لا تُقاس نهضة الدول بعدد المباني التي تُعاد إلى الخدمة، وإنما بقدرتها على توفير بيئة آمنة تحمي الإنسان، وتصون الممتلكات، وتضمن استدامة التنمية. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة إعمار مرافق الدولة في السودان تمثل فرصة تاريخية لإرساء ثقافة جديدة تجعل السلامة والصحة المهنية جزءًا أصيلًا من منظومة التخطيط والبناء والتشغيل، لا إجراءً يُستدعى بعد وقوع الحوادث.
فالمرافق الحكومية ليست مجرد منشآت من الخرسانة والحديد، وإنما مؤسسات تعمل من أجل الإنسان، ويقصدها المواطن طلبًا للخدمة، وتُدار من خلالها عجلة التنمية والاقتصاد. ومن ثم، فإن سلامتها تعني سلامة المجتمع بأكمله، وأي قصور في هذا الجانب قد يترتب عليه فقدان الأرواح، وتعطل الخدمات، وإهدار المال العام، وإضعاف ثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم.
وتكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها السودان، حيث تتجه الأنظار نحو إعادة تشغيل الوزارات، والمستشفيات، والجامعات، والمدارس، والموانئ، والمطارات، ومحطات الكهرباء والمياه، وغيرها من المرافق التي تعرضت لأضرار متفاوتة بفعل الحرب. وهنا يبرز سؤال جوهري ينبغي أن يسبق كل قرارات إعادة التشغيل: هل أصبحت هذه المرافق آمنة لمستخدميها والعاملين فيها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن تستند إلى تقييم علمي دقيق، لا إلى الرغبة في التعجيل بإعادة افتتاح المنشآت. فالتجارب العالمية تؤكد أن التعافي الحقيقي لا يتحقق بإعادة البناء فحسب، وإنما ببناء مؤسسات أكثر أمانًا وكفاءة واستدامة مما كانت عليه قبل الأزمات.
لقد أتيحت لي، خلال فترة عملي مديرًا عامًا للإدارة العامة للسلامة والصحة المهنية بوزارة العمل السودانية، فرصة الوقوف عن قرب على واقع هذا القطاع الحيوي، وأدركت حجم الفجوة بين أهميته الاستراتيجية ومستوى الاهتمام الذي كان يحظى به داخل منظومة العمل الحكومي. فعلى الرغم من أن السلامة والصحة المهنية تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأرواح، والمحافظة على الممتلكات، وتأمين بيئة العمل، وضمان استمرارية الإنتاج، فإنها كانت، في كثير من الأحيان، تأتي في ذيل سلم الأولويات، ويُنظر إليها باعتبارها إدارة مساندة أكثر من كونها شريكًا استراتيجيًا في التنمية.
هذا الفهم لم يعد يتوافق مع التحولات التي يشهدها العالم اليوم. فقد أصبحت السلامة والصحة المهنية أحد المؤشرات الرئيسة التي تُقاس بها كفاءة المؤسسات، ومستوى الحوكمة، وجودة بيئة الأعمال، وأصبحت عنصرًا أساسيًا في تقارير التنافسية العالمية، وفي قرارات المستثمرين عند اختيار وجهاتهم الاستثمارية.
ولم يعد المستثمر العالمي ينظر إلى الحوافز الضريبية أو وفرة الموارد الطبيعية وحدها، بل يضع في اعتباره استقرار البيئة التشريعية، وكفاءة إدارة المخاطر، ومستوى الالتزام بمعايير السلامة والصحة المهنية. كما تعتمد شركات التأمين وإعادة التأمين على هذه المعايير عند تقييم المخاطر، وتحديد قيمة الأقساط التأمينية، واتخاذ قراراتها بشأن تغطية المشروعات. ولذلك، فإن الدول التي تتمتع بمنظومة سلامة قوية توفر بيئة أكثر طمأنينة للمستثمرين، وتخفض تكاليف المخاطر، وتعزز قدرتها على استقطاب رؤوس الأموال.
إن إعادة إعمار السودان تمثل فرصة نادرة لتصحيح مسار ظل لعقود بحاجة إلى المراجعة. فمن غير المقبول أن تُعاد تأهيل المرافق الحكومية بالأساليب التقليدية التي كانت سائدة قبل الحرب، دون أن تُدمج فيها اشتراطات السلامة الحديثة منذ المراحل الأولى للتخطيط والتصميم والتنفيذ والتشغيل.
