في السياسة يمكن أن تتعدد الأصوات، لكن في القانون الدولي لا يمكن أن تتعدد صفات تمثيل الدولة بالطريقة التي تشاءها التنظيمات السياسية، ومن هنا فإن مطالبة (الجبهة المدنية لإيقاف الحرب واستعادة الديمقراطية) بإتاحة منصة للدكتور عبدالله حمدوك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة باعتباره ممثلاً للصوت المدني السوداني تستحق قراءة قانونية هادئة تتجاوز الاصطفاف السياسي.
المشكلة ليست في حق الدكتور حمدوك أو أي شخصية سودانية في التعبير عن رأيها، ولا في حق المجتمع المدني السوداني في إيصال مطالبه إلى الأمم المتحدة، وإنما في الخلط بين التعبير المدني والتمثيل الرسمي للدولة، فالقواعد الإجرائية للجمعية العامة واضحة في هذه المسألة، إذ تنص المادة 27 من النظام الداخلي على أن أوراق اعتماد ممثلي الدول تصدر عن رئيس الدولة أو الحكومة أو وزير الخارجية، وتُحال إلى لجنة أوراق الاعتماد لفحصها، وبالتالي فإن اختيار جبهة سياسية أو مدنية لشخصية ما لا يمنحها بذاته صفة تمثيل السودان أمام الجمعية العامة.
أما الاستناد إلى حق المجتمع المدني فهو صحيح من حيث المبدأ، لكن له إطاره القانوني المؤسسي، فالمادة 71 من ميثاق الأمم المتحدة تقرر ترتيبات للتشاور مع المنظمات غي الحكومية، وقد تطورت هذه المشاركة عبر الأطر التي وضعها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهنا يظهر الفرق الجوهري المشاركة المدنية حق، أما تمثيل الدولة فصفة قانونية لها قواعدها.
ثم إن وصف الدكتور حمدوك بأنه (ممثل للصوت المدني السوداني) يثير سؤالاً آخر: من الذي فوض الجبهة لتحديد أن هذا هو الصوت المدني الجامع؟ فالسودان يضم قوى سياسية ومدنية واجتماعية وأهلية متعددة ولا يمكن لجبهة واحدة أن تختزل هذا التنوع في شخص واحد دون تفويض واضح.
وإذا كانت الغاية فعلاً هي إيصال أصوات المدنيين والنازحين واللاجئين فإن الطريق الأكثر اتساقاً مع مفهوم التعددية هو المطالبة بمنصة مدنية متعددة الأصوات، لا منح جهة واحدة حق اختيار متحدث باعتباره ممثلا للسودانيين.
خلاصة الأمر أن الدكتور حمدوك يمكن أن يتحدث إذا دُعي وفق الإجراءات الأممية بصفته السياسية أو المدنية، لكن تحويل ذلك إلى تمثيل للسودان أو ادعاء احتكار (صوت السودانيين) أمر مختلف قانوناً وسياسياً، فالسودان يحتاج إلى أن تُسمع أصوات أبنائه جميعاً، لا أن يتحول حق التعبير المدني إلى احتكار للتمثيل الوطني.


