Popular Now

وجه الحقيقة | حادثة مدرسة التدريب… .. إبراهيم شقلاوي

هل يستطيع الذهب إنقاذ الجنيه السوداني؟ .. زهير عبدالله مساعد

كلما انتصر الجيش… لماذا تظهر الأزمات واللقاءات المشبوهة والتسريبات المربكة؟ .. عادل الرفاعي ابوالحسن

عندما يصبح الغرور نرجسية… ويتحول الإنسان من قائد إلى طاغية .. د. حنان درار سيدادريس

هناك مرحلة خطيرة في شخصية الإنسان لا يعود فيها الغرور مجرد شعور بالثقة الزائدة، بل يتحول إلى قناعة راسخة بأنه دائمًا على حق، وأن الآخرين دائمًا مخطئون.

في هذه المرحلة يبدأ الإنسان بفقدان القدرة على رؤية عيوبه، ويصبح عاجزًا عن تقبل النصيحة، بل قد يعتبر كل من يحاول تصحيح مساره شخصًا حاقدًا أو حاسدًا أو متآمرًا عليه.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالإنسان الذي لا يستطيع أن يرى أخطاءه لا يستطيع أن يصلحها، والذي لا يسمع إلا ما يوافق رأيه، يعيش داخل عالم صنعه بنفسه؛ عالم لا توجد فيه إلا آراؤه، ولا يُسمح فيه للآخرين إلا بالموافقة.

من الثقة بالنفس إلى الغرور

الثقة بالنفس حالة صحية عندما تجعل الإنسان يعرف قدراته دون أن يحتقر الآخرين.

أما الغرور فيبدأ عندما تتحول معرفة الإنسان بقدراته إلى شعور بالتفوق على من حوله.

ثم يتطور الأمر تدريجيًا:

ثقة بالنفس → شعور بالتفوق → رفض النقد → احتقار آراء الآخرين → الاستعلاء → التسلط.

وعندما يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها أن مكانته تمنحه الحق في التحكم بالآخرين وإسكاتهم وإقصائهم، يصبح الغرور خطرًا ليس عليه وحده، وإنما على كل من حوله.

النرجسية: عندما تصبح الذات مركز العالم

علم النفس لا يعتبر الغرور وحده مرضًا نفسيًا مستقلًا، لكن بعض أنماط الغرور الشديدة والمستمرة قد تتقاطع مع السمات النرجسية.

الشخص الذي تسيطر عليه السمات النرجسية قد يكون شديد الحاجة إلى الإعجاب والتقدير، ويبالغ في تقدير ذاته، ويصعب عليه تقبل النقد، وقد يجد صعوبة في التعاطف مع مشاعر الآخرين.

والأخطر أن هذا الشخص قد لا يرى نفسه أصلًا بحاجة إلى التغيير.

فالمشكلة بالنسبة إليه ليست في سلوكه، وإنما في الآخرين الذين “لا يفهمونه”.

وهنا يصبح العلاج أو الإصلاح أكثر صعوبة؛ لأن أول خطوة في إصلاح النفس هي الاعتراف بوجود مشكلة.

عندما يصبح القائد طاغية

ليس كل شخص مغرور طاغية، ولكن الغرور إذا اجتمع مع السلطة أو النفوذ أو المال أو المكانة الاجتماعية، فقد يتحول إلى تسلط.

يبدأ الأمر بعبارة:

“أنا أعرف أكثر منكم.”

ثم:

“أنا صاحب القرار.”

ثم:

“لا أحتاج إلى رأي أحد.”

ثم يصل إلى:

“من يخالفني فهو ضدي.”

وهنا لا يعود الإنسان يقود الآخرين، وإنما يبدأ في السيطرة عليهم.

القائد الحقيقي يسمع، ويناقش، ويستشير، ويعترف بالخطأ.

أما المتسلط فيعتقد أن الاستماع إلى الآخرين انتقاص من سلطته.

القرآن يحذر من الكبر والاستعلاء

القرآن الكريم وضع الكبر والاستعلاء في موضع شديد الخطورة، فقال تعالى:

«﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾»

وقال سبحانه:

«﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾»

فالإنسان مهما امتلك من علم أو مال أو نفوذ، يبقى إنسانًا محدود القدرة.

ومن أبلغ صور التحذير القرآني قصة إبليس، الذي لم تكن مشكلته في عدم معرفته بالله، وإنما في الاستكبار ورفض الامتثال للحق:

«﴿أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾»

وهذا يوضح أن الكبر قد يمنع الإنسان من قبول الحق حتى عندما يكون الحق واضحًا أمامه.

علم النفس والقرآن يلتقيان في أهمية مراجعة الذات

علم النفس يتحدث عن الوعي بالذات، ومراجعة الأفكار والسلوك، وتقبل النقد، والقدرة على التعاطف.