لقد تجاوز العالم مفهوم معالجة الحوادث بعد وقوعها، واتجه إلى مفهوم السلامة بالتصميم، الذي يقوم على دمج اعتبارات السلامة وإدارة المخاطر في جميع مراحل المشروع، بحيث تصبح الوقاية جزءًا من فلسفة البناء، لا إجراءً لاحقًا عند التشغيل. وهذا النهج أسهم في خفض معدلات الحوادث، وتقليل تكاليف الصيانة، وإطالة العمر التشغيلي للمرافق، وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي.
وفي السودان، تزداد الحاجة إلى هذا النهج، لأن كثيرًا من المباني التي تعرضت للحرب قد تبدو صالحة للاستخدام، بينما تخفي في داخلها أضرارًا إنشائية، أو أعطالًا في الشبكات الكهربائية والميكانيكية، أو قصورًا في أنظمة مكافحة الحرائق والإنذار والإخلاء. ومن هنا، فإن إعادة تشغيل أي مرفق حكومي ينبغي أن تسبقها مراجعة شاملة للسلامة الإنشائية، وفحص الأنظمة الكهربائية والميكانيكية، والتأكد من جاهزية أنظمة مكافحة الحرائق، ومخارج الطوارئ، وخطط الإخلاء، وإجراء تقييم علمي للمخاطر قبل استقبال العاملين والجمهور.
إن السلامة ليست مسؤولية المهندس وحده، ولا مسؤولية مفتش السلامة وحده، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من صانع القرار، وتمر بالمخطط والمصمم والمقاول والمشرف، وتنتهي بكل من يعمل داخل المنشأة. وكل حلقة من هذه السلسلة تمثل عنصرًا حاسمًا في بناء بيئة عمل آمنة ومستدامة.
ومن المنظور الإسلامي، فإن العناية بالسلامة ليست مجرد التزام إداري أو قانوني، بل هي واجب أخلاقي وديني، لأن حفظ النفس أحد المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، كما قال رسول الله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار». وهذه النصوص تؤسس لمبدأ الوقاية، وتجعل حماية الإنسان مسؤولية شرعية قبل أن تكون واجبًا وظيفيًا.
ومن هنا، فإنني أدعو إلى تبني برنامج وطني شامل للسلامة والصحة المهنية يكون جزءًا من مشروع إعادة إعمار السودان، ويتضمن تحديث التشريعات، واعتماد الأكواد الهندسية الحديثة، وإلزام جميع مشروعات إعادة التأهيل بإجراء تقييم شامل للمخاطر، واعتماد أنظمة إدارة السلامة والصحة المهنية وفق المواصفات الدولية، وتأهيل الكوادر الوطنية، ونشر ثقافة الوقاية في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.
كما أدعو إلى إنشاء لجان وطنية مشتركة تضم المهندسين، وخبراء السلامة، والجهات الرقابية، وشركات التأمين، والجامعات، لمراجعة جاهزية المرافق العامة قبل إعادة تشغيلها، ووضع دليل وطني موحد لاشتراطات السلامة في مرحلة إعادة الإعمار، بما يضمن توحيد المعايير ورفع مستوى الامتثال.
إن إعادة إعمار السودان ليست مشروعًا هندسيًا فحسب، بل مشروع لإعادة بناء الدولة على أسس حديثة. وإذا كانت الحرب قد كشفت مواطن الضعف في بنيتنا التحتية، فإن مرحلة التعافي ينبغي أن تؤسس لمنظومة جديدة تجعل السلامة والصحة المهنية ركيزة من ركائز التنمية، ومؤشرًا على جودة الحوكمة، وأحد معايير كفاءة الإدارة العامة.
إن مستقبل السودان لا يُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما يُبنى بمنظومة متكاملة تجعل السلامة ثقافة وطنية، وأولوية حكومية، ومدخلًا استراتيجيًا للتنمية المستدامة. وحين تصبح حماية الإنسان وصون المال العام أساسًا لكل مشروع، فإننا لا نعيد إعمار مرافق الدولة فحسب، بل نعيد بناء الثقة في مؤسساتها، ونرسم ملامح وطن أكثر أمنًا، وأكثر قدرة على جذب الاستثمار، وأكثر استعدادًا لمواجهة تحديات المستقبل.


