ليست أخطر الحروب تلك التي تقتل الإنسان فقط، بل تلك التي تنجح في إعادة تشكيل علاقته بالحياة. فالمجتمعات لا تنهار فقط عندما تُهدم المدن، وتتعطل المؤسسات، وتُزهق الأرواح، وإنما عندما يبدأ الإنسان في فقدان قدرته على تخيل مستقبل مختلف عن واقع الخراب.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز حدود الحرب نفسها: كيف يمكن لمجتمع أن يعتاد على الموت؟ وكيف يتحول الدمار من حالة استثنائية إلى مشهد مألوف؟ وكيف يصبح الخراب قابلاً للتعايش بدلاً من أن يكون مدعاة للرفض والمقاومة؟
في محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، يقدم عالم النفس والفيلسوف الاجتماعي إريك فروم مفهوم “النيكروفيلية” بوصفها نزعة مضادة للحياة؛ حيث لا يقصد بها مجرد حب الموت بمعناه المباشر، وإنما الميل إلى الجمود، والسيطرة، والتدمير، وتحويل الإنسان إلى شيء فاقد للقيمة.
وقد وضع فروم هذا المفهوم في مقابل “البيوفيلية” أي النزعة التي تدفع الإنسان نحو النمو والإبداع والرعاية وإنتاج الحياة.
لكن الحالة السودانية تفرض علينا تجاوز التفسير الفردي للمفهوم، والنظر إليه باعتباره ظاهرة اجتماعية وسياسية يمكن أن تظهر عندما تتراكم الأزمات، وتضعف قدرة المجتمع على إنتاج الأمل.
ومن منظور رؤية الجسر والمورد، فإن القضية لا تتمثل فقط في وجود الموت، وإنما في تحول الموت إلى مورد تستفيد منه بعض البنى؛ فحين تصبح الفوضى مصدراً للنفوذ، والخوف وسيلة للسيطرة، والانقسام أداة لإدارة المصالح، فإن المجتمع لا يواجه أزمة أمنية فقط، بل يواجه أزمة في طريقة إنتاج الواقع ذاته.
وهنا تبدأ #أصل_القضية
*أولاً: من مأساة الموت إلى تطبيع الموت*
عرف السودان خلال السنوات الماضية مراحل طويلة من الصراع وعدم الاستقرار، لكن الخطر الأكبر لا يكمن في وقوع الأزمات، فكل المجتمعات تمر باختبارات صعبة، وإنما يكمن في قدرة الأزمة على تغيير الوعي الجمعي.
عندما يصبح الموت خبراً عابراً، وعندما تتحول معاناة الإنسان إلى أداة للمزايدة السياسية أو الإعلامية، وعندما يفقد المجتمع حساسيته تجاه الألم، فإننا نقترب من مرحلة يصبح فيها الموت جزءاً من المشهد اليومي.
وهنا تظهر إحدى أخطر صور النيكروفيلية الاجتماعية ليست فقط صناعة الموت، وإنما فقدان القدرة على رفضه.
فالمجتمع الحي لا يقاس فقط بقدرته على البقاء، بل بقدرته على الدفاع عن قيمة الحياة.
*ثانياً: النيكروفيلية السياسية… عندما يصبح الخراب مورداً*
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي دولة ليس اندلاع الحرب فقط، بل ظهور مصالح تجعل استمرار الأزمة أكثر فائدة لبعض الأطراف من نهايتها.
ففي بيئات الصراع قد تتحول الفوضى إلى مورد، ويصبح الخوف رأسمالاً سياسياً، ويصبح ضعف الدولة فرصة لتوسيع النفوذ.
وهنا تنتقل النيكروفيلية من كونها حالة نفسية إلى ظاهرة بنيوية إذ لا يتعلق الأمر بأفراد يفضلون الدمار، وإنما بمنظومات قد تجد في استمرار عدم الاستقرار مساحة للحضور والتأثير.
ومن هنا فإن مواجهة الخراب لا تكون فقط بإيقاف أدوات العنف، وإنما بتجفيف البيئة التي تجعل الخراب قابلاً للاستمرار.
*ثالثاً: ما بعد الحرب… اختبار المجتمع بين ثقافة الموت وإرادة الحياة*
بعد التحولات التي شهدها السودان خلال الحرب، وعودة بعض المساحات إلى سلطة الدولة والمؤسسات الرسمية، ظهر سؤال مهم: لماذا تبدو بعض المناطق أكثر قدرة على استعادة مظاهر الحياة، بينما تستمر في مناطق أخرى حالة من الجمود النفسي والاجتماعي وكأن الحرب ما زالت مستمرة داخل الوعي؟
وهنا يجب التمييز بين وجود آثار الحرب وبين تحول الحرب إلى ثقافة.
فالنيكروفيلية ليست صفة مرتبطة بمدينة أو منطقة، وليست حكماً على مجتمع بعينه، وإنما هي حالة يمكن أن تظهر عندما تتراكم الصدمات ويصبح الموت أكثر حضوراً من مشروع الحياة.
