Popular Now

سلسلة مقالات فى المعني والمبنى (3) اثر العولمة والذكاء الاصطناعي فى الاسرة وسط امواج من المتغيرات .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

وجه الحقيقة |أسامة داؤود… بين المال والسياسة .. إبراهيم شقلاوي

طريق الصادرات القومي: عودة الشريان الاقتصادي للسودان ودول الجوار .. د. محمد عوض محمد متولي .. مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات.

سلسلة مقالات فى المعني والمبنى (3) اثر العولمة والذكاء الاصطناعي فى الاسرة وسط امواج من المتغيرات .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية

إذا كانت الثورة الصناعية فى اوروبا قد أعادت تشكيل الاقتصاد، فإن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي يعيدان اليوم تشكيل الإنسان نفسه، ومن ثم يعيدان تشكيل الأسرة، التي ظلت عبر التاريخ المؤسسة الأولى لتكوين الشخصية، وغرس القيم، ونقل الخبرة الإنسانية من جيل إلى آخر. فالتاريخ الاجتماعي يعلمنا أن الأسرة ليست مؤسسة جامدة، وانما تتغير مع كل تحول حضاري كبير. فقد أفسح المجتمع الزراعي المجال للأسرة الممتدة التي كانت تقوم على التضامن الاقتصادي والاجتماعي، ثم جاءت الثورة الصناعية لتقلص هذا النموذج، وتدفع نحو الأسرة النووية التي أصبحت أكثر انسجاماً مع متطلبات المدينة الحديثة وسوق العمل.
أما الثورة المعرفية، بما حملته من عولمة رقمية وصعود متسارع للذكاء الاصطناعي، فإنها تدفع اليوم الأسرة النووية نفسها إلى مرحلة جديدة، يمكن وصفها مجازاً بـ”الأسرة الإلكترونية”. ففي هذا النموذج لم تعد الأسرة هي مركز التفاعل اليومي كما كانت في السابق، وقد أصبح الفرد هو محور المنظومة، و تحولت أجهزته الرقمية إلى نافذته الأساسية على العالم، وإلى الوسيط الذي يعيد تنظيم وقته، وعلاقاته، ومصادر معرفته، بل وحتى مشاعره.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن الوسائط الرقمية، التي نجحت في اختصار المسافات بين القارات، وسهلت التواصل بين البشر على امتداد العالم، أسهمت في الوقت نفسه في توسيع المسافات النفسية داخل المنزل الواحد. فالهواتف الذكية، والحواسيب، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، استطاعت أن تجعل البعيد قريباً إلى درجة غير مسبوقة، لكنها، في المقابل، جعلت القريب يبدو بعيداً. فأصبح الفرد يعيش مع أشخاص يشاركونه الغرفة أو المنزل، بينما ينشغل وجدانياً وعقلياً بأشخاص لا يربطه بهم سوى فضاء افتراضي.
وهكذا أعادت التكنولوجيا تشكيل الجغرافيا الاجتماعية. فلم يعد العالم مجرد قرية كونية ، كما تنبأ منظرو العولمة، بل أصبح، بفعل الهواتف الذكية، أشبه بغرفة واحدة تتحرك داخلها ملايين الرسائل والصور والأفكار في اللحظة نفسها. غير أن هذا الانكماش الهائل للمسافات المادية ترافق مع اتساع غير مسبوق للمسافات الإنسانية، حتى غدا الحوار داخل الأسرة أقل كثافة، والجلوس المشترك أقل حضوراً، والمشاركة الوجدانية أكثر هشاشة.
وقد وصف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان هذه الحالة بأنها أحد تجليات الحداثة السائلة، حيث تصبح العلاقات الإنسانية سريعة التبدل، سهلة الإنشاء، وسهلة الانقطاع في الوقت نفسه. فكلما ازدادت الوسائل التقنية قدرة على ربط البشر، ازدادت العلاقات هشاشة، لأن التكنولوجيا توفر سرعة الاتصال، لكنها لا تستطيع أن تصنع الثقة، ولا أن تمنح الدفء الإنساني، ولا أن تبني الذكريات المشتركة التي تُشكل أساس الأسرة.
ومن زاوية أخرى، يرى مانويل كاستلز أن المجتمع الشبكي نقل الإنسان إلى فضاء جديد تتداخل فيه الحدود بين الواقع والافتراض، حتى أصبحت الهوية نفسها تتشكل داخل الشبكات الرقمية بقدر ما تتشكل داخل المجتمع الواقعي. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، أخذ هذا التحول يزداد عمقاً، إذ لم تعد المنصات الرقمية تكتفي بعرض المحتوى، بل أصبحت قادرة على توجيه الاهتمام، واقتراح الأفكار، والتأثير في السلوك، وصناعة التفضيلات، بل وحتى إعادة تشكيل أنماط التفكير والذوق العام.
ومن هنا ينشأ ما يمكن وصفه
بالعالم التمثيلي، وهو عالم يفيض بالصور والانطباعات والخيال، لكنه يفتقر في كثير من الأحيان إلى العمق الإنساني. فالإنسان يعيش في فضاء افتراضي يمنحه شعوراً دائماً بالحضور، بينما يعاني في واقعه المباشر من نقص متزايد في التفاعل الحقيقي. إنه يتحدث كثيراً، لكنه يتحاور قليلاً؛ ويرى آلاف الوجوه كل يوم، لكنه يفتقد وجهاً يصغي إليه بصدق.
ومع مرور الزمن، يتحول هذا الواقع الافتراضي إلى بديل نفسي عن المجتمع الطبيعي، دون أن ينجح في أداء وظائفه الأساسية. فهو لا يمنح الإنسان الإحساس الحقيقي بالانتماء، ولا يعوضه عن دفء الأسرة، ولا يوفر له الأمان العاطفي الذي ظل، عبر التاريخ، أحد أهم وظائف العلاقات الإنسانية المباشرة. ولذلك يتنامى الإحساس بالوحدة، رغم كثافة الاتصال، ويزداد الشعور بالخواء، رغم وفرة المحتوى، ويصبح الإنسان أكثر تعرضاً للعزلة، رغم أنه يعيش وسط عالم لا ينقطع عن إرسال الرسائل والإشعارات.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الارتفاع الملحوظ في معدلات الانتحار و القلق والاكتئاب والانفصال العاطفي في كثير من المجتمعات الحديثة. فليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في تحولها من أداة تساعد الإنسان على بناء حياته، إلى بيئة تستهلك وقته ووعيه وعلاقاته، حتى أصبح كثير من الأفراد يقيسون حضورهم الاجتماعي بما يحققونه داخل الفضاء الرقمي، لا بما يبنونه داخل أسرهم ومجتمعاتهم.
إن الأسرة، التي كانت تمثل المدرسة الأولى للمحبة والتضامن والتنشئة، نجدها اليوم أمام تحدٍ غير مسبوق، لأن المنافس الحقيقي لم يعد مؤسسة اجتماعية أخرى، وإنما منظومة رقمية عالمية تعمل على مدار الساعة، تمتلك من أدوات الجذب والتأثير ما يجعلها قادرة على استقطاب انتباه الفرد، وإعادة ترتيب أولوياته، وصياغة اهتماماته، بصورة لم تعرفها الإنسانية في أي مرحلة سابقة.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة |أسامة داؤود… بين المال والسياسة .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *