من اساسيات الفكر الاستراتيجي القول بان أصعب مراحل الصراع ليست لحظة اندلاع الحرب، بل لحظة بناء السلام، لأن الحرب قد تُسقط نظاماً، أما السلام فيحتاج إلى دولة قادرة على البقاء. ونذهب بالقول انه و فى علم الجيوبوليتيك ، أن الدول الواقعة على تخوم الأقاليم المتنافسة تظل أسيرة جغرافيتها ما لم تنجح في بناء مؤسسات قادرة على إدارة تلك الجغرافيا. وبين هاتين الرؤيتين تقف ليبيا اليوم؛ دولة أنهكتها سنوات الانقسام، لكنها لا تزال تمتلك من المقومات ما يجعل استعادة وحدتها أمراً ممكناً إذا توافرت الإرادة الوطنية والتوافق السياسي.
فعلى امتداد أكثر من عقد، لم تكن الأزمة الليبية مجرد صراع على السلطة بين حكومات متنافسة، بل كانت أزمة دولة فقدت قدرتها على احتكار القوة وإدارة المجال العام. وتعاقبت المبادرات السياسية، وتعددت مسارات الحوار، وعقدت المؤتمرات الإقليمية والدولية، إلا أن الانقسام المؤسسي ظل يلقي بظلاله على المشهد، في ظل استمرار وجود تشكيلات مسلحة، وتباين الأولويات بين القوى السياسية، وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية.
ورغم ذلك، فإن القراءة الاستراتيجية للمشهد الليبي تشير إلى أن مستقبل البلاد لا تحسمه القوة العسكرية وحدها، بل تحسمه قدرة الليبيين على إعادة بناء مؤسسات الدولة. فالتجارب الحديثة اثبتت أن التسويات التي لا تؤدي لمؤسسات موحدة تبقى تسويات مؤقتة، وأن الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما تصبح شرعية الدولة أعلى من شرعية السلاح، وسيادة القانون أقوى من موازين القوة الميدانية.
وفي هذا السياق، يبرز توحيد المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية باعتباره أحد أكثر التحديات حساسية، لأن الدولة لا تستطيع فرض سيادتها الكاملة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة. كما أن إعادة بناء المؤسسات المدنية، وتطوير الإدارة العامة، وتعزيز استقلال القضاء، تمثل عناصر لا تقل أهمية عن أي اتفاق سياسي، إذ إن استدامة الاستقرار ترتبط بوجود مؤسسات قادرة على العمل بمعزل عن تغير الحكومات والقيادات.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن الثروة النفطية تمثل أكبر فرصة وأكبر تحدٍ في الوقت نفسه. فهي فى تقديرنا قادرة على توفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار وتحسين الخدمات وتحفيز التنمية، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مصدر جديد للصراع إذا غابت الإدارة الرشيدة والشفافية والتوافق الوطني حول توزيع العائدات. ولذلك، فإن حماية قطاع الطاقة وإبعاده عن التجاذبات السياسية تبقى من أهم ركائز استقرار في ليبيا .
وفي محيطها الإقليمي، ستظل ليبيا جزءاً من معادلة أمنية واسعة تمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة الساحل والصحراء. فاستقرارها سينعكس بصورة مباشرة على أمن مصر وتونس والجزائر وتشاد والسودان والنيجر، كما أن أي تدهور جديد سيؤثر في قضايا الهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وحركة التجارة الإقليمية. ولهذا، فإن مستقبل ليبيا يتجاوز كونه شأناً داخلياً صرفاً، بل قضية ترتبط باستقرار شمال أفريقيا بأكمله.
ومع ذلك، فإن الجغرافيا التي جعلت ليبيا هدفاً للتنافس يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة إذا أُحسن توظيفها. فالموقع الذي يربط أوروبا بأفريقيا، ويصل البحر المتوسط بعمق القارة، يمنح ليبيا فرصة لأن تصبح مركزاً للتجارة والطاقة والاستثمار والتكامل الإقليمي، بدلاً من أن تبقى ساحة للصراعات بالوكالة. وهذه الفرصة لن تتحقق إلا بوجود دولة موحدة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية وطنية تتجاوز الانقسامات المرحلية.
إن السيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في نجاح الليبيين في الوصول إلى توافق سياسي شامل يقود إلى مؤسسات موحدة، وانتخابات تحظى بقبول واسع، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية ضمن إطار الدولة، بما يسمح بإطلاق مرحلة جديدة من التنمية والاستقرار. وفي المقابل، فإن استمرار الانقسام المؤسسي، وتعثر المسارات السياسية، وبقاء السلاح خارج إطار الدولة، سيبقي الأزمة مفتوحة على احتمالات متعددة، ويجعل أي استقرار عرضة للاهتزاز مع كل تغير في موازين القوى.
وفي ختام هذه السلسلة من المقالات نقول ، أن ليبيا لم تكن ضحية النفط وحده، ولا ضحية الانقسام السياسي وحده، وإنما كانت، قبل كل شيء، ضحية التقاء الجغرافيا بالفراغ المؤسسي. فمنذ عام 1969 وحتى اليوم، تعاقبت الأنظمة، وتبدلت التحالفات، وتغيرت موازين القوى، لكن الحقيقة التي بقيت ثابتة هي أن الدولة التي لا تبني مؤسساتها على أسس راسخة تظل أكثر عرضة للاهتزاز مهما امتلكت من ثروات أو إمكانات.
لقد أثبتت التجربة الليبية أن الجغرافيا قد تفرض التحديات، لكنها لا تفرض المصير. فالمصير تصنعه الدول حين تمتلك مؤسسات قوية، وإدارة رشيدة، وإرادة وطنية قادرة على تحويل الموقع الاستراتيجي من عبء إلى مصدر قوة. وبين هذين الخيارين، تقف ليبيا اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة؛ إما أن تستعيد الدولة زمام المبادرة وتفتح صفحة جديدة من الاستقرار، وإما أن يستمر الانقسام بما يحمله من كلفة على الداخل الليبي وعلى الإقليم بأسره.
الجمعة الموافق 17/7/2026
دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (6) .. ليبيا … بين استعادة الدولة واستدامة الانقسام .. د. اسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز انماء للدراسات الاستراتجية
المقالة السابقة