وقد تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في الخرطوم ليس لأن سكانها أكثر ميلاً إلى الخراب، وإنما لأن العاصمة تحمل وضعاً رمزياً واستراتيجياً مختلفاً.
فالخرطوم ليست مجرد مدينة إنها مركز الدولة، ومركز القرار، ومركز المؤسسات والإعلام والنخب. ولذلك فإن الحرب فيها لم تستهدف المباني فقط، وإنما أصابت صورة الدولة نفسها.
إن تدمير العاصمة يحمل بعداً نفسياً يتجاوز حجم الضرر المادي، لأنه يخلق إحساساً بأن مركز الحياة الوطنية ذاته قد تعرض للانهيار.
*رابعاً: الصدمة الحضرية… لماذا تختلف الخرطوم عن غيرها؟*
أنتجت الحرب في العاصمة ما يمكن تسميته
> *بالصدمة الحضرية*
وهي حالة يعيش فيها الإنسان داخل بيئة فقدت كثيراً من خصائص الحياة الطبيعية:
– تراجع الخدمات الأساسية.
– اضطراب الأمن.
– النزوح الواسع.
– انتشار الخوف.
– انهيار الروتين اليومي.
وفي مثل هذه البيئات قد تظهر استجابات نفسية واجتماعية تجعل الإنسان أكثر قدرة على التكيف مع الخراب من قدرته على تصور إعادة البناء.
لكن ذلك لا يعني أن الخرطوم فقدت روح الحياة، بل يعني أن حجم الصدمة جعل طريق العودة أكثر تعقيداً.
في المقابل، فإن بعض الولايات التي لم تتعرض للمستوى ذاته من التدمير الحضري استطاعت الحفاظ بدرجات متفاوتة على شبكاتها الاجتماعية وأنماط حياتها اليومية، الأمر الذي جعل عملية استعادة الحياة أكثر سرعة.
فالاختلاف ليس في حب الحياة أو كراهية الموت، وإنما في طبيعة الصدمة وحجم الموارد الاجتماعية المتاحة لمواجهتها.
وهنا تظهر إحدى أفكار رؤية الجسر والمورد الأساسية:
> كلما بقيت الجسور الاجتماعية متماسكة، أصبح المجتمع أكثر قدرة على تحويل موارده إلى أدوات للبقاء وإعادة البناء.
*خامساً: النيكروفيلية الثقافية… عندما يموت الخيال قبل الإنسان*
لا تبدأ المجتمعات في الانهيار عندما تُدمر المباني فقط، بل عندما يتوقف الإنسان عن تخيل المستقبل.
وتظهر النيكروفيلية الثقافية عندما يصبح التشاؤم أكثر انتشاراً من الأمل، وعندما يتحول الفشل إلى هوية، والعجز إلى قناعة، والسخرية من الإنجاز إلى وسيلة دفاع نفسي.
فالمجتمع الذي يفقد قدرته على تخيل المستقبل يبدأ في استهلاك موارده الداخلية؛ يفقد الثقة، ويهدر الكفاءات، ويحوّل أبناءه من شركاء في البناء إلى مراقبين للانهيار.
وهنا تكمن القضية المركزية:
> فالثروات لا تضيع فقط بسبب ضعف الإدارة، بل تضيع أيضاً عندما يفقد المجتمع إيمانه بقيمة موارده وقدرته على تحويلها إلى مستقبل.
*سادساً: من النيكروفيلية إلى البيوفيلية السودانية… استعادة مشروع الحياة*
إن الخروج من هذه الحالة لا يبدأ فقط بإيقاف الحرب، بل بإعادة بناء المعنى.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار المدن، وإنما إلى إعادة إعمار الإنسان إعادة بناء ثقته، وخياله، وإيمانه بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الماضي ، ونذكر بما ذكرناه في *#اصل_القضية يوم عاد الناس ولم يعد الإنسان.*
حيث الواقع يتطلب الانتقال:
> من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
> ومن استثمار الخوف إلى استثمار الإنسان.
> ومن إنتاج الصراع إلى إنتاج التنمية.
فالسودان يمتلك من عناصر الحياة أكثر مما يمتلك من أسباب الانهيار؛ موارد طبيعية هائلة، موقعاً استراتيجياً، مجتمعاً شاباً، وطاقات بشرية قادرة على إعادة البناء.
لكن التحدي الحقيقي هو بناء الجسر بين هذه الموارد وبين مشروع وطني يجعل الحياة هي المورد الأكبر.
#أصل_القضية
ربما تكون أخطر مراحل الانهيار ليست عندما يموت الإنسان، بل عندما تموت الفكرة التي تقول إن الحياة تستحق الدفاع عنها.
فالنيكروفيلية السودانية ليست قدراً، وليست هوية، وليست حكماً على شعب أو مدينة؛ إنها حالة طارئة تنتجها الأزمات عندما تفشل المجتمعات في حماية معنى الحياة.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط بين الحرب والسلام، وإنما بين ثقافتين:
● ثقافة ترى الموت نهاية الطريق…
●وثقافة تؤمن بأن الإنسان قادر على إعادة إنتاج الحياة.
وهنا بالضبط #أصل_القضية.


