استناداً إلى ما أورده موقع “سودان سوا “الأحد بشأن العثور على 25 جثة لمهاجرين سودانيين في منطقة صحراوية نائية على المسار الحدودي بين الجزائر والمغرب، وما كشفه تقرير الطب الشرعي بحسب الموقع، حول تعرض بعض الجثث لعمليات استئصال لأعضاء بشرية، فإننا كما يبدو أمام لحظة حزينة تعبر عن انهيار الحماية الإنسانية والأمن الإقليمي، حيث أصبح الإنسان هدفًا قابل للاستهلاك في اقتصاد الجريمة المنظمة.
تعكس هذه الواقعة تحولاً خطيرا في مسارات الهجرة غير النظامية، إذ لم تعد مجرد عبور محفوف بالمخاطر، بل غدت منظومة محكمة تديرها شبكات عابرة للحدود، تمتلك من الأدوات ما يتيح لها تحويل أجساد الفارين من الحرب والفقر إلى سلعة تُتداول في سوق سوداء لا تعترف بالقانون ولا بالحدود ولا بالإنسانية. وفي قلب هذه المأساة، يجد السودانيون أنفسهم اليوم أمام واقع مؤلم ومخزٍ، فرضته الحرب بما خلّفته من انهيار في الاستقرار السياسي والأمني، وتفكك في منظومات الحماية الاجتماعية.
إن قراءة هذا الحدث بمعزل عن السياق السوداني الراهن تظل قراءة ناقصة، فالحرب التي انزلقت إليها البلاد بعد فشل مسار التوافق السياسي لم تُنتج صراعاً داخل الحدود فحسب، بل أعادت تشكيل حركة السكان خارجها، ودَفعت آلاف المدنيين إلى طرق غير آمنة، حيث تلتقي هشاشة الداخل مع شبكات إجرامية دولية تتقن استغلال لحظات التحدي الوطني. وفي هذا التقاطع تحديداً تنشأ الفاجعة: حين يغادر الإنسان وطنه هرباً من الموت، ليجد نفسه في مواجهة شكل آخر أكثر تنظيماً وبروداً من القتل.
لكن ما يضاعف ثقل هذه المأساة ليس فقط فداحة الجريمة، بل ما تكشفه من انتباه الرأي العام، إذ مرّ الخبر في بعض المنابر السودانية مرور الكرام ،لا يوازي حجم الكارثة ولا عمق الصدمة. هذا الصمت، هو جزء من الفاجعة، يعكس حالة إنهاك أصابت الناس تحت وطأة الحرب، حتى باتت المآسي تتجاور دون أن تترك أثرها في وعي الناس.
انطلاقا من ذلك لا يمكن تجاوز حقيقة أن ما انتهى إليه السودان اليوم من انهيار إنساني وأمني لم يكن معزولاً عن المسار السياسي الذي فشل في إدارة خلافاته الداخلية، وارتمي في أحضان الأجندات والأطماع الإقليمية ثم انزلق لاحقاً إلى منطق القوة الذي قاد إلى حرب 15 أبريل 2023، بما ترتب عليه من تفكك مؤسسات الدولة وتآكل قدرتها للحماية.
غير أن هذا السياق التاريخي المؤلم، بما يحمله من مسؤوليات سياسية، لا يعفي الدولة القائمة اليوم من واجبها ، إذ تظل الحكومة بكل مؤسساتها، مطالبة بفتح تحقيق جاد وشفاف حول هذه الفاجعة، والتحرك العاجل عبر وزارة الخارجية في الدول المعنية لكشف الملابسات، والتواصل مع أسر الضحايا، باعتبار أن أرواح السودانيين ليست ملفاً إنسانياً يمكن السكوت عنه، بل مسؤولية سيادية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.
إن ما جرى في تلك الصحراء لا يمكن اختزاله في كونه مأساة إنسانية، بل هو مرآة لواقع سياسي مأزوم، حيث تتقاطع الحرب مع الهجرة، ويتحول الانهيار الداخلي إلى امتداد لفواجع الموت خارج الحدود. وفي مثل هذه السياقات، لا تعود الجريمة فعلاً معزولاً، بل نتيجة بنيوية لغياب الدولة، ولتحول الإنسان إلى قيمة صفرية في معادلة الصراع.
تعكس هذه الوقائع تحول الهجرة غير النظامية من عبور محفوف بالمخاطر إلى منظومة تشغيل عابرة للحدود تديرها شبكات منظمة تُحوّل الإنسان الفارّ من الحرب والفقر إلى سلعة في سوق سوداء لا تعترف بالقانون، وفي قلب ذلك يقف السودانيون أمام واقع كارثي فرضته الحرب. غير أن قراءة هذا الواقع ينبغي أن تفتح أفقاً لإعادة تعريف الدولة، باعتبار الحرب
لحظة فاصلة تستوجب القطع مع ما قبلها والانطلاق نحو مشروع جديد يقوم على الشراكة لا الغلبة، والبناء لا الصراع. وهنا لا تكمن المعضلة في الموارد، بل في غياب التوافق حول رؤية جامعة تجعل من الحكم أداة للأمن، ومن الاقتصاد مساراً للإنتاج، بما يتيح للبلاد إذا ما توفرت الإرادة، أن تعيد تموضعها على أساس المصالح المتبادلة لا منطق الحاجة.
بحسب #وجه_الحقيقة، فإن “غنائم الموت” ليست مجرد عنوان صادم، بل توصيف لحقيقة قاسية : أن الجسد الإنساني حين يُنتزع من سياقه الوطني قد يتحول إلى مورد في اقتصاد العنف العابر للحدود، وأن الصمت الذي يحيط بهذه الفاجعة لا يقل خطورة عن الجريمة نفسها ، لأنه يمنحها فرصة التكرار دون مساءلة، ويجعل المأساة قابلة للاستنساخ في مكان جديد.
دمتم بخير وعافية.
الخميس2 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#السودان
#غنائم_الموت
#الهجرة_غير_النظامية
#الاتجار_بالبشر
#الجريمة_المنظمة
#ضحايا_الحرب
#حقوق_الإنسان
#الأمن_الإقليمي
#العدالة_للضحايا
#إبراهيم_شقلاوي


