في خضم التحولات الدولية المتسارعة، لم تعد الصراعات الأفريقية مجرد أزمات هامشية تعكس فشلاً محلياً في إدارة التنوع، بل تحولت إلى مرايا عاكسة للتنافس الإمبريالي الجديد، حيث تتداخل حروب العصابات مع سباق القوى الكبرى على تأمين سلاسل التوريد الحيوية. يقع النزاعان المتأججان في قلب الكونغو الديمقراطية وفي ربوع السودان عند مفترق طرق استراتيجي يجمع بين أزمة الطاقة العالمية وإعادة رسم خريطة النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
يقول الواقعيون الجدد، وعلى رأسهم جون ميرشايمر، إن الدول تسعى دوماً لتعظيم نفوذها النسبي في نظام عالمي فوضوي. لكن ما يحدث اليوم في أفريقيا يتجاوز النماذج القديمه إنه صراع “الجيل الرابع” بحسب مفهوم ويليام ليند، حيث تتداخل الدولة مع غير الدولة، وتختفي الحدود الفاصلة بين الجبهات العسكرية وخطوط الإمداد الاقتصادية. وكما أشار روبرت كابلان في تحليلاته حول “إفريقيا المظلمة” التي نقدها لاحقاً، فإن الجغرافيا لا تزال قدراً، لكن القدر اليوم يُكتب بالكوبالت والكولتان والذهب أكثر مما يُكتب بالحدود المرسومة على ورق الاستعمار.
فهل أصبحت كينشاسا والخرطوم ساحتيْن لتصفية حسابات القوى العظمى والصغرى على حد سواء؟ الإجابة تكمن في تفكيك التقاطعات الجيوبوليتيكية لهذين الصراعين المتشابهين في الآلية، المختلفين في السياق.
في شرق الكونغو، لا تقاتل حركة 23 مارس (M23) من أجل هوية التوتسي وحدها، بل تقاتل للسيطرة على شريان الاقتصاد العالمي الجديد. فمنطقة كيفو الشمالية والجنوبية ليست مجرد أرضٍ مخضبة بالدماء، بل هي “أوبك المعادن الخضراء”. ينتج إقليم كيفو وحده نحو 60% من إمدادات التانتالوم العالمية، إضافة إلى كميات هائلة من الكوبالت، الذي لا يمكن لصناعة السيارات الكهربائية ولا للتحول فى مجال الطاقة الغربي الاستغناء عنه. تشير تقارير خبراء الأمم المتحدة الصادرة في يوليو 2025 إلى أن التهريب المنظم للمعادن من مناجم الكونغو إلى رواندا بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث يسيطر تحالف M23 المدعوم من كيغالي على منجم “روبايا” الاستراتيجي، محققاً إيرادات تقدر بـ 800 ألف دولار شهرياً من الضرائب غير الرسمية على الكولتان. وهنا يبرز البعد الجيوبوليتيكي الأعمق، ففي يونيو ويوليو 2025، كان هناك سباق دبلوماسي محموماً بين اتفاق واشنطن الذي جمع الكونغو ورواندا، وإعلان الدوحة الذي جمع الكونغو وM23. لكن كلا المسارين انهار في أغسطس، ليؤكد حقيقة استراتيجية مفادها أن الراعية أمريكا تقدم حلولاً مسكّنة لا تعالج جذور الصراع، لأن اقتصاد الحرب ذاته أصبح يخدم أجندات جيواقتصادية ، أكثر مما يخدم سلاماً مستداماً في البحيرات العظمى.
إن التهديد الإقليمي هنا متصاعد، فمع نشر أوغندا 1000 جندي إضافي في فبراير 2025، ونزوح أكثر من 2.1 مليون شخص منذ يناير، يتحول الصراع الكونغولي من حرب أهلية إلى أرخبيل أزمات متصل ببوروندي وأوغندا ورواندا، مهدداً بتفكيك الدولة الكونغولية الهشة أصلاً، والتي حذر معهد الدراسات الأمنية من أن خطر التجزؤ فيها بات وشيكاً.
بالانتقال شرقاً نحو وادي النيل، نجد المشهد مختلفاً في شكله لكن متطابقاً في جوهره. الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل 2023 ليست مجرد معركة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل هي حرب قوي اجنبية على عصب الاقتصاد السوداني: الذهب، الذي يشكل نحو 70% من صادرات البلاد، بقيمة تتجاوز 16 مليار دولار سنوياً، تسيطر مليشيا الدعم السريع على مناجم الذهب في دارفور وكردفان فى سنغو فى مناطق جيب كيفي كنجا وجبل عامر فى شمال دارفور وغيرها من المناطق . لكن الأبعاد الجيوبوليتيكية هنا تتجاوز المورد إلى الموقع. يقع السودان على مفترق الطرق بين القرن الأفريقي والبحر الأحمر والساحل، مما يجعله رقعة شطرنج للقوى العالمية المتصارعة. الإمارات العربية المتحدة، التي تهرب الدهب
من مناطق احتلال الدعم السريع، ترسخ وجودها الاقتصادي عبر دعم مباشر امارتي عسكري ولوجستي للمليشيا . روسيا تسعى لمنافسة التفوق الغربي في الاقليم تعزز حضورها هنا وهناك ، بينما تواصل الصين توسيع أنشطتها الاستخراجية في سياق التنافس على الموارد الأفريقية.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: فبينما تتنافس القوى الكبرى على النفوذ، احدثت حرب مليشيا الدعم السريع حالة اضطراب يهدد استقرار المنطقة بأكملها، ويربط الساحل الأفريقي بالشرق الأوسط عبر هجرات غير شرعية وتهديدات إرهابية عابرة للحدود.
يجمع الصراعان سمة واحدة لا جدال فيها، وهي تحويل الموارد إلى سلاح حرب. لكن ثمة فروقاً بنيوية عميقة:
ففي الكونغو، النزاع قائم بين دولة مركزية وجارة إقليمية (رواندا) تعمل عبر وكلاء، مما يجعله نموذجاً للحرب بالوكالة الإقليمية الكلاسيكية.
أما في السودان، فالصراع يدور بين الحكومة السودانية ومليشيا متمرده هي مجرد غطاء لتدخل اجنبي لا يحتاج الي كثير عناء للتدليل عليه ، مما يجعله أشد تعقيداً، إذ يوجد طرف خارجي يملك نفوذاً علي المليشيا ورغبة اكيده فى استمرار الحرب، مع وحود مصالح دولية متضاربة تطيل أمد الأزمة لتضمن استمرار تدفق الذهب والامتيازات البحرية.
المورد الكونغولي (الكولتان والكوبالت) يرتبط بثورة الطاقة المستقبلية، بينما يرتبط المورد السوداني (الذهب) باقتصاد الحروب التقليدية وتمويل المليشيا وروابط تحالف مع حركة الحلو فى جنوب كردفان وجوزيف تكا فى جنوب النيل الأزرق . لكن القاسم المشترك الأكثر إثارة للقلق هو شبكات التهريب غير الرسمية التي تمول الحرب ، وتجعل من استمرار الفوضى مصلحة لقوى خارجية تبحث عن موارد رخيصة ونفوذ جيوسياسي دون تحمل تكاليف الحوكمة.
ختاما نقول ان أفريقيا مازالت تعاني بين نظرية الفوضى ومشروع السلام المفقود، وان ما تقدمه لنا الوقائع الميدانية هو نقد موجع للنظريات الاستراتيجية التقليدية. ففي حين يتحدث هنري كيسنجر عن توازن القوى، نجد في الكونغو والسودان اختلالاً متعمداً تُنتجه المصالح الخارجية. وفي حين يركز جوزيف ناي على القوة الناعمة، نرى القوة الخشنة للمعادن والذهب تتغلب على أي مشروع ثقافي أو أخلاقي.
إن قراءة الصراعين معاً تكشف أن الحلول المستدامة لن تأتي من صفقات النخب أو بيانات الإدانة الدولية، بل من مقاربتين ضروريتين: الأولى، تفكيك شبكات التهريب ووضعها تحت المساءلة القانونية الدولية، والثانية، إشراك المجتمعات المحلية في عمليات السلام بدلاً من الاكتفاء بالوسطاء الخارجيين الذين يسوقون مصالح بلدانهم تحت غطاء إنساني.
يبقى السؤال الأصعب: هل تمتلك القوى الدولية الراغبة في استقرار أفريقيا الإرادة لمواجهة شركاتها ومؤسساتها المالية التي تستفيد من استمرار الفوضى؟ أم أن بحيرات القارة العظمى وسواحلها ستظل ساحة لتجربة جديدة من “الإمبريالية الخضراء”، حيث يدفع الافارقة ثمن بطاريات الغرب وأساور الذهب الخليجية بدمائهم وحريتهم؟
الأيام القادمة، خصوصاً مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر وتزايد الطلب على معادن الطاقة النظيفة، ستثبت أن مصير السلام في الخرطوم وكينشاسا ليس مجرد شأن أفريقي، بل هو اختبار حقيقي لمصداقية دول الغرب الراسمالي التي تزعم أنها تقوم على العدالة والتنمية، بدلا من ادارة الازمات ما بمنطق القوة الغاشمة واستنزاف الموارد.
الاربعاء الموافق 1/7/2026


