بين الهدنة والواقع العسكري
دخلت الحرب السودانية مرحلة جديدة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع المبادرات الدبلوماسية. فبينما تتحدث واشنطن عن جهود لإحياء المفاوضات ووقف إطلاق النار، تتمسك الحكومة السودانية بشروط ترى أنها ضرورية لتحقيق سلام مستدام، وفي مقدمتها انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق المدنية قبل تثبيت أي هدنة.
وقد أظهرت التسريبات المتعلقة بالمقترحات الأمريكية أن الفجوة بين مواقف الأطراف لا تزال واسعة، وهو ما يفسر تعثر الوصول إلى اتفاق نهائي رغم الحراك الدبلوماسي المكثف.
هل تمتلك واشنطن أدوات النجاح؟
السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في إنهاء الحرب، وإنما ما إذا كانت تمتلك الأدوات الكافية لتحقيق ذلك.
فالولايات المتحدة تواجه في الوقت نفسه ملفات دولية معقدة، تشمل الحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، والتنافس مع الصين، الأمر الذي يجعل الملف السوداني واحداً من عدة ملفات على أجندتها الخارجية.
كما أن نجاح أي وساطة أمريكية يتوقف على قدرة واشنطن على إقناع الأطراف الإقليمية المؤثرة بدعم تسوية متفق عليها، وليس مجرد طرح مبادرات سياسية يصعب تنفيذها على الأرض.
مسعد بولس… فرصة دبلوماسية أم اختبار معقد؟
برز اسم مسعد بولس ضمن التحركات الأمريكية المتعلقة بالأزمة السودانية، مستفيداً من شبكة واسعة من العلاقات في الشرق الأوسط وإفريقيا، ومن خبرته في التواصل مع أطراف إقليمية متعددة.
غير أن نجاح أي مبعوث لا يعتمد على شخصه فقط، بل على مدى توافر إرادة سياسية لدى الأطراف السودانية والإقليمية، وعلى وجود توافق دولي يدعم تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
لذلك، فإن قدرة أي وسيط على تحقيق اختراق ستظل مرتبطة بمعالجة جذور الأزمة الأمنية والسياسية، وليس فقط بإدارة المفاوضات.
أزمة الثقة في الوسطاء
أحد أكبر التحديات التي تواجه أي عملية سلام هو أزمة الثقة في الوسطاء.
فقد وجّهت الحكومة السودانية، إلى جانب شخصيات سياسية وبرلمانية وتقارير إعلامية ومنظمات مختلفة، اتهامات للإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها الإمارات مراراً، مؤكدة أنها تدعم الحل السياسي والمساعدات الإنسانية، وترفض الانحياز لأي طرف في النزاع.
وسواء ثبتت هذه الاتهامات أو لم تثبت، فإن استمرار الجدل بشأنها يؤثر في نظرة بعض السودانيين إلى حياد بعض المبادرات الإقليمية، ويجعل بناء الثقة شرطاً أساسياً لأي وساطة ناجحة.
الذهب السوداني… بين العقوبات ومتطلبات الاقتصاد
في موازاة التطورات السياسية، يواجه قطاع الذهب السوداني تحديات متزايدة نتيجة القيود والإجراءات الدولية المتعلقة بتجارة الذهب.
ويرى مؤيدو هذه الإجراءات أنها تهدف إلى الحد من تمويل النزاع ومنع الاستفادة غير المشروعة من الموارد الطبيعية، بينما يرى منتقدوها أنها قد تؤثر سلباً في الاقتصاد السوداني وتقلص موارد الدولة في وقت تواجه فيه البلاد تحديات إنسانية وأمنية كبيرة.
ومن منظور اقتصادي، فإن إدارة الموارد الطبيعية بصورة شفافة، مع منع استخدامها في تمويل الصراع، تبقى من أهم التحديات أمام الدولة السودانية خلال مرحلة ما بعد الحرب.
السلام الحقيقي يبدأ من الداخل
تشير استطلاعات وتقارير عديدة إلى أن غالبية السودانيين يتطلعون إلى إنهاء الحرب واستعادة الأمن والاستقرار.
غير أن السلام المستدام لن يتحقق عبر الاتفاقات الخارجية وحدها، بل يحتاج إلى توافق وطني واسع، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة للضحايا، وإطلاق عملية سياسية شاملة تفضي في نهاية المطاف إلى انتخابات حرة تعبر عن الإرادة الشعبية.
خاتمة
تقف السودان اليوم عند لحظة مفصلية؛ فالمفاوضات الدولية تمثل فرصة لا ينبغي إهدارها، لكنها لن تكون كافية إذا لم تقترن بإرادة وطنية حقيقية، وضمانات لتنفيذ أي اتفاق، وثقة في الوسطاء، واحترام لسيادة الدولة.
ويبقى مستقبل السلام مرهوناً بقدرة السودانيين، بدعم إقليمي ودولي متوازن، على تحويل وقف إطلاق النار من هدنة مؤقتة إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب، وتحافظ على وحدة السودان واستقراره، وتفتح الطريق أمام إعادة الإعمار وبناء الدولة.