والقرآن يدعو الإنسان إلى محاسبة نفسه، والتواضع، وقبول الحق، وعدم الاستعلاء على الآخرين.

فكلا المنهجين يلفتان نظر الإنسان إلى خطر أن يصبح أسيرًا لصورة متضخمة عن ذاته.

لكن القرآن يضيف بُعدًا إيمانيًا عميقًا: أن الإنسان عبد لله، وأن النعمة والقدرة والمكانة ليست ملكًا مطلقًا له.

أخطر علامات الغرور

من أخطر العلامات التي ينبغي للإنسان أن يراجع نفسه عند ظهورها:

– أن يعتقد أنه دائمًا على حق.
– أن يرفض الاعتذار حتى عندما يخطئ.
– أن يعتبر كل نقد هجومًا شخصيًا.
– أن يقلل من آراء الآخرين.
– أن لا يسمع إلا لمن يوافقه.
– أن يبرر أخطاءه ويلوم الآخرين عليها.
– أن يشعر بأنه أفضل من المحيطين به.
– أن يرفض الاعتراف بفضل الآخرين عليه.
– أن يستخدم سلطته لإسكات من يخالفه.

وعندما تجتمع هذه الصفات وتصبح نمطًا ثابتًا، فإن الأمر يستحق وقفة جادة مع النفس، وربما تقييمًا نفسيًا متخصصًا إذا كان السلوك يسبب مشكلات كبيرة في الحياة والعلاقات.

التواضع ليس ضعفًا

التواضع لا يعني أن يهين الإنسان نفسه أو ينكر قدراته.

التواضع الحقيقي أن تعرف قيمتك دون أن تلغي قيمة الآخرين.

أن تقول: “أعرف”، ولكن تستطيع أيضًا أن تقول: “لا أعرف”.

أن تقول: “أنا على حق”، ولكن تستطيع أن تقول عندما يظهر الدليل: “كنت مخطئًا.”

أن تكون في موقع القيادة، ولكن لا تفقد القدرة على الاستماع.

فالإنسان القوي ليس هو الذي لا يعترف بخطئه، وإنما هو الذي يمتلك الشجاعة للاعتراف به وإصلاحه.

الخطر الأكبر أن يفقد الإنسان مرآته

من أخطر ما يمكن أن يحدث للمغرور أن يصبح محاطًا بأشخاص يخافون من مصارحته.

فيبدأ الجميع بمجاملة قراراته، بينما تزداد أخطاؤه دون أن يشعر.

وهنا يصبح الإنسان بلا مرآة يرى فيها عيوبه.

ولهذا فإن وجود شخص صادق يستطيع أن يقول لك: “أنت مخطئ” قد يكون نعمة عظيمة، وليس عداوة.

فليس كل من انتقدك يكرهك، وليس كل من خالفك يحسدك، وليس كل من نصحك يريد إسقاطك.

أحيانًا يكون الشخص الذي يواجهك بأخطائك أكثر الناس حرصًا عليك.

الخاتمة: عندما يتحول الإنسان إلى سجين لذاته

الغرور لا يبدأ بالطغيان.

يبدأ غالبًا بفكرة صغيرة:

“أنا أفضل.”

ثم تتحول إلى:

“أنا أعرف أكثر.”

ثم:

“أنا لا أخطئ.”

ثم:

“لا أحتاج إلى أحد.”

وهنا يصبح الإنسان سجينًا لصورة صنعها عن نفسه، وكلما ارتفعت صورته في عينيه، أصبح من الصعب عليه أن يرى حقيقته.

لذلك فإن أعظم حماية للإنسان من الغرور ليست أن يقلل من نفسه، وإنما أن يعرف نفسه جيدًا؛ يعرف نقاط قوته وضعفه، يسمع النصيحة، يقبل النقد، يعترف بالخطأ، ويحترم الآخرين.

فمن ظن أنه لا يخطئ، بدأ أول أخطائه.

ومن رفض النصيحة، أغلق بابًا كان يمكن أن يقوده إلى الإصلاح.

ومن اعتقد أنه فوق الناس، نسي أن التفاضل الحقيقي ليس بما يملكه الإنسان من سلطة أو مال أو منصب، وإنما بما يحمله من أخلاق وتقوى وتواضع.

فالقيادة بلا تواضع قد تتحول إلى تسلط، والقوة بلا أخلاق قد تتحول إلى طغيان، والغرور إذا لم يُراجع صاحبه قد يحوّل الإنسان من شخص يملك السلطة إلى شخص تستعبده السلطة.
د. حنان درار استشاري الصحة النفسية والعقلية

المقالة السابقة

كردفان تحت الاختبار: انسحاب الدعم السريع وأزمة القيادة والتحول من التوسع إلى الانكفاء .. (40) .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

المقالة التالية

كلما انتصر الجيش… لماذا تظهر الأزمات واللقاءات المشبوهة والتسريبات المربكة؟ .. عادل الرفاعي ابوالحسن

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *