النهائية لهذا التشابك هي تحول تشاد من دولة محيطية إلى دولة مركزية في إدارة الفوضى الإقليمية، ولكن دون امتلاك أدوات الدولة المركزية الحقيقية. وهذا التناقض هو جوهر الأزمة التشادية المعاصرة: دولة تتحرك داخل مركز الصراع الإقليمي لكنها لا تمتلك أدوات السيطرة عليه.
وهكذا، فإن فهم موقع تشاد في الحرب السودانية لا يمكن أن ينفصل عن فهم بنيتها الداخلية، ولا عن فهم النظام الإقليمي الذي تتحرك داخله. إنها دولة تتحرك داخل فوضى متعددة الطبقات، حيث يتداخل المحلي بالإقليمي، والإقليمي بالدولي، وتصبح السياسة الخارجية انعكاساً مكثفاً لهشاشة الداخل أكثر من كونها تعبيراً عن سيادة مستقلة.


