حراك دبلوماسي متسارع… والبحث عن اختراق سياسي
تشهد الأزمة السودانية خلال الأيام الأخيرة حراكًا إقليميًا ودوليًا متزايدًا، بالتزامن مع استمرار الجهود الرامية إلى التوصل إلى هدنة تمهد لعملية سياسية أوسع. وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أوغندا أهمية خاصة، وسط تقارير إعلامية تحدثت عن مبادرة سلام يقودها الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف المتحاربة.
ولم تُعلن حتى الآن تفاصيل المبادرة أو طبيعة الأطراف المشاركة فيها، إلا أن توقيتها يعكس إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن استمرار الحرب يهدد استقرار منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل بأكملها.
في المقابل، تداولت وسائل إعلام معلومات عن تحركات لعبد الرحيم دقلو في جنوب السودان، الأمر الذي عزز التكهنات بشأن وجود اتصالات موازية أو قنوات غير معلنة لاستكشاف فرص التهدئة، وهي معلومات لم يصدر بشأنها تأكيد رسمي.
الموقف من المبادرة الأمريكية… فجوة بين الطرفين
في الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة جهودها لدفع مسار التفاوض، أعلنت قوات الدعم السريع موقفها من المقترح الأمريكي، مع إبداء تحفظات تتعلق بآليات تنفيذ الهدنة وترتيبات الانسحاب وإعادة الانتشار.
أما الحكومة السودانية، فقد ظلت تؤكد أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يسبقه انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق المدنية، باعتبار ذلك شرطًا لبناء الثقة وضمان عدم تحول الهدنة إلى فرصة لإعادة التموضع العسكري.
وتشير هذه المواقف إلى أن الخلاف لم يعد يدور حول مبدأ السلام، بل حول شروطه وضمانات تنفيذه.
السودان وتركيا… شراكة تتجاوز السياسة
في خضم هذه التطورات، برزت العلاقات السودانية التركية بوصفها أحد المسارات الإيجابية، بعد الإعلان عن توقيع اتفاق للتعاون في مجال الغاز والطاقة، إلى جانب تأكيد الجانبين رغبتهما في توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري.
ويعكس هذا التوجه رغبة الخرطوم في تنويع شراكاتها الاقتصادية، والاستفادة من الخبرات التركية في مجالات الطاقة والبنية التحتية، بما يسهم في دعم جهود إعادة الإعمار بعد انتهاء الحرب.
الجدل حول الدعم الخارجي للحرب
عاد ملف التدخلات الخارجية إلى الواجهة بعد تقرير نشرته وكالة رويترز تناول مزاعم بشأن شبكة طيران وشركات مرتبطة بالإمارات، وأثار تساؤلات حول الدعم اللوجستي في مناطق النزاع. وتأتي هذه المزاعم ضمن سلسلة من الاتهامات التي سبق أن وجهتها الحكومة السودانية ومسؤولون وتقارير إعلامية ومنظمات مختلفة للإمارات بشأن دعم قوات الدعم السريع.
في المقابل، تواصل الإمارات نفي هذه الاتهامات، وتؤكد أنها لا تقدم دعماً عسكرياً لأي طرف، وأن سياستها تقوم على دعم الحلول الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية.
ويعكس استمرار هذا الجدل حجم الانقسام الدولي حول الأزمة السودانية، وأثره على فرص بناء الثقة في أي عملية وساطة.
العدالة الدولية… بين مطالب الخرطوم وتعقيدات الإجراءات
على الصعيد القانوني، تجدد النقاش حول دور المحكمة الجنائية الدولية، بعد طلبها معلومات بشأن متهمين سبق أن صدرت بحقهم أوامر قبض، وفي الوقت نفسه انتقدت الحكومة السودانية بطء الإجراءات المتعلقة بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في دارفور، بما في ذلك الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف مختلفة في النزاع.
وتؤكد المحكمة أن إجراءاتها تخضع للمعايير القانونية الدولية، بينما تطالب الخرطوم بتسريع المساءلة عن الجرائم المرتكبة خلال الحرب.
استهداف البنية التحتية… تحدٍ إنساني متصاعد
تتواصل معاناة المدنيين مع تكرار انقطاع خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات في عدد من المناطق المتأثرة بالحرب. وتبادل طرفا النزاع الاتهامات بشأن المسؤولية عن استهداف أو تعطيل البنية التحتية الحيوية، في وقت تحذر فيه المنظمات الإنسانية من الآثار المباشرة لهذه الانقطاعات على المستشفيات، ومحطات المياه، والإنتاج الزراعي، والخدمات الأساسية للمواطنين.
ويؤكد خبراء أن حماية البنية التحتية المدنية تمثل شرطًا أساسيًا لتخفيف المعاناة الإنسانية، بصرف النظر عن تطورات الميدان العسكري.
خاتمة
تكشف تطورات المشهد السوداني أن الحرب دخلت مرحلة تتداخل فيها التحركات العسكرية مع المبادرات الدبلوماسية والإقليمية. وبين وساطة أوغندية محتملة، ومساعٍ أمريكية مستمرة، وشراكات اقتصادية جديدة مع تركيا، يبقى نجاح أي تسوية مرهونًا بقدرة الأطراف على تجاوز فجوة الثقة، والاتفاق على ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للتنفيذ.
وفي الوقت نفسه، تظل قضايا العدالة، وحماية المدنيين، وإعادة بناء الاقتصاد، عناصر أساسية في أي مشروع للسلام، لأن إنهاء القتال وحده لن يكون كافيًا ما لم يقترن بتسوية شاملة تعالج جذور الأزمة وتؤسس لدولة مستقرة وآمنة.


